"ملكة القطن" السودانية تتوج في وجدة: صراع الأرض والذاكرة وسلطة العائلة في فيلم يتجاوز الحدود


هذا الخبر بعنوان "“ملكة القطن” تتوج في مهرجان وجدة.. حكاية فتاة سودانية تصارع سلطة العائلة وصراع الأرض والذاكرة" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 23 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شكل تتويج فيلم "ملكة القطن" للمخرجة السودانية سوزانا ميرغني بالجائزة الكبرى للمهرجان الدولي المغاربي للفيلم بوجدة، لحظة سينمائية تتجاوز حدود المنافسة على الجوائز. يحمل العمل أسئلة إنسانية وتاريخية تتصل بالأرض والذاكرة والاستعمار وسلطة العائلة وحق المرأة في اختيار مصيرها. نجح الفيلم في نقل حكاية سودانية محلية إلى فضاء أوسع، تتقاطع فيه التجربة الفردية مع قضايا مشتركة تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.
قدمت سوزانا ميرغني السودان من زاوية مختلفة عن الصور النمطية، مستندة إلى تفاصيل الحياة في قرية صغيرة وحقول القطن وحكاية فتاة مراهقة تدعى نفيسة. تنسج المخرجة عملاً سينمائياً تتداخل فيه الحكاية الشخصية مع تاريخ طويل من الهيمنة والمقاومة، وتتحول فيه تفاصيل الحياة اليومية إلى مدخل لفهم التحولات الاجتماعية والاقتصادية.
تعيش نفيسة تحت سلطة جدتها، "الست"، التي اكتسبت مكانة أسطورية بفضل روايات مقاومتها للاستعمار البريطاني. تجمع شخصيتها بين حفظ الذاكرة الجماعية وممارسة سلطة تقليدية تتحكم في حياة حفيدتها. يطرح الفيلم سؤال العلاقة بين إرث الماضي وقيود الحاضر، وكيف يمكن لرموز المقاومة أن تتحول إلى أدوات لفرض الوصاية.
في "ملكة القطن"، لا يظهر القطن مجرد محصول زراعي، بل بوصفه حاملاً لذاكرة اقتصادية وسياسية تتصل بتاريخ الاستعمار. مع وصول رجل أعمال بمشروع لزراعة القطن المعدل وراثياً، تتشابك المصالح الاقتصادية مع مصير نفيسة، خصوصاً حين يرتبط المشروع بمستقبلها الزوجي. تجد الفتاة نفسها في قلب صراع تتداخل فيه رهانات التنمية ومصالح العائلة وموقع المرأة.
يفتح الفيلم أسئلة تتعلق بمن يمتلك الأرض، ومن يحدد طبيعة التنمية، ومن يملك الحق في تقرير مستقبل المرأة. الصراع يدور حول السلطة التي تتحكم في الموارد والخيارات، وقدرة الأفراد على مقاومة التقاليد والمصالح.
تكمن خصوصية العمل في معالجته هذه القضايا من دون خطاب سياسي مباشر، إذ تتجلى السياسة في تفاصيل الحقول وحكايات الجدة ومخاوف سكان القرية. يجعل الفيلم من الحياة اليومية فضاء لطرح أسئلة كبرى حول السلطة والملكية والحرية، مقدماً صراعاً اجتماعياً واقتصادياً تتداخل فيه الذاكرة الجماعية مع التحولات التي تفرضها المصالح الجديدة.
على المستوى الجمالي، يمزج الفيلم بين الواقعية والنزعة الشعرية، مستعيناً بعناصر من الواقعية السحرية. يحضر النيل والقطن كعنصرين يتجاوزان وظيفتهما المكانية والاقتصادية ليكتسبا أبعاداً رمزية. رغم أن بعض الانتقالات بين الواقعي والأسطوري تبدو أقل انسجاماً في لحظات معينة، فإن ذلك لا ينتقص من خصوصية التجربة وجرأتها في البحث عن لغة سينمائية تعبر عن البيئة السودانية من داخلها.
تكتسب تجربة إنجاز الفيلم بعداً إضافياً بتصويره في مصر عقب اندلاع الحرب في السودان، بمشاركة فنانين سودانيين نازحين. يضع هذا المعطى التجربة السينمائية في سياق بلد يعيش الحرب والاقتلاع، بينما يواصل فنانون سودانيون التعبير عن ذاكرتهم وتجربتهم الإنسانية من خارج وطنهم. تلامس الحكاية بصورة غير مباشرة واقع الفقد والنزوح والارتباط بالأرض والهوية.
فوز "ملكة القطن" بالجائزة الكبرى للمهرجان الدولي المغاربي للفيلم بوجدة ينسجم مع دور التظاهرات السينمائية في فتح المجال أمام تجارب عربية وإفريقية متنوعة. استطاع الفيلم، الذي يستمد مادته من قرية سودانية وذاكرتها الزراعية والاجتماعية، أن يجعل من قصة نفيسة مدخلاً للتفكير في الحرية والكرامة وحق الإنسان في تقرير مستقبله.
لم تقتصر قيمة المشاركة في المهرجان على متابعة الأفلام والتنافس على الجوائز، بل امتدت إلى الأجواء الإنسانية التي رافقت أيامه بمدينة وجدة. بدت المدينة فضاء يتيح اللقاء وتبادل التجارب. كانت حفاوة أهل وجدة وكرم استقبالهم جزءاً من التجربة، بما يعكسانه من قدرة الثقافة على خلق مساحات للتواصل الإنساني.
لم تكن وجدة مجرد محطة لعرض الأفلام وتوزيع الجوائز، بل فضاء للقاء بين السينما والذاكرة والإنسان. تتأكد قيمة السينما باعتبارها فناً قادراً على نقل الحكايات المحلية إلى أسئلة إنسانية أوسع، وعلى بناء جسور التواصل بين الشعوب انطلاقاً من قصصها وتجاربها الخاصة.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة