المغرب
سياسة

سياسيون في دائرة الشعبوية: كيف تضر الاتهامات المجانية بسمعة المغرب؟

كيفاش26 أكتوبر 2026 في 11:580 مشاهدة
سياسيون في دائرة الشعبوية: كيف تضر الاتهامات المجانية بسمعة المغرب؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "محمد محلا يكتب: نيران شعبوية صديقة" نشر أولاً على موقع كيفاش وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 26 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يخيل للمتابع في كثير من الأحيان أن بعض الساسة لدينا يعيشون في جزيرة معزولة، أو يهبطون إلى مبنى البرلمان والمنصات من كوكب آخر لا توجد فيه حدود مشتعلة ولا خصوم متربصون ولا حروب إعلامية طاحنة تدار في الخفاء والعلن. المشهد الذي بات يتكرر تحت قبة البرلمان، مثلا، لم يعد مجرد سجال سياسي حاد بين أغلبية ومعارضة، بل انحدر إلى مسرحية رديئة عنوانها الأبرز هو التراشق المجاني بملف المخدرات. فكلما حوصرت جهة حزبية في زاوية النقاش العمومي، وعجزت عن مقارعة الحجة بالحجة والأرقام في ملفات الصحة والتعليم وغلاء المعيشة، سارعت إلى استلال هذه الورقة المسمومة لتلقي بها في وجه خصومها، وكأن هؤلاء النواب يجلسون على قارعة مقهى لا داخل مؤسسة دستورية تحسب كل كلمة تخرج من مكبرات صوتها على الدولة المغربية برمتها.

هذا الانزلاق الخطير لم يأت على حين غرة ولم يكن مفاجئا. هنا في هذه المجموعة الإعلامية، وتحديدا عبر حلقات برنامج “غرفة الفار” على ميد راديو، دق الزملاء ناقوس الخطر في مناسبات عديدة، وكرروا، لسنوات، التحذير تلو التحذير من مغبة تجاوز هذا التراشق السياسوي للخطوط المسموحة. قالوا بوضوح لا لبس فيه إن العبث بهذا الملف الحساس لن يخرج منه أي حزب منتصرا، بل سيكون الخاسر الأكبر والوحيد هو صورة البلاد التي يمعن في خدشها سياسيون يفترض أنهم مؤتمنون على حمايتها والدفاع عنها. والمفارقة العجيبة أن الكثيرين هاجموهم آنذاك وسخروا من تلك التنبيهات متهمين إياهم بالمبالغة وتهويل الأمور بعبارة “كتزيدو فيه”، ليعود هؤلاء المنتقدون أنفسهم اليوم، وبعدما وقع الفأس في الرأس، إلى ترديد الكلام ذاته وتبني الطرح عينه بـ”وجوهم أحمر”!

فماذا يحدث وراء الحدود وفي غرف الأخبار المعادية؟ تشتغل الجارة الشرقية ليل نهار بآلة دعائية مسعورة، وتنفق الملايير من عائدات النفط والغاز لإلصاق تهمة اقتصاد المخدرات بالمغرب بغرض التشويش على نجاحاته الدبلوماسية والأمنية، لكنها تصطدم في كل مرة بجدار الفشل في إقناع المنتظم الدولي. وفي اللحظة ذاتها التي يعجز فيها الخصوم عن فبركة دليل واحد يعتد به، ينبري السياسي المغربي من قلب العاصمة الرباط، وبالصوت والصورة الرسميين، ليقدم لهم المادة الخام جاهزة ومفصلة كي يملؤوا بها نشراتهم الإخبارية ويهاجموا بها المملكة في المحافل الدولية. هل تخجل الدولة المغربية من هذا الملف أو تتستر على المتورطين فيه؟ إطلاقا. فقد باشر المغرب حملة تطهير شجاعة وشفافة، وقال القضاء كلمته الفاصلة في أسماء وازنة كانت تحتمي بالنفوذ والمال والحصانة، دون أن يشفع لها موقعها الحزبي أو الانتخابي. وتلك لعمري نقطة قوة تحسب لمؤسسات الدولة التي تنظف بيتها الداخلي بسلطان القانون ومن دون ضجيج استعراضي.

الخلل إذن لا يكمن في المحاسبة القضائية التي تأخذ مجراها السليم، بل يكمن في عقلية السياسي الصغير المستعد لإحراق الغابة بأكملها فقط ليشعل عود ثقاب يمنحه وهج نجومية عابرة. إنه ذاك الكائن الشعبوي الذي ينسى أنه يقف في الخطوط الأمامية لحرب إقليمية لا ترحم، فيشرع في توزيع الاتهامات يمينا وشمالا بطريقة فجة توحي للمشاهد الأجنبي بأن المؤسسات كلها مخترقة، وأن المشهد السياسي في البلاد قد فقد بوصلته بالكامل. وحين يصل الأمر ببعض الساسة إلى هدم ما تبنيه الدبلوماسية والأجهزة الأمنية في سنوات من الصبر والعمل المتقن، خلال دقائق معدودة من الصراخ، فلا بد حينها من وقفة حازمة تعيد الأمور إلى نصابها. ومن يعجز عن التمييز بين تصفية الحسابات الحزبية الضيقة وبين الخطوط الحمراء للأمن القومي وسمعة البلاد، فالأكرم له ولنا أن يترك ذاك الميكروفون لمن يقدر شرف التمثيل ويدرك وزن الكلمة.

شارك الخبر: