الخطأ المتعمد في اللغة العربية: سياسة تهميش أم استراتيجية مقصودة؟


هذا الخبر بعنوان "حين يغدو الخطأ سياسة" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 24 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
وجهة نظر فؤاد بوعلي 24 أكتوبر 2026 - 23:20
“اللغة العربية تضايقهم لأنهم لا يستطيعون قراءتها… والعبارة العربية تزعجهم لأنهم لا يستطيعون تركيبها”. هذه المقولة لنزار قباني تلخص جوهر النقاش حول الصورة التي ظهرت بها رئيسة الحكومة المعينة حديثا، فاطمة الزهراء المنصوري، أمام البرلمان. إن طريقة تعاملها مع اللغة العربية تثير تساؤلات جوهرية حول مدى إحساس المسؤول المغربي بدوره في الحفاظ على الانتماء الوطني والسيادة اللغوية.
الخطأ الذي ارتكبته الرئيسة، والذي زعمت أنه مجرد لحن أو صعوبة في التهجئة أو اختلاف لهجي، يبدو في حقيقته سياسة متعمدة. الإصرار على هذا الخطأ في أول ردودها يعيد إلى الأذهان حادثة تعرض لها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، حيث انتقد دكتور بريطاني خطأه في نطق كلمة أمام مجلس اللوردات، معتبراً ذلك تقويضاً للغة الإنجليزية التي يجب على المسؤولين صيانتها.
إن السيادة الوطنية لا تنفصل عن السيادة اللغوية، والاعتزاز بالذات وباللسان الوطني هو مدخل هذه السيادة. لذلك، فإن المؤهلات العلمية أو الأكاديمية للمسؤول، أو حتى أميته الأبجدية، قد لا تكون العامل الحاسم في وعيه بالمسؤولية الحضارية والاستراتيجية. الأهم هو أن يستوعب المسؤول أن استخدام اللغة الرسمية ليس مجرد خيار تواصلي أو قرار شخصي، بل هو جزء لا يتجزأ من سيادة الدولة التي يمثلها. أي تهاون أو استهانة بقدرة اللغة على تحقيق التميز الوظيفي والسياسي يعني ضرباً لاستقلالية الدولة ومنعتها الخارجية، وهدمًا لمقومات الانتماء الداخلي. فلا يعقل أن يُسند تدبير الشأن السياسي لمن يفتقر إلى الوعي بدور اللغة في النهوض بالإصلاح المنشود.
إن الرئيسة التي أخطأت، أو تعمدت الخطأ، في اللغة العربية ودافعت عنه، قد لخصت الواقع اللغوي السائد لدى المسؤولين المغاربة، وهو تبني "سياسة الخطأ" كمنهج. على النقيض من ذلك، نجد العديد من الدبلوماسيين الأجانب ينكبون على إتقان اللغة العربية فور تكليفهم بمهامهم في المغرب أو البلدان العربية. لكن المسؤول المغربي قد لا يبذل جهداً في تعلم لغته الرسمية، لأنه قد يكون مقتنعاً بأن خطأه هو ما أوصله إلى سدة المسؤولية، بل ربما يعتقد أنه وصل بالخطأ والغفلة. فكيف يمكن مطالبة صاحب الخطأ بتصحيحه؟
منذ فترة ونحن نشهد انتهاكاً للسيادة اللغوية من خلال الجرأة على اللغة العربية، اللغة الرسمية الأولى في الدستور، عبر الأخطاء في التركيب والصوت. هذا الانتهاك يقابله تهميش ممنهج لها في السياسة الوطنية. نزار قباني عبر ببراعة عن هذا الوضع المتكرر في العالم العربي: “اللغة العربية تضايقهم لأنهم لا يستطيعون قراءتها … والعبارة العربية تزعجهم لأنهم لا يستطيعون تركيبها”. هذا العجز يُترجم إلى سياسة لغوية تهمش العربية وتضعها على هامش الأحداث. ويتجلى ذلك بوضوح في التصريح الحكومي الذي أغفل الإشارة، ولو شكلياً، إلى النهوض باللغة العربية وتنميتها، بالرغم من وجود أحزاب وطنية في الحكومة بنت حملتها الانتخابية على برنامج تعاقد فيه الناخبون على التمكين للعربية وفرضها في التواصل المؤسساتي. لكن البرنامج الحكومي تراجع بشكل صارخ عن هذا الالتزام، مما يطرح تساؤلاً حول ما إذا كان هذا البرنامج يعكس توجه حزب معين أم جميع الأحزاب المشاركة في الحكومة. وإذا كانت بعض هذه الأحزاب قد تعاقدت مع المواطنين على إعادة الاعتبار للعربية والتواصل الرسمي بها في كافة الفضاءات، فما هو موقع ذلك من البرنامج الحكومي المصادق عليه؟
على مدى عقود، تابعنا إصراراً على تهميش اللغة العربية. أما الآن، فنحن نشهد حرباً ضروساً عليها، تتجلى ليس في تغييبها عن المشهد، بل في عدم إيلائها أي أهمية تُذكر. في المقابل، تُدعم اللغة الأمازيغية ومؤسساتها وبرامجها بملايين الدراهم، وهذا حقها. بينما تُحاصر العربية وتُغيب وتُهمش ولا تُدعم، وتُغلق مؤسساتها وتُقيد قوانينها. والأنكى من ذلك، أنها تُزال من مجالاتها الطبيعية كالإعلام والإدارة والتعليم، حتى أصبحنا نرى وزراء يفتتحون تسلم مهامهم بلغة أجنبية. ويبدو أن هذا الوضع مرشح للاستمرار.
لذلك، فإن أخطاء رئيسة الحكومة ليست مجرد صعوبة عارضة أو خطأ إملائي يُنسب زوراً إلى أهل مراكش (مع العلم أن خيرة الفصحاء وقمم الثقافة المغربية خرجوا من هذه المدينة، ولو كلفت نفسها عناء زيارة المنتديات الثقافية هناك لعرفت الحقيقة). بل هي جزء من سياسة مرسومة منذ عقود لتهميش اللغة العربية. عندما يختار المغاربة، فهم يختارون هويتهم وتنميتهم، ولا تنمية بدون هوية وبدون عربية. لذا، يجب على المسؤول أن يستوعب أن استخدام اللغة الرسمية ليس اختياراً تواصلياً أو قراراً ذاتياً، بل هو جزء من سيادة الدولة التي يمثلها. وأي تهاون أو استهانة بقدرتها على تحقيق التميز الوظيفي والسياسي يعني ضرباً لاستقلاليتها ومنعتها الخارجية، وهدمًا لمقومات الانتماء الداخلي.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة