اختبار حكومي: "الوردة" و"الكتاب" أمام تحدي ترجمة الشعارات الاجتماعية إلى إنجازات


هذا الخبر بعنوان "تدبير "حقائب اجتماعية" يضع "الوردة" و"الكتاب" أمام امتحان التدبير الحكومي" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 26 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تثير مشاركة حزبي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (الوردة) والتقدم والاشتراكية (الكتاب) في الحكومة الجديدة، بعد تجربتهما في المعارضة، تساؤلات حول قدرتهما على تجسيد توجهاتهما الاجتماعية والإصلاحية داخل الجهاز التنفيذي، خاصة فيما يتعلق بتطوير الخدمات العمومية. تضع هذه المشاركة الحزبين أمام مسؤولية الانتقال من مرحلة طرح البدائل وانتقاد السياسات إلى المساهمة في تنفيذها وتحمل نتائجها، لا سيما مع توليهما قطاعات اجتماعية حيوية. كما تختبر هذه التجربة قدرتهما على تحويل "مرجعيتهما الاشتراكية" إلى إجراءات ملموسة تلبي تطلعات المغاربة.
يشارك حزب الاتحاد الاشتراكي بخمسة وزراء ووزراء منتدبين، ويتولى مسؤولية قطاعات أساسية كالصحة والحماية الاجتماعية، والشغل والحوار الاجتماعي، والتعليم الأولي ومحاربة الهدر المدرسي. في المقابل، يضم تشكيل الحكومة وزيريْن ووزيراً منتدباً عن حزب التقدم والاشتراكية، يتولون تدبير قطاعات التربية الوطنية والطاقة والمعادن والتنمية المستدامة، بالإضافة إلى الإدماج الاجتماعي.
من المعارضة إلى الحكومة: اختبار الهوية والإنجاز
يشير الحبيب استاتي زين الدين، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض، إلى أن انتقال الحزبين من المعارضة إلى الحكومة هو "دلالة تتجاوز مجرد تغيير الموقع المؤسساتي". وأوضح استاتي أن الحزبين بنيا جزءاً كبيراً من خطابهما على نقد السياسات الاجتماعية والاقتصادية، وقضايا القدرة الشرائية، والتعليم والصحة والشغل والحماية الاجتماعية والعدالة المجالية. وقد ربط حزب التقدم والاشتراكية دخوله الحكومة بإمكانية الإسهام في العدالة الاجتماعية والمجالية والإصلاح الديمقراطي، بينما ربط الاتحاد الاشتراكي المشاركة بتحويل مقترحاته إلى التزامات حكومية قابلة للتنفيذ والتقييم.
وأضاف استاتي أن الانتقال إلى الحكومة يضع الحزبين أمام اختبار مختلف؛ فالمطلوب لم يعد فقط تشخيص الاختلالات أو تقديم البدائل، بل البرهنة على قابلية تلك البدائل للتحول إلى قرارات ونتائج. وشدد على أن الحقائب المسندة للحزبين تكتسي دلالة خاصة، حيث يتولى الاتحاد الاشتراكي الصحة والحماية الاجتماعية والشغل والتعليم الأولي، بينما يتولى التقدم والاشتراكية التربية الوطنية والطاقة والتنمية المستدامة والإدماج الاجتماعي. هذه القطاعات، بحسب استاتي، "ليست هامشية، بل توجد في قلب المسألة الاجتماعية وفي صلب العلاقة اليومية بين المواطن والدولة".
وأوضح استاتي أن إسناد القطاعات الاجتماعية إلى حزبين ذوي مرجعية يسارية يمنحهما فرصة لترجمة هويتهما البرنامجية إلى سياسة عمومية، لكنه يرفع في الوقت نفسه كلفة المشاركة عليهما، لأن المواطن يقيس نتائج السياسات في قطاعات مثل المدرسة والمستشفى والشغل والحماية الاجتماعية بصورة مباشرة. ولذلك، فإن المشاركة ستضع الحزبين أمام انتقال من "شرعية الخطاب الاجتماعي إلى شرعية الإنجاز الاجتماعي".
مسؤولية سياسية وتحديات الهوية
يرى استاتي أن دخول الحزبين الحكومة يغير علاقتهما بالخطاب الذي راكماه في المعارضة. السؤال المطروح هو ما إذا كان الحزبان قد استطاعا إدخال جزء من البدائل التي دافعا عنها إلى البرنامج الحكومي. إذا وجدت استمرارية بين تشخيصهما السابق والسياسات التي سيدافعان عنها اليوم، يمكن قراءة الانتقال كتحول من المعارضة الاقتراحية إلى التنفيذ. أما إذا تقلص التمايز البرامجي وأصبح الحضور مقتصراً على تدبير القطاعات، فسيُطرح سؤال الهوية السياسية للحزبين داخل الائتلاف الحكومي.
ومع ذلك، لفت استاتي الانتباه إلى قيد دستوري مهم: "الوزير لا يدير قطاعه باعتباره ممثلاً مستقلاً لحزبه، وإنما ينفذ السياسة الحكومية في إطار التضامن الحكومي"، وفقاً للفصل 93 من الدستور. من هذا المنطلق، سيصبح الحزبان مسؤولين سياسياً ليس فقط عن أداء وزرائهما، بل أيضاً عن الاختيارات العامة للحكومة التي منحوها الثقة وشاركوا في صياغة برنامجها.
اختبار حقيقي لـ"الكتاب" و"الوردة"
من جانبه، يرى رشيد لزرق، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية ورئيس مركز شمال إفريقيا للدراسات والأبحاث وتقييم السياسات العمومية، أن مشاركة الحزبين تمثل "تحولاً سياسياً يتجاوز مجرد الانتقال من موقع المعارضة إلى موقع تدبير الشأن العام". وأكد لزرق أننا "أمام انتقال من شرعية الخطاب النقدي إلى شرعية الإنجاز والمساءلة، وهو انتقال محفوف بالتحديات، خصوصاً أن الحزبين بنيا جزءاً مهماً من خطابهما المعارض خلال الولاية السابقة على نقد الاختيارات الحكومية في مجالات العدالة الاجتماعية والقدرة الشرائية والخدمات العمومية والتفاوتات المجالية".
وبالتالي، فإن مشاركة الحزبين في الحكومة الحالية "تمنحهما فرصة لاستعادة المبادرة السياسية وإعادة بناء جسور الثقة مع فئات اجتماعية ارتبطت تاريخياً بالمشروع اليساري، لكنها تضعهما في الوقت نفسه أمام مسؤولية إثبات أن مواقفهما السابقة لم تكن مجرد أدوات للمنافسة السياسية، بل تعبيراً عن تصور إصلاحي قابل للتنفيذ".
وأوضح لزرق أن وجودهما داخل ائتلاف حكومي متعدد المرجعيات سيطرح إشكالية التوفيق بين الهوية الإيديولوجية للحزبين ومتطلبات التضامن الحكومي، لأن الرهان الحقيقي لا يكمن في حجم الحقائب الوزارية، بل في مدى قدرتهما على التأثير في التوجهات الكبرى للسياسات العمومية.
مساءلة الذاكرة السياسية والضغوط المضاعفة
يعتقد لزرق أن "الضغط" الذي سيواجهه الحزبان سيكون "مضاعفاً"، بل "أكثر حدة" من الضغط الذي سيواجهه بقية مكونات الأغلبية، لأنهما "سيكونان محكومين بما يمكن تسميته بالمساءلة المزدوجة: مساءلة الحصيلة الحكومية ومساءلة الذاكرة السياسية لخطابهما المعارض". وتزداد حساسية هذا الوضع، حسب المصدر عينه، بالنظر إلى أن القطاعات الاجتماعية (الصحة، التعليم، الشغل، الإدماج الاجتماعي) تمثل المجال الأكثر ارتباطاً بالحياة اليومية للمواطنين، حيث لا تُقاس فعالية السياسات بالتصريحات والبرامج، بل بجودة الخدمات وفرص الشغل وتحسن شروط العيش.
من هنا، فإن التحدي الأساسي للحزبين يتمثل في تجنب الوقوع في ما يمكن تسميته "مفارقة اليسار الحكومي"، أي الدفاع عن العدالة الاجتماعية على مستوى الخطاب مع الاضطرار إلى تبني اختيارات تدبيرية قد لا تنسجم دائماً مع تلك الالتزامات. ويختتم لزرق بالقول إن نجاح تجربتهما سيتوقف على قدرتهما على تحقيق إصلاحات ملموسة مع الحفاظ على استقلالية هويتهما السياسية، وإلا فإن كلفة المشاركة قد تتجاوز الخسارة الانتخابية لتصل إلى مزيد من تآكل الثقة في العمل الحزبي وفي جدوى التناوب السياسي نفسه.
(أسماء وردت في النص: إدريس لشكر، حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حزب التقدم والاشتراكية، حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، محمد نبيل بنعبد الله)
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة