الهمزة: حرفٌ صغيرٌ بمتاعبَ كبيرة وقضايا لغوية وحياتية عميقة


هذا الخبر بعنوان "متاعب الهَمْزة" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 24 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتنوع الحروف في اللغة العربية؛ فمنها ما يستقر بهدوء ويؤدي وظيفته دون إثارة جدل، ومنها ما يأبى الاستقرار ويفرض شروطه على الكلمات، محيّرًا الكتاب ومستدعيًا أحكام القواعد. وتتصدر الهمزة هذه الحروف بصعوبتها، فهي صغيرة في رسمها، كبيرة في متاعبها، لا تلتزم كرسيًا واحدًا، وتتخذ مواضع مختلفة كأنها تتمرد على أعراف الأبجدية. إنها الحرف الوحيد الذي نجح في تحويل مسألة الكرسي إلى قضية لغوية تتوارثها الأجيال وتُفرد لها كتب الإملاء أبوابًا وفصولًا.
تتميز الهمزة في مطلع الكلمات بنوعيها: همزة القطع التي تثبت حضورها وصوتها مهما تغير موقع الكلمة، وهمزة الوصل التي يُنطق بها عند الابتداء ويُستغنى عنها عند اتصال الكلام. قد يبدو هذا التمييز مجرد قاعدة نطق، لكنه يكشف عن دلالات تتجاوز اللغة إلى الحياة العامة، بما تحمله من مفارقات. ففي الحياة من يتقن القطع أكثر من الوصل، يقطع الحوار ويخلف الوعود، بينما يُجيد آخرون الوصل حين تخدمهم المصالح. أما الهمزة، فلا شأن لها بهذه التقلبات؛ فهي لا تقطع إلا وفق أحكام النطق، ولا تصل إلا حيث تقتضي قواعد اللغة. ومن الإجحاف تحميل حرف صغير تبعات ما يمارسه البعض باسم التواصل أو القطيعة. فالهمزة أشد انضباطًا من كثير ممن يتصدرون منابر الخطاب؛ تعرف متى تثبت صوتها ومتى تستغني عنه، بينما يصر البعض على الكلام حين تقتضي الحكمة الصمت.
تحتل الهمزة مكانة مرموقة في الامتحانات المدرسية، حيث قد يخسر التلميذ نقاطًا بسبب خطأ في موضعها. لا اعتراض على ضرورة احترام اللغة، فسلامة الكتابة جزء من سلامة التعبير. لكن المفارقة تكمن في محاسبة الطفل على موضع همزة، والتساهل مع أخطاء أشد جسامة يرتكبها من يتولون مواقع المسؤولية. فعلى التلميذ أن يفسر سبب كتابة الهمزة على الواو في كلمة “سؤال”، بينما قد يتجاوز “مسؤول” أسئلة كثيرة دون عناء الإجابة. ويحرص المعلم على تصحيح رسم كلمة “مساءلة”، فيما تنتظر المساءلة الفعلية دورها في مؤسسات لا تفتقر إلى الخبراء أو القوانين. وخطأ إملائي بسيط يستدعي قلمًا أحمر، بينما يجد بعض المسؤولين لأخطاء التدبير تسميات ألطف وقعًا. وهكذا تخضع الهمزة في المدرسة لمحاسبة دقيقة، بينما لا تحظى مساءلة المسؤولين خارج أسوارها دائمًا بنفس التدقيق والصرامة.
تبرز كلمتا “السؤال” و”المسؤول” ككلمات تمنح الهمزة حضورًا دالًا. تجمعهما حروف متقاربة، وتربطهما في الحياة علاقة يُفترض أن تكون واضحة؛ فحيثما وجد مسؤول، وجبت المساءلة، وحيثما طرح المواطن سؤالًا مشروعًا، كان من حقه تلقي جواب واضح. لكن هذه العلاقة تتعرض أحيانًا لاختبارات شاقة، فقد يتحول السؤال المباشر إلى مناسبة لاستعراض الإنجازات أو رحلة طويلة بين الإجراءات. ويخرج السائل محملاً بفيض من المعلومات دون أن يجد جوابًا. ولعل الهمزة أوفر حظًا من المواطن؛ إذ تضبط قواعد اللغة موقعها، بينما تظل مكانة السؤال في اهتمامات المسؤول رهينة ما يختار أن يسمعه أو يتجاهله.
تبدو الهمزة أقل الحروف مسؤولية عن الاضطراب الذي ينسبه إليها الكتاب؛ فهي لم تطلب منهم الاختلاف حول مقاعدها، ولا من السياسيين رفع الأمانة دون التزام، ولا من الإدارات كثرة الحديث عن الأداء دون نتائج. أرست اللغة للهمزة قواعد تضبط حضورها وغيابها، بينما يتنقل بعض الناس في الحياة بين المواقع والمواقف دون تفسير مقنع. ولعل الوقت قد حان كي تنعم الهمزة بالراحة؛ فقد حملت من أخطاء التلاميذ وخلافات الكتاب وتعقيدات القواعد ما يكفي. ولو أخضعنا بعض المناصب لصرامة قواعد الهمزة، لأصبح الوصول إلى الكرسي أصعب، والاستمرار فيه مرهونًا بالكفاءة وحسن الأداء وتحمل المسؤولية. تواصل الهمزة أداء دورها المتواضع في اللغة، وتذكرنا بأن لكل حركة أثرًا، ولكل موقع مقتضياته. ويا لها من مفارقة تستحق التأمل! نعلم الأطفال كيف تختار الهمزة كرسيها المناسب، ثم نكتشف أن اختيار الكرسي في الحياة لا يخضع دائمًا لنفس الدقة والصرامة، وأن قيمة المكان لا تنبع من مكانته وحدها، بل ممن يشغله، وما يبذله من جهد، وما يُظهره من كفاءة، وما يلقاه من تقدير. لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة