المغرب
اقتصاد

تعديلات مرسوم الصفقات العمومية: نحو شفافية أكبر ومساءلة فعالة للإنفاق العام

العمق المغربي26 أكتوبر 2026 في 15:160 مشاهدة
تعديلات مرسوم الصفقات العمومية: نحو شفافية أكبر ومساءلة فعالة للإنفاق العام

تنويه

هذا الخبر بعنوان "تعديل مرسوم الصفقات العمومية: فرصة لتعزيز الشفافية والمنافسة وربط الإنفاق العمومي بالنجاعة والمُساءَلة" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 26 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

وجهة نظر صلاح الدين بويخف

26 أكتوبر 2026 - 15:08

يمثل مشروع تعديل وتتميم المرسوم رقم 2.22.431، الصادر في 8 مارس 2023، والمتعلق بالصفقات العمومية، فرصة ثمينة لإعادة النظر في المقتضيات المنظمة للطلب العمومي في المغرب. لا يقتصر الهدف على تبسيط المساطر وتسريع وتيرة المشتريات العمومية فحسب، بل يمتد ليشمل تعزيز الشفافية، وتكافؤ الفرص، وحماية المال العام، ورفع كفاءة الرقابة على جميع مراحل إعداد الصفقات وإبرامها وتنفيذها.

لقد أرست المادة الأولى من المرسوم الحالي مبادئ أساسية تتمثل في حرية الولوج إلى الصفقات العمومية، والمساواة بين المتنافسين، وضمان حقوقهم، والشفافية في اختيارات صاحب المشروع، إلى جانب النزاهة والحكامة الجيدة. كما ربطت هذه المبادئ بتحقيق فعالية الصفقات العمومية وحسن استعمال الأموال العامة، من خلال التحديد المسبق للحاجيات، واحترام قواعد الإشهار والمنافسة، واختيار العرض الأفضل اقتصادياً.

لكن فعالية هذه المبادئ لا تكتمل بمجرد التنصيص عليها، بل تستلزم ترجمتها إلى قواعد دقيقة وقابلة للتطبيق والقياس والمراقبة، مع الحد من الغموض القانوني الذي قد يؤدي إلى اختلاف التأويلات والممارسات. ومن هذا المنطلق، تبرز مجموعة من الملاحظات والمقترحات التي يمكن أن تسهم في تجويد مشروع التعديل ومعالجة بعض أوجه القصور القائمة.

أولاً: الحفاظ على مفهوم العرض الأفضل اقتصادياً وتوضيح علاقته بالثمن المرجعي

يُعد اختيار العرض الأفضل اقتصادياً أحد الركائز الأساسية لنظام الصفقات العمومية. يثير مشروع تعديل المادتين 43 و44 إشكالاً يتعلق بصياغة معيار تحديد العرض الأفضل، ولا سيما عبارة "العرض الأقل ثمناً بالنسبة للثمن المرجعي". هذه الصياغة قد تحتمل أكثر من تأويل، مما يستدعي اعتماد صياغة صريحة تعكس المعيار المقصود، مثل: "العرض الأقرب إلى الثمن المرجعي من الأسفل". كما يستدعي المشروع توضيح القواعد المطبقة عندما لا يوجد أي عرض يقل عن الثمن المرجعي، مع تحديد المعايير التي يتعين على اللجنة الفرعية اعتمادها، وإلزامها بتعليل قرارها تعليلاً مفصلاً.

ثانياً: تعزيز موثوقية التقديرات المالية للصفقات العمومية

تنص المادة السادسة على إعداد صاحب المشروع تقديراً لتكلفة الأعمال قبل الدعوة للمنافسة. لتعزيز موثوقية هذه التقديرات، يُقترح التنصيص على ضرورة توثيق المنهجية المعتمدة، مع بيان مصادر الأسعار والدراسات. كما يُقترح جعل الاستعانة بمراجع الأسعار واجبة متى كانت متاحة، والاستفادة من معطيات المرصد المغربي للطلب العمومي. وبالنسبة للصفقات التي تتجاوز سقفاً مالياً محدداً، يمكن اعتماد آلية للمراجعة الداخلية للتقديرات قبل إطلاق المنافسة.

ثالثاً: رفع سقف سندات الطلب

يتضمن مشروع التعديل رفع السقف المالي للأعمال المنجزة بواسطة سندات الطلب من 500 ألف درهم إلى 800 ألف درهم. يمكن لهذا التوجه أن يسهم في تبسيط إجراءات الشراء العمومي. غير أن توسيع مجال اللجوء إلى سندات الطلب ينبغي أن يواكبه تعزيز للضمانات المتعلقة بالمنافسة والشفافية وتتبع النفقات، من خلال تطوير آليات مراقبة تجزئة المشتريات وتتبع القيمة الإجمالية لسندات الطلب.

رابعاً: إشكالية المقر المعتمد لتطبيق الأفضلية الترابية في سندات الطلب

تمنح المادة 91 أفضلية للمتنافس الذي يزاول نشاطه في المجال الترابي لمكان تنفيذ الأعمال. قد يثير تطبيق هذا المقتضى إشكالاً عملياً يتمثل في تحديد العنوان الواجب اعتماده. ولرفع أي غموض، يُقترح التنصيص صراحة على إمكانية الاعتداد بالمؤسسات والفروع والورشات ووحدات الإنتاج وغيرها من أماكن العمل التي يثبت المتنافس أنه يزاول فيها نشاطاً فعلياً، مع مطالبة المتنافسين المعنيين بتحديد أقرب مؤسساتهم الفعلية إلى مكان تنفيذ الأعمال.

خامساً: توضيح الأساس القانوني لغرامة التخلي عن العرض في غياب الضمان المؤقت

تنص المادة 24 على تطبيق غرامة في بعض الحالات التي يخل فيها المتنافس بالتزاماته، عندما لا يشترط دفتر التحملات الإدلاء بضمان مؤقت. يثير تطبيق هذه الغرامة تساؤلات بشأن طبيعتها القانونية وإجراءات استخلاصها. يُقترح تتميم المادة 24 بمقتضيات تحدد إجراءات إثبات المخالفة وتصفية مبلغ الغرامة وتبليغ القرار، مع ضمان حق المتنافس في تقديم ملاحظاته والطعن.

سادساً: تقنين حالات قبول العروض مع التحفظ واستكمال الوثائق

تتضمن المقتضيات المنظمة لفحص العروض آليات تمكن اللجان من مطالبة بعض المتنافسين باستكمال وثائق أو تصحيح أخطاء. يُقترح ضبط حالات التسوية بصورة أكثر دقة، من خلال تحديد الوثائق والأخطاء التي يمكن تداركها، والفصل بينها وبين أوجه النقص التي تمس جوهر العرض. كما ينبغي اعتماد شروط وآجال موحدة بالنسبة للمتنافسين الموجودين في الوضعية نفسها.

سابعاً: الأعمال ذات الطابع السري أو الاستراتيجي

يقترح المشروع إدراج بعض الأعمال ذات الطابع السري أو الاستراتيجي ضمن الاتفاقات أو العقود الخاضعة للقانون العادي. يُثير هذا المقتضى تساؤلاً حول الحدود الدقيقة لمفهومي السرية والاستراتيجية. يُقترح تحديد الحالات التي يمكن أن تكتسي فيها الأعمال طابعاً سرياً أو استراتيجياً بشكل أكثر دقة، مع حصر الاستغناء عن المنافسة في الحالات المبررة فعلاً.

ثامناً: تحديد آجال افتحاص الصفقات وتوسيع الرقابة على سندات الطلب

تحدد المادة 159 حالات الافتحاص الإلزامي. يُقترح التنصيص على أجل أقصى مدته ثلاثة أشهر لإنجاز الافتحاص. كما يُقترح توسيع الافتحاص الإلزامي ليشمل الأعمال المنجزة بواسطة سندات الطلب التي يتجاوز مبلغها 500 ألف درهم.

تاسعاً: تعزيز دور تقرير انتهاء تنفيذ الصفقة في تقييم الأداء العمومي

تلزم المادة 157 صاحب المشروع بإعداد تقرير حول انتهاء تنفيذ الصفقات. يُقترح اعتماد نموذج موحد وأكثر شمولاً لتقييم النتائج من الجوانب الاقتصادية والمالية والتقنية والاجتماعية والبيئية. كما يُقترح تخفيض سقف إلزامية إعداد التقرير إلى 500 ألف درهم.

عاشراً: تمديد صلاحية العروض

يعالج مشروع تعديل المادة 143 مسألة تمديد صلاحية العروض. يُقترح حصر التمديدات الاستثنائية في الحالات المبررة كتابةً، مع إلزام صاحب المشروع بتوضيح الأسباب الموضوعية. كما ينبغي ضمان موافقة نائل الصفقة بصورة صريحة على التمديدات.

حادي عشر: من البرمجة التوقعية إلى تقييم فعلي لتنفيذ برامج الشراء العمومي

تفرض المادة 17 نشر البرنامج التوقعي لثلاث سنوات. يُقترح إلزام أصحاب المشاريع بنشر حصيلة سنوية تقارن بين البرنامج التوقعي والصفقات التي أُطلقت فعلياً، مع توضيح أسباب التأجيل أو الإلغاء أو التعديلات الجوهرية.

ثاني عشر: قياس الأثر الفعلي لتخصيص الصفقات للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة

تنص المادة 148 على تخصيص نسبة 30% من المبلغ التوقعي للصفقات لفائدة الفئات الاقتصادية المستهدفة. يُقترح إرساء منظومة لقياس مدى تحويل هذه البرمجة إلى صفقات تم إسنادها فعلياً للفئات المستهدفة.

ثالث عشر: تقوية آليات الوقاية من تضارب المصالح

تتضمن المادة 162 مقتضيات مهمة تتعلق بالنزاهة ومحاربة الغش والرشوة وتضارب المصالح. يُقترح اعتماد تصريح مسبق بتضارب المصالح أو بعدم وجوده، يوقعه أعضاء لجان فتح الأظرفة والتقييم.

رابع عشر: إعادة النظر في القيود المفروضة على الاعتراض بشأن اختيار مسطرة إبرام الصفقة

تنص الفقرة السادسة من المادة 163 على عدم إمكانية اعتراض المتنافسين على بعض القرارات، ومن بينها اختيار مسطرة إبرام الصفقة. يُقترح السماح للمتنافسين بالطعن الإداري في مشروعية اختيار المسطرة متى استند الاعتراض إلى عدم احترام الشروط القانونية والتنظيمية.

خامس عشر: تحديث بوابة الصفقات العمومية للانتقال من نشر المعلومات إلى تحليلها

يُقترح إضافة وظيفة تسمح بالبحث عن الصفقات العمومية بحسب المقاولة أو المتعامل الاقتصادي المستفيد منها. كما يمكن اعتماد معرف قانوني موحد للمقاولة لتفادي تشتت نتائج البحث.

سادس عشر: استكمال الإطار التنظيمي بدفاتر شروط إدارية عامة ملاءمة لمختلف أنواع الصفقات

تكتسي دفاتر الشروط الإدارية العامة أهمية أساسية في تنظيم تنفيذ الالتزامات التعاقدية. يُقترح استكمال الإطار التنظيمي من خلال اعتماد دفاتر شروط إدارية عامة ملاءمة لصفقات التوريدات وصفقات الخدمات الأخرى، إلى جانب تحديث الدفاتر الإدارية العامة القائمة.

خاتمة: نحو إصلاح يجعل الشفافية والنجاعة قابلتين للقياس

تمثل مراجعة مرسوم الصفقات العمومية فرصة لتطوير منظومة تضمن جودة الإنفاق العمومي وفعالية المشاريع. يقتضي الرفع من النجاعة تحقيق توازن دقيق بين تبسيط المساطر والحفاظ على ضمانات المنافسة. لا ينبغي أن يقتصر الإصلاح على تسريع الإبرام أو رفع السقوف المالية، بل يتعين أن يشمل أيضاً جودة التقديرات المالية، وموضوعية اختيار العروض، وفعالية الافتحاص، وتتبع نتائج التنفيذ.

شارك الخبر: