طرابلس الليبية: من مدينة الأزمات إلى عاصمة ثقافية تستضيف معرض الكتاب الدولي بمشاركة 440 دار نشر


هذا الخبر بعنوان "من مدينة أنهكتها الأزمات إلى ملتقى للثقافة... معرض دولي للكتاب يجمع 440 دار نشر في طرابلس" نشر أولاً على موقع اليوم 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 23 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في قلب العاصمة الليبية طرابلس، التي طالما ارتبط اسمها بالأزمات السياسية والتوترات الأمنية، يسطع نور المعرفة والثقافة هذه الأيام مع انطلاق الدورة الثالثة من معرض النيابة العامة الدولي للكتاب. تستقبل المدينة 440 دار نشر من 29 دولة، تعرض ما يقارب 170 ألف عنوان، في تظاهرة ثقافية تتجاوز مجرد عرض الإصدارات لتشمل نقاشات فكرية وقانونية وأدبية عميقة. يقام المعرض على أرض معرض طرابلس الدولي تحت شعار «الأثر والتجديد»، بتنظيم مشترك بين مكتب النائب العام الليبي، عبر مركز البحوث الجنائية والتدريب، ووزارة الثقافة والتنمية المعرفية، في مبادرة فريدة تجمع بين المؤسسة القضائية والقطاع الثقافي لتشكيل أحد أبرز المواعيد الثقافية في العاصمة الليبية. وقد أعلنت اللجنة المنظمة، يوم الجمعة 23 أكتوبر، عن تمديد فعاليات المعرض حتى يوم الأحد 25 أكتوبر، لإتاحة المزيد من الوقت أمام الجمهور للاطلاع على الإصدارات والمشاركة في الأنشطة المصاحبة.
إن تنظيم معرض دولي للكتاب من قبل النيابة العامة قد يبدو غير مألوف، نظراً لارتباط اختصاصاتها بالعدالة وإنفاذ القانون. إلا أن القائمين على هذه المبادرة يرونها امتداداً للدور الوقائي والتوعوي للمؤسسة القضائية. ويؤكد محمد الأسود، مدير مركز البحوث الجنائية والتدريب التابع للنيابة العامة، على حرص المنظمين على تخصيص نسبة كبيرة من الندوات لنشر الثقافة والتوعية القانونية، بهدف المساهمة في الوقاية من الجريمة. وقد حصل المعرض، في دورته الحالية، على اعتماد من اتحاد الناشرين العرب، ليصبح من المعارض الدولية المعتمدة، بمشاركة فاعلة من وزارة الثقافة في التنظيم.
من جانبه، اعتبر وزير الثقافة والتنمية المعرفية الليبي، سالم مصطفى العالم، خلال حفل الافتتاح الرسمي، أن الجمع بين العدالة والثقافة يعكس تكامل أدوار مؤسسات الدولة، حيث تتولى العدالة حماية الحقوق وتكريس سيادة القانون، بينما تسهم الثقافة في تنمية الفكر وتعزيز الوعي والمسؤولية المجتمعية. يعكس هذا التوجه محاولة لتوسيع وظيفة المعرض، ليتحول من مجرد فضاء لبيع الكتب إلى منصة للحوار والتوعية حول القضايا المجتمعية والقانونية، بمشاركة ناشرين ومثقفين وباحثين من ليبيا وخارجها.
تعكس أرقام الدورة الثالثة حجم المشاركة الكبير، حيث تعرض 440 دار نشر من 29 دولة، منها المغرب، حوالي 170 ألف عنوان. يرافق ذلك برنامج غني يضم أكثر من 120 نشاطاً ثقافياً وتوعوياً وترفيهياً. تتنوع الإصدارات المعروضة لتشمل الأدب، الرواية، التاريخ، الفلسفة، العلوم القانونية، الدراسات الإسلامية، العلوم الإنسانية، كتب الأطفال، بالإضافة إلى الإصدارات العلمية والأكاديمية. ولا يقتصر الحضور على دور النشر، بل يمتد ليشمل جامعات ومراكز بحثية ومؤسسات ثقافية ليبية، إلى جانب مؤسسات متخصصة في البحث العلمي والدراسات التاريخية واللغة العربية. وتشمل الأنشطة المصاحبة ندوات حول القانون ومكافحة الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، ولقاءات تتناول الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وأمسيات شعرية وندوات أدبية وتوقيعات للكتب. وعلى الصعيد الدولي، يشارك ناشرون من بلدان عربية عديدة مثل المغرب، مصر، تونس، الجزائر، لبنان، الأردن، السعودية، والعراق، بالإضافة إلى مشاركات من دول أوروبية وأمريكية.
تُعد المشاركة المغربية، ممثلة بالدار المغربية للنشر والتوزيع، حضوراً لافتاً في معرض طرابلس للمرة الأولى، حيث تعرض إصدارات متخصصة في العلوم الشرعية، أصول الفقه، مقاصد الشريعة، والفقه المالكي. تهدف هذه المشاركة إلى التعريف بالإنتاج العلمي للباحثين المغاربة، وتعزيز التواصل الثقافي والمعرفي بين المغرب وليبيا. وتضم الإصدارات المعروضة مؤلفات لعدد من الباحثين والعلماء المغاربة، من بينهم العلامة أحمد الريسوني وناجي الأمين، بالإضافة إلى طبعات جديدة من مؤلفات متخصصة في الفقه المالكي. تكتسب هذه المشاركة أهمية خاصة بالنظر إلى الروابط الثقافية والعلمية العميقة بين المغرب وليبيا، واشتراك البلدين في التراث الفقهي المالكي.
في خطوة تهدف إلى التخفيف من كلفة المشاركة والشراء، قرر النائب العام الليبي، الصديق الصور، إعفاء الناشرين العرب المشاركين من رسوم إيجار الأجنحة، استجابة لطلب اتحاد الناشرين العرب. كما تم الإعلان عن تخفيضات تتراوح بين 30 و50 في المائة على أسعار الكتب، وذلك بالتنسيق بين اللجنة المنظمة واتحاد الناشرين العرب، بهدف تشجيع اقتناء الإصدارات وتسهيل استفادة الجمهور والجامعات منها.
يمنح معرض النيابة العامة الدولي للكتاب العاصمة الليبية فرصة للاحتفاء بالقراءة والكتاب، وإعادة جمع الناشرين والباحثين والمثقفين والجمهور حول موضوعات معرفية متعددة، في مدينة عانت طويلاً من تداعيات الانقسامات السياسية والاضطرابات الأمنية. كما يتيح تنوع المشاركات الليبية والعربية والدولية فرصة لتوسيع التواصل بين الناشرين والقراء، والتعريف بالإنتاج الثقافي والعلمي المحلي، وربط الجامعات والمؤسسات البحثية بسوق النشر. يراهن المنظمون على أن لا تقتصر القيمة الحقيقية للمعرض على أعداد المشاركين والزوار، بل تمتد إلى قدرته على جعل الكتاب أقرب إلى القارئ الليبي، وتحويل هذه التظاهرة التي تشرف عليها مؤسسة قضائية إلى موعد ثقافي مستمر يتجاوز أيام المعرض، ويمنح المعرفة مكانة أوسع في الحياة العامة.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
سياسة