المغرب
اقتصاد

البريكس في 2026: كيف يعيد التكتل تشكيل عالم متعدد الأقطاب في وجه العواصف الجيوسياسية؟

العمق المغربي27 أكتوبر 2026 في 16:300 مشاهدة
البريكس في 2026: كيف يعيد التكتل تشكيل عالم متعدد الأقطاب في وجه العواصف الجيوسياسية؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "البريكس في عالم 2026: واقع التعددية القطبية في مواجهة أعاصير الجيوسياسة" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 27 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بقلم: مصطفى السباعي

في خضم الأحداث الدولية المتسارعة، انعقدت أعمال القمة الثامنة عشرة لمجموعة “البريكس” في نيودلهي، الهند، في 12 و13 سبتمبر 2026. ورغم أن الأحداث الملتهبة، مثل الحرب المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران والتصعيد العسكري حول مضيق هرمز وباب المندب، طغت على المشهد الإعلامي، إلا أن هذه القمة شكلت نقطة تحول حاسمة في النظام الاقتصادي العالمي.

منذ عام 2024، دخل النظام العالمي مرحلة انتقالية تاريخية مع التوسع الكبير لمجموعة البريكس، الذي شهد انضمام خمس دول جديدة دفعة واحدة. هذا التوسع رسخ واقعاً جديداً لم تعد فيه الهيمنة الأحادية لدول الجنوب العالمي أمراً محتوماً. اليوم، يضم البريكس إحدى عشرة دولة بكامل العضوية وعشر دول شريكة، مستحوذاً على ما يقارب نصف سكان الكوكب وحوالي 40% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي (حسب تعادل القوة الشرائية)، متجاوزاً بذلك حصة مجموعة السبع الكبار التي تراجعت إلى 29%.

يعتمد التكتل على أذرع تنفيذية قوية، أبرزها بنك التنمية الجديد، الذي يقدم قروضاً لدول الجنوب بشروط غير مجحفة، مدعوماً برأس مال مصرح به يبلغ 100 مليار دولار، بالإضافة إلى ترتيب الاحتياطي الطارئ الذي يوفر شبكة أمان مالي. وعلى الرغم من محاولات التقليل من تأثير هذه المؤسسات، فإن البريكس يساهم في تقويض الاعتماد على الدولار، حيث تحولت أكثر من 80% من تجارة الطاقة البينية إلى العملات المحلية مثل اليوان والروبل والدرهم والروبية، مما يؤسس لنظام تجاري متعدد العملات.

أحدث هذا الحراك في البريكس هزات عميقة في أوروبا، حيث أدى انتقال مركز ثقل النمو العالمي إلى قوى البريكس إلى محاصرة دول مثل ألمانيا وفرنسا في فخ الركود وتراجع التنافسية الصناعية. كما فقدت بروكسل السيطرة على خطوط إمداد الطاقة والمواد الخام، وتراجع طموح “اليورو” كعملة احتياط دولية أمام صعود منصات الدفع الرقمية البديلة. اجتماعياً، أدت هذه التداعيات إلى ضغوط تضخمية حادة وسياسات تقشفية في أوروبا، مما عمق من تآكل الطبقة الوسطى وزاد من الاستقطاب السياسي وصعود التيارات الشعبوية.

في المقابل، أصبحت القارة الإفريقية مسرحاً لحرب نفوذ صامتة أعاد البريكس تشكيل قواعدها. فبدلاً من النموذج الغربي المرتكز على الإرث الاستعماري والمنح المشروطة، يطرح البريكس نفسه كـ “خيار استراتيجي بديل” في إفريقيا. وتتجلى هذه الديناميكية في تربع الصين كشريك تجاري أول للقارة منذ عام 2009، مع تبادل تجاري قياسي بلغ 348 مليار دولار أمريكي في العام الماضي. كما ملأ التغلغل الروسي الأمني الفراغ الفرنسي في دول الساحل، بينما تدفقت تمويلات بنك التنمية الجديد نحو مشاريع البنية التحتية.

هذا النموذج القائم على “شراكة الجنوب-الجنوب” دفع دولاً إفريقية مثل مصر وإثيوبيا إلى الانضمام الكامل، ونيجيريا وأوغندا إلى تثبيت صفة الشريك. ولا يعني ذلك قطيعة كاملة مع الغرب، بل يعكس ذكاءً استراتيجياً تستخدم فيه العواصم الإفريقية زخم البريكس لتحسين شروط تفاوضها.

على صعيد آخر، تبنى المغرب تموضعاً براغماتياً ذكياً يقوم على تنويع الشراكات الاستراتيجية. فقد قفزت المبادلات التجارية مع الصين لتتجاوز 15.66 مليار دولار في عام 2026، كما تحول المغرب إلى منصة جاذبة للاستثمارات الصينية في قطاع بطاريات السيارات الكهربائية، تجاوزت قيمتها 10 مليارات دولار. ويمتد هذا الاختراق إلى الهند والبرازيل، حيث تناهز صادرات المغرب من الفوسفاط معهما عتبة 5 مليارات و3 مليارات دولار على التوالي، بالإضافة إلى شراكة الطاقة والحبوب مع روسيا.

لقد واجه البريكس في عام 2026 اختباراً بنيوياً وجيوسياسياً عنيفاً جراء الحرب المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. كشف هذا الاختبار أن التكتل ليس حلفاً عسكرياً ولن يتدخل عسكرياً لحماية أعضائه. كما ظهر تباين في مواقف القوى الكبرى داخله، حيث أدانت روسيا والصين والبرازيل الضربات الغربية، بينما اتخذت الهند موقفاً حذراً. وتعقدت الحسابات السياسية للتكتل جراء التوترات الأمنية الإقليمية التي مست مصالح دول خليجية أعضاء كالإمارات العربية المتحدة.

على الرغم من هذه التحديات، تجلت القيمة المضافة الحقيقية للبريكس في قدرته على احتواء تداعيات الحرب من خلال “هيكله البراغماتي المرن والممتص للصدمات”. فقد وفر التكتل شبكة ربط بديلة لإيران، وحولت اجتماعاته إلى منصة دولية لجمع القادة الإيرانيين والخليجيين. اقتصادياً، استطاع التحالف امتصاص صدمة قفزة أسعار النفط من خلال تكثيف الصين وروسيا للشراء المباشر والتسويات الفورية بالعملات المحلية.

لم يعد البريكس مجرد مشروع للمستقبل، بل هو القوة التعديلية التي أعادت تشكيل الحاضر وفرضت واقع التعددية القطبية. لقد تخلى التكتل عن شرط التوافق الأيديولوجي التام، مستبدلاً إياه بـ “براغماتية مرنة” تتيح لكل دولة المناورة وتحقيق مصالحها، مؤسساً بذلك لنظام اقتصادي عالمي جديد يتسع لتطلعات دول الجنوب.

شارك الخبر: