منصات التفاهة: كيف استدرجت الظاهرة السطحية العقول وأفقدت المجتمع بوصلته؟


هذا الخبر بعنوان "حين تعتلي التفاهة المنصات ويستدرج القطيع" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 26 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يحيى التوزاني - منتدى العمق - 26 أكتوبر 2026
لم تعد التفاهة مجرد استثناء عابر في فضائنا الرقمي، بل تحولت إلى ظاهرة متغوّلة تزاحم العلم والأدب والفكر. أصبح صاحب العقل الرصين غريبًا في سوق لا يكافأ فيه المرء على النفع، بل على مقدار الضجيج الذي يُحدثه وعدد الأفواه التي ينجح في إضحاكها، حتى لو كان الثمن كرامته وكرامة الآخرين. في مفارقة موجعة، أصبحت فضاءاتنا الرقمية تمنح الصدارة لمن يفتقر لأبسط مقومات المعرفة والأدب، بينما يُهمّش العالم والمثقف.
أولًا: جاهلٌ يعتلي المنصّة وقطيعٌ يصفّق
إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس جهل المتحدث، بل تحوّل الجهل إلى سلطة يجد لها مؤيدين يقتفون أثرها ويستمدون منها معاييرهم. يخرج أحدهم بعبارات سوقية فيحصد آلاف المشاهدات، ويتوهم أنه صار مرجعًا، وأن كثرة المتابعين شهادة علم. لكن الجماهير قد تجتمع حول المهرّج دون أن تمنحه صفة الحكيم. والمؤلم أن بعض هؤلاء لا يكتفي ببيع تفاهته، بل يستغل متابعيه لتحقيق الربح عبر طلب الهدايا الرقمية والتبرعات، محولًا العلاقة إلى استغلال للعاطفة وتسليع للكرامة.
ثانيًا: حين يصبح الجسد بضاعةً والحياء خسارةً تجارية
في زاوية أخرى من هذا السوق، يُستخدم الجسد مسرحًا للاستعراض والإيحاءات الجنسية كوسيلة للصيد، مستغلين مكبوتات المتابعين للصعود نحو الشهرة والمال. لا موهبة، لا فن، لا رسالة؛ إنما استثارة للغرائز وتسويق للمفاتن. ليست الحرية أن تجعل من كل شيء فيك سلعة، وليست الشهرة أن تتحول إلى مادة للاستهلاك العابر. تحويل الإنسان إلى واجهة للإغراء يكشف أزمة في تصور الكرامة الإنسانية.
ثالثًا: مهرّجون بلا فنّ، وضحكٌ يقتل الذوق
اختزل البعض الفن في الصراخ، والسخرية في الإهانة، والإضحاك في تقليد الحركات البذيئة أو النيل من الناس. الكوميديا فن يحتاج موهبة وذكاء وحسًّا إنسانيًا، أما اتخاذ الوقاحة سلّمًا والتنمر مادةً للضحك، فهو عجز عن الإضحاك إلا بالانحدار. الضحك الذي يحتاج إلى كسر خاطر إنسان أو التشهير بامرأة ليس انتصارًا للفكاهة، بل هزيمة للأخلاق.
رابعًا: حين يتحوّل الدين إلى طُعم، والسنة إلى ساحة للمزايدة
تتسلّل التفاهة إلى المجال الديني، فتُتخذ المقدسات مادة لجمع المتابعين، وتتحول السنة النبوية إلى ساحة للمهاترات. يخرج البعض مدعيًا امتلاك الحقيقة، فيوزع التبديع والتضليل، ويطعن في العلماء والدعاة. آخرون يتناولون الأحاديث والأحكام بلا تأصيل، ويقدمون أحكامًا مثيرة للجدل لأن الخصومة الدينية تجلب التفاعل. المتاجرة بالدين قد تفسد الوعي وتشوّه صورة الإسلام.
خامسًا: من المسؤول عن هذا الانحدار؟
لا تقع المسؤولية كاملة على المنصات الرقمية وخوارزمياتها. صانع المحتوى ينتج، والمعلن يمول، والجمهور يختار. كل مشاهدة وإعجاب ومشاركة تسهم في انتشار المحتوى. مقاومة التفاهة تتطلب الاختيار الواعي، ودعم المحتوى النافع، ومكافأة أصحاب المواهب الحقيقية. لا يعني ذلك أن كل محتوى ترفيهي تافه، بل حديثنا عن ظاهرة جعلت من الابتذال طريقًا مختصرًا للشهرة.
أخيرًا: من يحرّر عقولنا من عبودية التفاهة؟
أخطر ما يصيب مجتمعًا ليس انتشار التفاهة، بل فقدان القدرة على تمييزها. عندما يصبح الجهل ذكاءً، والوقاحة شجاعةً، والاستعراض نجاحًا، فنحن أمام أزمة معايير وتربية وذوق ووعي. لا نحتاج إلى إغلاق الهواتف، بل إلى استعادة زمام عقولنا. المتابعة موقف، والمشاركة مسؤولية. فلنمنح العالم النافع فرصة ليُسمع صوته، ولنتوقف عن تمويل الانحدار. الإنسان لا يُقاس بعدد الذين يعرفونه، بل بما يعرفه وينفع به. الحضارات لا تسقط حين يكثر الجهلاء، بل حين يتوقف العقلاء عن مقاومة الجهل ويصمت أصحاب الذوق أمام الابتذال. أحذروا أن تمنحوا التافهين من أعماركم ما لم يستطيعوا أن ينتزعوه من عقولكم. أعظم نقد للتفاهة ألّا نمنحها مشاهدة، وأصدق انتصار للوعي ألّا نشارك في صناعة الأصنام من ورق.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة