كيف نُنشئ جيلاً قارئاً: دعوة لإصلاح جذري في المنظومة التعليمية


هذا الخبر بعنوان "كيف يولد التلميذ القارئ؟" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 26 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُقدم المؤسسات التعليمية معارف متنوعة عبر برامجها الرسمية، التي تخضع لرقابة صارمة وتقييم وطني لضمان تكافؤ الفرص. ورغم أهمية هذه البرامج الإدارية، إلا أنها قد تُضيّق على المعرفة بمعناها الشامل، وتُكرّس تلميذاً حافظاً بدلاً من قارئ واعٍ. إن التركيز على الصرامة في المناهج قد يُلغي حضور الكتاب والمعرفة العامة، ويُهمّش دور المكتبة كمركز للمعرفة.
تتحمل المؤسسات التعليمية، خصوصاً الإعدادية والتأهيلية، مسؤولية معرفية عليا تتجاوز حدود المناهج الدراسية. فالتأهيل ليكون التلميذ قارئاً مدى الحياة يختلف عن مجرد اجتياز الامتحانات. المنظومة التربوية الحالية مثقلة بإدارة التعلمات وضبط الزمن المدرسي، مما يُبعدها عن الغاية القصوى للتعليم: تمثل المعرفة وطلبها كمدرسة لا تتوقف.
تُنهي المؤسسات التعليمية سنتها الدراسية بالتركيز على النتائج والانتقالات، وتُكرّر نفس المخرجات: تلاميذ ناجحون مدرسياً فقط، لم يُختبروا في المعرفة العامة. إن النجاح بهذا المعنى هو مجرد حيازة الحق في التخلص من أعباء السنة الدراسية. ومع هذا الوضع، لا يُستغرب أن أغلب تلامذتنا لا يجلسون للكتاب، وأن الحصيلة الفردية القرائية متدنية للغاية، حيث لا تتجاوز أربع دقائق في العام في العالم العربي. التعليم الذي يعزل المعرفة المدرسية عن المعرفة العامة هو تعليم معكوس، والمؤسسة التي لا تبني جسوراً مع المجتمع تُصبح محرقة للطاقات والمواهب.
لمعالجة هذا الاختلال الجوهري، نقترح استلهام ديناميكية القراءة من مناهج التعليم العتيق، مع الاستفادة من الثورة الرقمية. فالتعليم العتيق، كما في جامعة القرويين، كان قائماً على الكتب والمصادر، حيث يجلس العالم للتدريس ويتحلق حوله الطلاب للنقاش. هذا النموذج، المدعوم بالوقف والمحسنين، يُتيح للطالب أن يرتقي ليصبح عالماً أو يظل طالباً مدى الحياة.
لذلك، يجب على مؤسساتنا التعليمية إعداد مشروع قرائي مندمج في النشاط الدراسي العام، وليس مجرد نشاط هامشي. يجب على أساتذة المواد اختيار مجموعة من الكتب، ورقية أو رقمية، والعمل عليها طوال السنة، سواء في الحصص الدراسية أو الأنشطة الثقافية. ويجب أن يشمل هذا المشروع كل الطاقم المؤسسي، الإداري والتربوي، وأن يُعرض على المديريات الإقليمية والأكاديميات. يهدف المشروع إلى تعزيز المعرفة المدرسية وتوسيعها، والأهم من ذلك، دفع التلاميذ نحو تمثل المعرفة عموماً وترسيخ القراءة كعادة دائمة.
إذا كانت المعرفة المدرسية تُغلق المؤسسة، فإن المشروع القرائي يفتحها على المجتمع الثقافي والفني، بحضور المؤلفين أو المختصين. كما يفتحها على أمهات وآباء وأولياء التلاميذ، ليشمل اهتماماتهم، ويُسهموا في اختيار الكتب. يتطلب هذا برنامجاً مفصلاً للتنزيل على مدار السنة.
إن اشتغال المؤسسة التعليمية في اتجاهين: المدرسي المحدود والمعرفي اللامحدود، سيخلق مؤسستين متكاملتين لتخريج الطالب المواطن المدمن للقراءة. سينتهي كساد الكتاب وفقر الكتاب، وستتحرك آليات الطبع والنشر والتوزيع، وسيُؤسس المجتمع القارئ، وهو قوام نجاح التجربة الديمقراطية والمشاريع التنموية. فالمجتمع الذي لا يقرأ أعمى، ولا يفيد وجود نخبة مبصرة فقط. الأمم اليوم تُهزم بالعلم والقراءة، لا بالسيف والقتال.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة