المغرب
سياسة

الإنصات السياسي: فنّ المراوغة أم إنجاز وطني؟

هسبريس26 أكتوبر 2026 في 00:060 مشاهدة
الإنصات السياسي: فنّ المراوغة أم إنجاز وطني؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الإنصات .. فنّ اللاّشيء" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 26 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في عالم السياسة، تبرز عبقريات لا تتطلب اختراعًا أو اكتشافًا، بل مجرد وقوف مسؤول أمام الكاميرات، وشدّ ربطة عنقه، وإضفاء بعض الوقار على وجهه، ثم إعلان عبارة تبدو كأنها اكتشاف سرّ الحياة: “علينا أن ننصت إلى الشباب!”. هذا المشهد التاريخي يكتمل، وتكاد البشرية تصفق لهذا الفتح العظيم، فبعد سنوات من الاجتماعات والندوات والخطب، يكتشف المسؤول أن الشباب يملكون أفواهًا تتكلم، وأن الدولة تملك آذانًا قادرة، من حيث المبدأ، على السماع. يتحول الإنصات إلى مشروع وطني، وفضيلة قائمة بذاتها لا تحتاج إلى نتيجة تفسد نقاءها.

عندما يتحدث الشباب عن البطالة، ينصت المسؤول. يروون حكايات الهجرة واليأس وضياع الفرص، فيهز المسؤول رأسه بحكمة، وربما يدون كلمة في دفتر أنيق، ثم يغادر اللقاء وقد أدى واجبه الوطني. أما الشباب، فيعودون إلى مشكلاتهم القديمة، وقد اكتسبوا شرف مرور معاناتهم عبر أذن رسمية. ولأن الإنصات أصبح إنجازًا سياسيًا، فلا غرابة أن تتكاثر حوله اللجان والمنتديات واللقاءات التشاورية. يحتاج الشباب إلى فرص عمل، فيحصلون على منصة حوار. يسألون عن مستقبلهم، فيدعوهم المسؤول إلى التعبير عن تطلعاتهم بحرية، شريطة ألا يتوقعوا من تلك الحرية أن تتجسد في شيء يتجاوز التعبير.

الإنصات… آخر فضائل العجز

الأطرف أن المسؤول لا يكتفي بالإنصات، بل يطالب الشباب أيضًا بالثقة في جدواه والصبر حتى تنضج ثماره. وما أكثر الثمار التي تنضج في الخطب ولا تصل إلى أصحابها! يستطيع الشاب أن ينتظر وظيفة عشر سنوات، ومستقبلًا إلى أجل غير معلوم، أما المسؤول فلا يستطيع أن ينتظر نهاية الجملة قبل أن يؤكد أهمية الإنصات. كأن المشكلة لم تكن يومًا في غياب الحلول، بل في نقص الآذان، وكأن البلاد تحتاج إلى توسيع قدرتها السمعية أكثر مما تحتاج إلى توسيع فرصها الاقتصادية والاجتماعية.

ولعلنا نظلم هذه الفلسفة السياسية بمطالبتها بالأفعال؛ فالإنصات أقل تكلفة من التشغيل، وأيسر من الإصلاح، وأسرع من محاربة الفساد. المسؤول الذي ينصت يستطيع أن يكرر التجربة إلى ما لا نهاية، بينما المسؤول الذي يحل المشكلة يخاطر بفقدان موضوع اللقاء المقبل. ومن الحكمة، وفق هذا المنطق، أن تبقى المشكلات حية حتى يبقى الحوار حيًّا، وأن يظل الشباب يشتكون حتى تظل المؤسسات تتباهى بقدرتها على الاستماع. وقد بلغ فن الإنصات من الرقي مبلغًا يجعلنا نخشى على المسؤول من الإرهاق السمعي؛ فالرجل يتحمل، في سبيل الوطن، أعباء الجلوس في قاعة مكيفة، والإنصات إلى شباب أنهكتهم البطالة، بينما ينتظره بعد اللقاء امتحان أشق: مأدبة غداء، وصورة جماعية، وتصريح صحفي يؤكد نجاح الحوار. فأي تضحية أعظم من أن يصغي صاحب الامتيازات إلى من حُرم أبسط الحقوق، ثم يعود كل منهما إلى موقعه الطبيعي: الأول إلى مكتبه الوثير، والثاني إلى صف الانتظار؟ إنها عدالة فريدة، يتقاسم فيها الطرفان الكلام، ويحتكر أحدهما مفاتيح القرار، ثم يطالب الآخر بالامتنان لأن صوته لم يصطدم بباب مغلق، بل بأذن مفتوحة ويد مغلقة بإحكام.

آذان منتصبة… وإرادة غائبة

ولعل أخطر ما يهدد هذه النهضة السمعية أن المسؤول يحب الشباب ما داموا يتحدثون عن أحلامهم، ويضيق بهم حين يفتحون ملفات المسؤولية. أما الشاب الذي يصر على معرفة مصير الوعود والميزانيات والبرامج، فيحتاج، وفق هذا المنطق، إلى دورة تكوينية في فن الحوار البناء، ليتعلم أن الإنصات حق للمسؤول، وأن الصمت واجب على من يجرؤ على مطالبته بالنتائج. لهذه العبقرية فضل آخر لا ينبغي إغفاله: فقد أعادت تعريف الفشل حتى صار مادة للاحتفال. كلما اتسعت البطالة، اتسعت الحاجة إلى الإنصات. وكلما ضاقت آفاق الشباب، ازدحمت أجندات المسؤولين باللقاءات. وكلما ارتفع عدد الراغبين في الرحيل، ارتفع عدد الخطب التي تدعوهم إلى الثقة في المستقبل. وهكذا تتحول الأزمات إلى فرص ذهبية لإظهار التعاطف، وتصبح معاناة جيل كامل مادة خام لإنتاج البلاغات والصور والشعارات.

المفارقة أن المسؤول يستطيع أن يقضي عمره المهني كله وهو ينصت إلى المشكلة نفسها، ثم يغادر منصبه بسيرة حافلة باللقاءات الناجحة، بينما يغادر الشاب وطنه بحثًا عن بلد لا يكتفي بالاستماع إلى أحلامه، بل يتيح له فرصة تحقيق بعضها. وأي عبقرية أرفع من أن يصنع أحدهم مجده الإداري من عجزه عن تغيير واقع الآخرين؟ من هنا، لا يسعنا إلا أن نهنئ شبابنا بهذا المكسب الحضاري المذهل: لقد انتقلوا من مرحلة لا يسمعهم فيها أحد إلى مرحلة يسمعهم فيها الجميع ولا يتغير فيها شيء. وما دام الإنصات قد ارتقى إلى مرتبة الإنجاز، فلنقترح إنشاء وزارة للآذان الصاغية، ومعهد عالٍ لهز الرؤوس، وجائزة وطنية لأطول مسؤول استمع إلى مشكلة دون أن يقترب من حلها. أما الشباب، فعليهم أن يحافظوا على أصواتهم؛ فالمستقبل قد لا يحمل لهم عملًا ولا سكنًا ولا أملًا، لكنه سيحمل، بكل تأكيد، مسؤولًا جديدًا يقول لهم في حفل بهيج: “نحن هنا لننصت إليكم!”. لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

شارك الخبر: