«مول الكاريطة»: العين الساهرة على الأمن الحضري.. بين الاستغلال والدعم المفقود


هذا الخبر بعنوان "مول الكاريطة: البنية الخفية للضبط الترابي واليقظة الاستعلاماتية في المجال الحضري" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 25 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مدخل: ما وراء الاقتصاد غير المهيكل.. من طاولة «الديطاي» إلى الضبط الترابي
لا يمكن فهم التنظيم المجالي للمدن والمراكز شبه الحضرية بالمغرب دون التوقف عند ظاهرة بائع السجائر بالتقسيط، المعروف بـ«مول الكاريطة». ينتصب هذا الفاعل الميداني، الذي لا تتجاوز مساحته مترا مربعا، عند مداخل الأزقة أو بمحاذاة المرافق العمومية، ليروج السجائر بالتقسيط («الديطاي») وسلعا استهلاكية بسيطة. ورغم أن النظرة السطحية تختزله في مظاهر القطاع غير المهيكل أو احتلال الملك العمومي، فإن قراءة متأنية من زاوية القانون الإداري وعلم الاجتماع السياسي تكشف عن حقيقته كحلقة قاعدية غير مرئية في منظومة الضبط الترابي وحفظ النظام العام. فـ«مول الكاريطة» لا يعمل في فراغ، بل يتموقع في نقطة تقاطع حساسة تجمع بين الرقابة المجتمعية الذاتية («الحضية»)، والشرطة الإدارية المحلية، والعمل الاستعلاماتي الميداني لمختلف الأجهزة الترابية والأمنية، بدءا من أعوان السلطة المحلية («المقدم» و«الشيخ») ورجال السلطة («القايد» و«الباشا» و«العامل»)، مروراً بمصالح المديرية العامة للأمن الوطني (الاستعلامات العامة والشرطة القضائية)، والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، ووصولاً إلى القيادة العليا للدرك الملكي في المجالات شبه الحضرية والضواحي. ويطرح استمرار هذا النشاط في المنطقة الرمادية للقانون تساؤلات حول طبيعة التعاقد الضمني القائم بين الإدارة الترابية وهذا الفاعل: كيف يتحول بائع «الكارو بالتقسيط» إلى رافد للمعلومة الاستباقية؟ وما هي آلياته لحفظ الأمن العام؟ وكيف يفسر استثناؤه من حملات تحرير الملك العمومي، مقابل إقصائه من البرامج الاجتماعية والاقتصادية الحكومية؟
التموضع المجالي في «راس الدرب» وهندسة الرقابة البصرية والسمعية
لا يخضع اختيار موقع «الكاريطة» للصدفة، بل لمنطق ميداني صارم يقوم على كشف المداخل والمخارج الرئيسية للتجمعات السكنية. فالتمركز الاستراتيجي عند فوهة الزنقة («راس الدرب») أو في المدارات الطرقية يمنح البائع زاوية رؤية شاملة ومستمرة. وتستمد هذه الحرفة أهميتها الرقابية والاستعلاماتية من خاصيتين: المرابطة الزمنية المتواصلة في الفضاء العمومي، وقدرة فائقة على الاحتكاك المباشر بجميع الشرائح الاجتماعية نظراً لطبيعة سلعة السيجارة المفردة («كارو واحد»). هذا الاحتكاك يجعل من طاولة «مول الكاريطة» مركزا لتجميع المعطيات الأولية حول الحركية السكانية والأمنية بالحي.
تقنيات التحري الميداني وشيفرات التواصل مع «المقدم» وضباط البحث
تتجاوز وظيفة «مول الكاريطة» حدود البيع العادي لتشمل ممارسة يومية للتحري الميداني التلقائي، وتصريف المعلومة عبر قنوات تواصل غير معلنة. في فترات هدوء الحركة، يبرز دوره الرقابي في فرز العناصر الغريبة عن المكان («البراني»). وحين يتقدم شخص غير مألوف، يعمد البائع المتمرس إلى إبطاء عملية البيع لتدقيق النظر في ملامحه. وتُستخدم عبارات تواصلية مألوفة لاستدراج الغريب، مثل: «ما باينش ليا من هاد القنت أ الشريف، واقيلا كتسول على شي حد فالدرب؟». إذا أفصح الوافد عن بحثه عن شخص مبحوث عنه أو بدا عليه التهرب، يكون «مول الكاريطة» قد التقط المعطى الأساسي. وللحفاظ على السرية، يتفادى اللقاءات العلنية المطولة، مستعيضا عنها بآليات تواصل سريعة ومموهة، كإشارة بالعين أو إيماءة بالرأس نحو زقاق فرعي لـ«المقدم»، أو تمرير معلومة عبر قصاصة ورقية أثناء عملية اقتناء السيجارة.
اقتصاد «الديطاي» وسلطة «كناش الكريدي» كآلية للرصد المالي والاجتماعي
يرتبط الدور الاجتماعي والأمني لـ«مول الكاريطة» بطبيعة الدورة الاقتصادية المصغرة التي يديرها. فبيع السجائر بالتقسيط يرفع العائد المالي للبائع، ويتعزز بترويج مواد مكملة ذات ربحية مرتفعة. كما أن أغلب عربات «الكاريطة» تضم مخزونا محدودا من السجائر المهربة أو التبغ الممضوغ والمستنشق («الكالة» و«النفحة»)، يصرف حصريا للزبائن المعروفين. ويبرز هنا التسامح الإداري المشروط؛ فغض الطرف عن هذا النشاط المحدود يقابله التزام قطعي بعدم التورط في ترويج المؤثرات العقلية أو المخدرات. ويمسك «مول الكاريطة» سجلا ذهنيا أو ورقيا يعرف بـ«كناش الكريدي»، يدون فيه الديون الصغيرة لأبناء الحي، مما يمنحه هيبة وسلطة معنوية، ويتيح له تتبع التحولات المالية المفاجئة التي قد تثير الشبهة.
حفظ الأمن العام والسكينة العامة والوساطة الجوارية
يسهم «مول الكاريطة» بشكل غير مباشر ولكن فعال في تكريس شقي الأمن والسكينة داخل الأزقة السكنية. فوجوده الميداني المستمر يشكل ردعا وقائيا ضد جرائم الشارع، من سرقات بالخطف («الكريساج») واعتداءات. وهذا يفسر شعور الساكنة بنوع من الأمان التلقائي في الأزقة التي تتوفر على بائع سجائر مستقر. وإلى جانب هذه الوظيفة الردعية، يضطلع البائع بدور الوساطة الاجتماعية الأولية داخل الحي؛ إذ يودع لديه السكان مفاتيح شققهم وأماناتهم البسيطة، ويستعين به موزعو البريد والمفوضون القضائيون للاستدلال على عناوين المطلوبين، كما يتدخل لاحتواء الخلافات الجوارية البسيطة.
التراتبية الاستعلاماتية: التمييز الميداني بين «المتعاون» و«العين» و«البركاك»
لا يصنف جميع بائعي السجائر بالتقسيط في خانة واحدة. ففي المستوى القاعدي، نجد «البائع المسالم» الذي يقتصر ارتباطه على علاقة إدارية تقليدية مع «المقدم» و«القايد». ويرتقي فوقه صنف «العين» (المتعاون الميداني) الذي يربطه تنسيق منتظم مع عون السلطة وعناصر الشرطة القضائية أو الاستعلامات العامة. وفي قمة الهرم الخفي، يتموقع المخبر المحترف المعروف بـ«البركاك»، الذي يرتبط بقنوات اتصال مباشرة وسرية مع ضباط الأبحاث الجنائية أو الأجهزة الاستخباراتية. وتُستخدم «الكاريطة» أحيانا كغطاء ميداني لهذا العنصر. ولا تعتمد الإدارة الترابية والأجهزة الأمنية معطيات «مول الكاريطة» بشكل آلي، بل تخضعها لقاعدة «تقاطع المصادر» والمطابقة الميدانية.
بنية «التقرير المسائي».. الرصد اليومي للحركية السكانية والأمنية والعمرانية
مع حلول المساء، تتجمع لدى «مول الكاريطة» خلاصة رصد يوم كامل، تنقل في شكل إفادات شفهية مقتضبة أو اتصالات هاتفية مع «المقدم» أو عناصر الأمن. ويتصدر ضبط الحركية السكانية والكراء غير المصرح به قائمة الأولويات في هذا التقرير المسائي. وبالموازاة مع ذلك، يواكب التقرير المسائي حالات الجنوح والعود الجنائي، ويرصد ظهور حالات الإدمان على المؤثرات العقلية («القرقوبي») ومحاولات اختراق الزنقة من طرف مروجي المخدرات («البزناسة»). كما يلتقط المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية الطارئة، مثل التغيرات غير المألوفة في النمط المعيشي لبعض القاطنين، أو حالات العوز الشديد، أو النزاعات العقارية والإرثية. ويسجل البائع أرقام تسجيل السيارات الغريبة التي تتوقف لفترات طويلة، ويرصد أي شخص غريب يطرح أسئلة مريبة. كما يضطلع، بحكم تواجده الليلي، بمراقبة مخالفات التعمير والبناء غير القانوني.
الاستثناء من حملات «تحرير الملك العمومي» ومفارقة الإقصاء من برامج الدعم الحكومي
يختزل مشهد حملات تحرير الملك العمومي الوضعية الاستثنائية لـ«مول الكاريطة». فحين تستنفر الملحقات الإدارية والباشويات أجهزتها، يكون الجميع عرضة لطائلة الحملة دون تمييز، إلا «مول الكاريطة»؛ فهو الاستثناء الوحيد الذي لا تطاله يد الحجز والمصادرة الفعلية. ويعود ذلك إلى إدراك السلطة الترابية أن وجوده المستمر يسهم بشكل حيوي في تقديم خدمات أمنية واستعلاماتية يومية. غير أن ما يسترعي الانتباه هو تلك المفارقة الاجتماعية والسياسية الصارخة؛ فعلى الرغم من عِظَم الخدمات الأمنية التي يسديها، لا يستفيد من أي برنامج اجتماعي أو اقتصادي رسمي. إنه حاضر بقوة في الحسابات الأمنية والترابية للدولة، لكنه غائب أو مغيب تماما عن قوائم المستفيدين من برامج الدعم الحكومي. وينطوي هذا الإغفال الحكومي على منطق وظيفي مضمر؛ فالحكومة وأجهزة الدولة تعلم أن إدماجهم في برامج الدعم قد يغنيهم عن الحاجة، ويخرجهم من دائرة الهشاشة التي تجعلهم مرتهنين لـ«التسامح الإداري» للسلطة المحلية، مما قد يؤدي إلى إتلاف وظيفتهم الأمنية وتعطيل حافزهم الميداني.
الموقع الوظيفي لـ«مول الكاريطة» في الهندسة السياسية والدستورية المغربية
من زاوية القانون الدستوري وعلم السياسة، يمثل «مول الكاريطة» آلية قاعدية تتكامل مع هندسة السلطة الترابية وفلسفة الحكم في المغرب. فالنموذج الأمني المغربي يرتكز على عقيدة الأمن الاستباقي والوقائي والمجتمعي. وبدون جذور ممتدة في عمق النسيج المجتمعي، لا يمكن لهذه العقيدة أن تشتغل بكفاءة. وهنا يمثل «مول الكاريطة» أصغر خلية في جهاز الاستشعار المبكر للدولة. ومن الناحية القانونية، يمارس نشاطه في وضعية غير سليمة، سواء من حيث احتلال الملك العمومي أو ممارسة نشاط تجاري غير مقنن. غير أن النظام السياسي والإداري المغربي يدير هذه الوضعية عبر آلية «السلطة التقديرية للإدارة في حفظ النظام العام» وتغليب منطق «الملاءمة الأمنية والاجتماعية» على منطق «المشروعية الشكلية الصارمة». وينشأ عن هذا «التسامح الإداري المشروط» علاقة تبعية وولاء وظيفي بين البائع وممثلي السلطة الترابية. كما تضطلع وزارة الداخلية بدور مركزي في رصد التحولات الاجتماعية والسياسية، وتعد التقارير اليومية التي يرفعها «المقدمون» و«الشيوخ» المادة الخام لهذه القراءة. ويشكل «مول الكاريطة» أحد المصادر الأساسية التي تغذي هذه التقارير بمؤشرات حقيقية حول المزاج الشعبي العام.
المقومات المهنية لـ«مول الكاريطة» ومستقبل الظاهرة في ظل التحولات الحضرية
لا يستطيع أي بائع سجائر أن يحافظ على موقعه المزدوج بين ثقة «ولاد الدرب» وثقة الإدارة الترابية والأمنية ما لم يتحل بضوابط سلوكية صارمة، منها «التغابي الوظيفي» والحياد الظاهري. ويضاف إلى ذلك تمتعه بذاكرة بصرية وسمعية حادة. وفوق هذا كله، يحرص البائع المتمرس على أقصى درجات التكتم وتفادي الاصطدام بالمحيط. واليوم، تواجه ظاهرة «مول الكاريطة» تحولات مجالية وتقنية متسارعة؛ فمن جهة، شرعت كبريات الحواضر المغربية في إرساء منظومات المراقبة بالكاميرات، غير أن الخبرة الأمنية تؤكد أن المراقبة التقنية لا تلغي الحاجة إلى العنصر البشري. ومن جهة ثانية، أدى امتداد السكن العمودي والإقامات المغلقة إلى تراجع بنية «الدرب» التقليدي، ومع ذلك، سرعان ما أعاد «مول الكاريطة» إنتاج تموقعه عند مداخل هذه التجمعات السكنية أو بجوار المقاهي المحيطة بها. في الختام، يتجاوز «مول الكاريطة» بكثير صورته النمطية كبائع متجول. إنه يمثل نقطة التقاء دقيقة بين المجتمع والسلطة، وآلية قاعدية من آليات الضبط الإداري والأمني والسياسي للمجال الحضري. وبينما يضمن لنفسه استثناء من حملات تحرير الملك العمومي، يظل في المقابل مقصيا من كافة البرامج الاجتماعية والاقتصادية الحكومية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة