تنويه
هذا الخبر بعنوان "الأمازيغية والدينامية الهوياتية (1)*" نشر أولاً على موقع اليوم 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 26 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في سياق تناول وضع اللغة الأمازيغية ضمن الدينامية الهوياتية التي يشهدها المغرب، يبرز سؤال جوهري: هل هناك حاجة للأمازيغية وما هي طبيعتها؟ للإجابة على هذا السؤال، يمكن الانطلاق من استنتاج عام مفاده أن مأسسة اللغة الأمازيغية، في علاقتها بتفعيل التعددية اللغوية والتنوع الثقافي ضمن وحدة الانتماء للمملكة المغربية، والطبيعة المزيجة والتراكمية للهوية المغربية، لا يمكن أن تتم إلا بتثمين التنويعات اللغوية الترابية والتعبيرات الثقافية المجالية (كالحسانية، تشلحيت، الجبلية، تريفيت، العروبية، تمزيغت، والبَدْوِيّة) من خلال تفعيل المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية. لذا، فإن تفعيل مأسسة الأمازيغية سيجيب على مطلب الثنائية الرسمية، والمساواة الثقافية، والعدالة اللغوية، في أفق إرساء مفهوم التصالح الهوياتي، وترسيخ الحق في اللغة، وضبط ملامح سياسة هوياتية تتلاءم مع منظومة "تَمغْرِبِيتْ".
يمكن رصد بعض ملامح هذه السياسة الهوياتية التي قادتها المؤسسة الملكية، والتي امتدت منذ بث النشرات الإخبارية بالتنويعات الأمازيغية عام 1994، مروراً بخطاب أجدير عام 2001، وإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية عام 2002، واعتماد حرف تيفيناغ. وفي عام 2008، أصدر المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية كتاب "النحو المرجعي للغة الأمازيغية"، وتلت ذلك إذاعة الثامنة في نفس السنة، وكذلك إدراج البرامج الدينية بالتنويعات الأمازيغية على إذاعة محمد السادس للقرآن الكريم. كما تم تدريس اللغة الأمازيغية في المستويات الأولية للتعليم (2003)، والتنصيص على المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية في دستور 2011، وصدور قانون تنظيمي (2019) يحدد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية في جميع مناحي الحياة العامة. لوحظت أيضاً إرهاصات لبناء هوية بصرية ثنائية (عربية-أمازيغية) في الفضاء العمومي المغربي، فضلاً عن إقدام وزارة العدل على تثمين إمكانية النطق بالأحكام القضائية باللغة الأمازيغية، وذلك بتوقيعها اتفاقية تعاون مع المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بتاريخ 24 يونيو 2020، لإدماج اللغة الأمازيغية في منظومة العدالة. بموازاة ذلك، اعتمد مجلس النواب بشكل رسمي الترجمة الفورية إلى اللغتين العربية والأمازيغية في 8 أبريل 2022، وبالتحديد ترجمة الجلسات العامة الأسبوعية المخصصة للأسئلة الشفوية، والجلسة الشهرية التي يجيب فيها رئيس الحكومة، تماشياً مع مضمون مقتضيات القانون التنظيمي رقم 16.26. ومع بداية عام 2022، قررت وزارة العدل اعتماد اللغة الأمازيغية لغة رسمية في المعاملات القضائية، لتيسير استقبال وإرشاد المواطنين المتكلمين بالأمازيغية، وترجمة الوثائق والنصوص الإدارية والقانونية الخاصة بهم، والترافع وتقديم الشهادات وإجراءات التبليغ، وإمكانية النطق بالأحكام باللغة الأمازيغية.
في هذا الخضم، تقدم الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية في يوليوز 2022 بمقترح قانون يجعل من إتقان الأمازيغية شرطاً للحصول على الجنسية المغربية بالنسبة للأجنبي. ويندرج هذا المقترح في إطار تتميم المادة 11 من الظهير الشريف رقم 1.58.250 بسن قانون الجنسية المغربية، بهدف ملاءمة التشريعات المغربية مع أحكام الدستور الذي نص على جعل الأمازيغية لغة رسمية للدولة، وفق ما جاء في مذكرة تقديم مقترح القانون. فضلاً عن ترسيم الاحتفال بالسنة الأمازيغية في 14 يناير، مع إعلان الملك محمد السادس في 3 ماي 2023 عن إقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية رسمية مؤدى عنها.
محددات السياسة الهوياتية:
يمكن مقاربة كل هذه الملامح من خلال أربعة محددات: الموقف المؤسساتي، وتموقعات المجتمع المدني، والنسق الثقافي للتعددية اللغوية، وخطر الاحتباس اللغوي. فيما يتعلق بالموقف المؤسساتي، يمكن الإحالة أولاً إلى دعوة الملك الراحل الحسن الثاني في 20 غشت 1994 إلى إدماج الأمازيغية في المنظومة التربوية، واعتبارها رؤية سياسية متفردة. ثانياً، يعتبر المغرب، إلى جانب العراق، دولتي الريادة في منطقة مينا بالنظر إلى الانتقال الهوياتي الذي مس اللغة الرسمية، حيث تم المرور من الأحادية اللغوية إلى الثنائية اللغوية، وتباعاً في الحالة المغربية، تبني انتماء جديد نقل المغرب من المغرب العربي إلى المغرب الكبير، أي من انتماء رمزي إلى انتماء جغرافي.
ومن البديهي كذلك الإشارة من زاوية مغايرة إلى شبه غياب للحقوق الثقافية واللغوية الأمازيغية في برامج وأجندات الأحزاب المغربية، التي تحضر بشكل رمزي وصوري في الاستحقاقات الانتخابية، مما جعل من الأمازيغية لغة للاستئناس التربوي والثقافي وموضوعاً لموقف مناسباتي ظرفي. في المقابل، يبدو أن هناك بطء في وتيرة المرور من الدسترة إلى المأسسة إلى التفعيل، مما يغذي تنامي الشعور بالاغتراب الثقافي واللغوي، ويزيد من مشاعر الإقصاء، ويؤدي إلى تعقيد الاندماج الهوياتي.
في هذا الصدد، من الضروري التنبيه إلى خطر استعمال التنويعات الأمازيغية في الترجمة المعتمدة في مجالات مؤسساتية مثل الإعلام، والصحة، والعدل، والسياسة، لأن هذه الترجمة ستؤدي إلى "تلهيج" اللغة الأمازيغية واستقالة الصيغة المعيارية. كما أن عدم أجرأة تفعيل "المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية" يلقي بتداعياته على منظومة الجهوية المتقدمة، لارتباط فعل التهيئة والتخطيط والحماية والتثمين والحفاظ على مقولة العيش المشترك والانسجام الهوياتي.
تجدر الإشارة كذلك إلى أن المسألة الأمازيغية في المغرب حاضرة في المشهد المدني من خلال المطالبة بالاعتراف بالحقوق اللغوية والثقافية، وإعادة كتابة التاريخ كأساس للتعايش في أفق المساواة بين اللغات والثقافات. من هذا المنطلق، يبدو أن انزلاق المسألة الأمازيغية من إطارها الوطني التعاقدي إلى إطار دولي تتدخل فيه أطراف خارجية تحت شعارات عدة منها حقوق الإنسان، والعلمانية، وحقوق الشعوب الأصلية، والتمثلات الأسطورية أو الهويات التحجيمية، قد يفصل بين ما هو "مشترك مغربي" وبين ما هو خصوصي أمازيغي، مما يفضي إلى الانزياح عن مقولة "تَمَغْرِبِيتْ" وزعزعة منظومة الانسجام الوطني والهوياتي في المغرب.
لهذا، يظل الالتزام بالمواثيق الدولية، واحترام الحقوق الثقافية واللغوية الواردة في دستور 2011، وخصوصاً منها ما يرتبط بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وإعادة النظر في القانون التنظيمي وتسريع مراحل إدماج الأمازيغية المعلنة في القانون رقم 26.16، وخاصة في التعليم وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية، من المقومات المحورية لاستشراف استراتيجي للسياسة الهوياتية بالمغرب.
* مداخلة قُدمت خلال ندوة فكرية تحت عنوان «ربع قرن من مسار الأمازيغية: خطاب أجدير بين إعادة قراءة التاريخ وترسيخ الهوية وبناء المؤسسات» التي نُظمت من طرف المركز الثقافي إكليل بالرباط، بالشراكة مع جريدة العالم الأمازيغي وجمعية أزافور يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026.
أخبار ذات صلة
ثقافةيحيى الفخراني يحتفي بـ 200 عرض لـ"الملك لير" ويشعر بتقدم العمر مع الشخصية
ثقافةالأكاديمي شحلان يطالب بتدريس العلوم بالعربية في رسالة موجهة لوزير التربية الوطنية
ثقافة“وايلدوود: نبوءة الغابة”.. تحفة فنية يدوية تتحدى هيمنة الذكاء الاصطناعي
ثقافة
