تنويه
هذا الخبر بعنوان "حينما تصبح غزة ضحية المنابر" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 24 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
وجهة نظر: يحيى التوزاني
في 24 أكتوبر 2026، يطرح الكاتب يحيى التوزاني تساؤلاً مؤلماً حول تحول المنابر، التي طالما كانت منبراً للوعظ والإرشاد، إلى مساحات للصمت المريب كلما تعلق الأمر بقضية غزة. ويتساءل الكاتب بمرارة عن حال بعض الخطباء الذين لا يكلون ولا يملون في الحديث عن تفاصيل الحياة اليومية، بينما يصمتون كأن على أفواههم طائراً كلما تعلق الأمر بأمة تُذبح وأطفال يُجَوَّعون ونساء يُرَمَّلْنَ وبيوت تُسَوَّى بالأرض.
يستنكر الكاتب الخطب التي تخلو من أنين المظلومين، والمنابر التي تتسع لكل شيء إلا للدعاء لغزة والاستنصار لأهلها والتضرع إلى الله لفك حصارهم ورفع البلاء عنهم. ويؤكد أن المطالبة ليست بتحويل المساجد إلى منابر للصراخ، بل هي دعوة للخطباء بأن يظلوا أوفياء لرسالة المنبر، وأن يتذكروا أن الدين ليس مجرد طقوس تُؤدَّى بمعزل عن آلام الناس، وأن الدعاء للمظلومين ليس خروجاً عن وظيفة المسجد، ونصرة المكلومين ليست ترفاً خطابياً يمكن الاستغناء عنه متى تعارض مع حسابات أصحاب القرار.
ويشدد التوزاني على أن غزة ليست قضية عابرة أو خبراً يُتلى ثم يُطوى، بل هي امتحان للضمائر ومرآة تكشف حقيقة المواقف وميزان يفرّق بين من يحمل رسالة ومن يرتدي عباءتها لتحقيق مآرب أخرى. ويشير إلى أن المؤلم حقاً هو اختيار بعض الخطباء، ممن يفترض فيهم أن يكونوا صوت المستضعفين، للحياد البارد، وكأن الأمر لا يعنيهم، وكأن الدم الفلسطيني لا يدخل في حسابات الموعظة، وكأن الدعاء لأهل غزة يحتاج إلى إذن من أحد. ويتساءل: هل أصبح استنكار الظلم موقفاً يحتاج إلى ترخيص؟ وهل صار الدعاء للمحاصرين مخاطرة تستوجب الحسابات؟ أم أن بعض المنابر باتت أسيرة حسابات لا علاقة لها بوجع الأمة، حتى غدا الخطيب يزن كلماته بميزان رضا أصحاب النفوذ، لا بميزان الحق والعدل؟
يعتبر الكاتب أن أخطر ما يصيب المنبر ليس أن يرتفع عليه صوت مخالف، بل أن يتحول إلى صوت مروّض، يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، ومتى يشتد على الضعفاء ومتى يلين أمام أصحاب السلطة. ويطرح سؤالاً على الذين يلوذون بالصمت خوفاً على أرزاقهم أو حرصاً على مواقعهم: ما قيمة الكلمات التي تُقال كل جمعة إذا كانت تتبخر عند أول امتحان حقيقي للضمير؟ وما جدوى الحديث عن التقوى إذا كانت لا تمنح صاحبها شجاعة قول كلمة حق في وجه الظلم؟
أما الذين يختارون الصمت استرضاءً لولي نعمتهم، أو حفاظاً على دراهم معدودات، فليعلموا أن المال قد يشتري الصمت والولاء الظاهري، لكنه لا يمنح صاحبه احترام الناس ولا يصنع له مكانة في ذاكرة الأحرار. ويؤكد أن تكرار الصمت حتى يصبح منهجاً يكشف أن القضية أعمق من الخوف العابر، إنها أزمة في ترتيب الأولويات، وربما في فهم حقيقة الرسالة التي يحملها المنبر.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي ألا نعمّم الحكم على جميع الخطباء، فبينهم من يتألم بصمت، ومن يصدع بما يستطيع، ومن يختار الحكمة في التعبير دون أن يتخلى عن المبدأ. كما أن تقدير الظروف التي قد تقيّد بعض الأصوات لا يعني تبرير كل صمت، ولا إعفاء كل قادر من مسؤوليته الأخلاقية.
ويختتم الكاتب بالقول: لسنا بحاجة إلى خطباء يجيدون رفع أصواتهم على الضعفاء، ثم يخفضونها أمام الأقوياء. ولا إلى مواعظ تفيض بالوعيد في مسائل الخلاف الصغيرة، ثم تصبح شديدة الحذر حين يتعلق الأمر بدماء الأبرياء وكرامة المظلومين. نحن بحاجة إلى رجال يعرفون أن المنبر أمانة، وأن الكلمة مسؤولية، وأن الدعاء للمكلومين ليس منّة من أحد، بل هو من صميم الرحمة التي جاء بها الإسلام.
ويوجه نداءً لأصحاب المنابر: إن غزة لا تنتظر منكم معجزات، ولا تطلبون أنتم لأنفسكم بطولة خارقة؛ إنها تنتظر كلمة صادقة، ودعاءً خاشعاً، وموقفاً أخلاقياً يذكّر الناس بأن الأمة، مهما أثقلتها القيود، لا تزال تحمل في ضميرها نبضاً حياً. فلا تجعلوا الخوف أبلغ من الموعظة، ولا تجعلوا حسابات الدنيا أعلى صوتًا من أنين المظلومين، ولا تسمحوا للدراهم أن تشتري منكم ما لا ينبغي أن يُباع. فالتاريخ لا يسأل المنابر عمّا حفظته من الخطب، بل عمّا قالته حين كان الصمت أسهل، والكلام أثقل، والضمير في امتحان. وغدًا، حين تُطوى صفحات هذه المأساة، لن تكون العبرة بعدد الخطب التي أُلقيت، بل بما بقي من صدقها في القلوب، وما تركته من أثر في الوعي، وما كشفته من معادن الرجال. أما غزة، فحسبها أن الله يعلم وجعها، ويسمع دعاءها، ويرى دموع أطفالها. وأما نحن، فحسبنا أن نتذكر أن الله لا تخفى عليه خافية، وأن المنابر مهما صمتت، فإن صمتها لن يُسكت شهادة التاريخ، ولن يُعفي الضمائر من أسئلتها.
ويختتم بالسلام على منبرٍ ظلّ وفيًّا للمظلومين، وسلامٌ على خطيبٍ لم يبع ضميره، والعار على كل كلمةٍ قُيّدت بثمن، وكل صمتٍ اتخذ من المصلحة دينًا، ومن رضا أصحاب النفوذ قبلةً يتوجه إليها.
أخبار ذات صلة
سياسةطعن برلماني يستهدف مقعد محمد السالماني بالنواصر بسبب الانتقال من "الأحرار" إلى "البام"
سياسةالدرك الملكي المغربي يعزز التعاون الأمني الدولي في قمة «فياب» بالأرجنتين
سياسةنداء عاجل لرئيسة الحكومة: إنصاف دكاترة التربية الوطنية وتطبيق القانون لإنقاذ المدرسة العمومية
سياسة
