المغرب
اقتصاد

المغرب يطلق جيلاً جديداً من برامج التنمية الترابية المندمجة لتحقيق العدالة المجالية

هسبريس29 أكتوبر 2026 في 01:100 مشاهدة
المغرب يطلق جيلاً جديداً من برامج التنمية الترابية المندمجة لتحقيق العدالة المجالية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "التنمية الترابية المندمجة" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 29 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

هسبريس - مصطفى بوحزامة

الخميس 29 أكتوبر 2026 - 00:55

يشهد المغرب حالياً ورشاً تنموياً مهماً يتمثل في اعتماد جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، والذي يهدف إلى إحداث نقلة نوعية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالبلاد. تستمد هذه البرامج توجهاتها وفلسفتها من التوجيهات الملكية، حيث دعا الملك محمد السادس، في خطاب العرش بتاريخ 30 يوليوز 2025 وخطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية الحادية عشرة، إلى ضرورة القطع مع "مغرب السرعتين" واعتماد هندسة مالية ومجالية مندمجة بدءاً من قانون المالية لسنة 2026، وذلك عبر تغيير المنهجيات والأولويات. وقد تم إحداث تعديلات على الأطر القانونية والتنظيمية لتمويل وتدبير هذه البرامج، مع استهداف أولويات محددة.

أولاً: سياقات وأولويات اعتماد الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة

يأتي اعتماد هذا الجيل الجديد في ظل سياقات اجتماعية تتميز بوجود فوارق اجتماعية وتفاوتات مجالية، خاصة في المناطق التي تعاني من الفقر والهشاشة ونقص البنيات التحتية والمرافق الأساسية، وهو ما أشار إليه الخطاب الملكي لعيد العرش لسنة 2025. وقد أدت هذه التفاوتات إلى اندلاع احتجاجات محلية ووطنية، مما فرض البحث عن برامج تنموية جديدة. يمكن التمييز بين ثلاثة سياقات أساسية لاعتماد هذه البرامج: السياق الاقتصادي والاجتماعي، السياق المؤسساتي وتجاوز نقائص التدبير، والسياق الاستشرافي لتوجيهات الملك.

السياق الاجتماعي والاقتصادي: يتميز بوجود تفاوتات كبيرة، خاصة في المناطق الهشة والعالم القروي، وصعوبة الولوج إلى الخدمات الأساسية في مجالات الصحة والتعليم والتشغيل. وأظهر تقرير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي سنة 2023، تفاوتات كبيرة في مؤشر الخصاص الاقتصادي والاجتماعي حسب الجهات بين 2001 و2017. ويزداد هذا الخصاص حدة في العالم القروي الذي يعاني من الهشاشة والفقر ونقص الخدمات الأساسية. وقد نتج عن هذه التفاوتات انطلاق احتجاجات، كان آخرها احتجاجات حركة جيل زيد 212 التي تميزت مطالبها بالطابع الاجتماعي والاقتصادي، نتيجة لاختلالات في السياسات العمومية الاجتماعية.

السياق المؤسساتي وتجاوز نقائص التدبير: دعا الملك محمد السادس في خطاب العرش بتاريخ 29 يوليوز 2025 إلى الانتقال من المقاربات التقليدية للتنمية الاجتماعية إلى مقاربة للتنمية المجالية المندمجة. فقد أبانت المقاربات التقليدية عن نقائص في طرق التدبير تمثلت في هيمنة المقاربة القطاعية، مركزية القرار والتمويل، وضعف الالتقائية. كما تميز السياق المؤسساتي بضعف التأطير التقني والهندسي لدى الجماعات الترابية، واختلالات في التنسيق متعدد المستويات، ومحدودية الموارد الذاتية للجماعات.

السياق الاستشرافي لتوجيهات الملك: تعود بداية هذا الجيل الجديد إلى سنة 2025 حين دعا الملك محمد السادس في خطاب العرش إلى إحداث نقلة حقيقية في التأهيل الشامل للمجالات الترابية وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية. وقد تعززت المقاربة المجالية والمندمجة للتنمية في سنة 2017 بإطلاق برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية في العالم القروي (2017-2023) بتعليمات ملكية سامية، ورصدت له ميزانية إجمالية تقدر بحوالي 50 مليار درهم. وفي ظل استمرار الفجوات، وجه الملك محمد السادس توجيهاته للحكومة لاعتماد جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة عبر تغييرات في طرق التدبير والتمويل لتحقيق العدالة المجالية.

الأولويات الاستراتيجية: يسعى الجيل الجديد إلى التركيز على أربع أولويات: دعم التشغيل، تقوية الخدمات الاجتماعية الأساسية (الصحة والتعليم)، التدبير الاستباقي للموارد المائية، والتأهيل الترابي المندمج. ففي مجال التشغيل، بلغت نسبة البطالة في المغرب برسم الفصل الأول من سنة 2026 حوالي 10.8%، مع تفاوتات بين الجهات. أما في مجالي الصحة والتعليم، فقد شكلت الاختلالات نقطة انطلاق احتجاجات، منها احتجاجات حركة جيل زيد 212. وفيما يخص الموارد المائية، يفرض الوضع شبه الجاف للمغرب ضرورة تعميق السياسة الاستباقية في تدبيرها. أما التأهيل الترابي المندمج فيستهدف تحسين البنيات التحتية الأساسية والولوج إلى خدمات القرب، مع التركيز على المناطق الأقل حظاً.

ثانياً: آليات تدبير الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة

تعتمد هذه الآليات بشكل محوري على الشركات الجهوية لتنفيذ المشاريع، وهي توجه مؤسساتي جديد يهدف إلى تطوير تدبير وإنجاز المشاريع الكبرى، خلفاً للوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع. وقد رافق هذا التحول تعديلات في المنظومة القانونية والمؤسساتية لهذه الشركات، وكذلك في طرق الرقابة المالية والافتحاص.

الإطار القانوني للشركات الجهوية لتنفيذ المشاريع: تم اعتماد الشركات الجهوية لتنفيذ المشاريع كشركات مساهمة، كآلية لتنفيذ الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، بموجب القانون التنظيمي رقم 31.26 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات. نصت المادة 128 من هذا القانون على تحويل الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركة مساهمة ذات مجلس إدارة تحمل تسمية "الشركة الجهوية لتنفيذ المشاريع". وتخضع هذه الشركات لأحكام القانون التنظيمي المتعلق بالجهات وللقانون رقم 17.95 المتعلق بشركات المساهمة ولنظامها الأساسي.

مهام الشركة الجهوية لتنفيذ المشاريع: تشمل مد مجلس الجهة بالمساعدة التقنية، تنفيذ برامج التنمية والمشاريع، وتنفيذ البرامج والمشاريع التنموية لحساب الدولة والجماعات الترابية وكل شخص اعتباري خاضع للقانون العام، مقابل أجرة. (المادة 129 من القانون التنظيمي رقم 31.26).

مجلس إدارة الشركات الجهوية لتنفيذ المشاريع: يتكون من أعضاء تحدد قائمتهم الأولية ومبلغ رأسمالها الأولي بقرار للسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية. ويتمتع المجلس بجميع الصلاحيات اللازمة لإدارة الشركة، بما في ذلك وضع برنامج العمل، حصر الميزانية، المصادقة على القوائم المالية، وتحديد النظام الأساسي للمستخدمين. ورغم أن رئيس الجهة هو رئيس مجلس إدارة الشركة، إلا أن القانون التنظيمي رقم 31.26 ألزم بضرورة عرض عدد من مقررات مجلس الإدارة على مصادقة والي الجهة، مما يؤكد استمرارية حضور المسؤول المركزي في اتخاذ القرار على المستوى الجهوي.

المراقبة والافتحاص المالي: تم إقرار استثناء لهذه الشركات من القانون رقم 69.00 المتعلق بالمراقبة المالية للدولة، بهدف تسريع المساطر. وتخضع هذه الشركات في عملياتها المالية والمحاسبية لافتحاص سنوي مشترك تقوم به كل من المفتشية العامة للمالية والمفتشية العامة للإدارة الترابية، استجابة لمطالب تحذر من تبديد المال العام وخرق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

ثالثاً: آليات تمويل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة

تتمثل آليات التمويل في تحويل صندوق التنمية القروية إلى صندوق جديد تحت اسم "صندوق التنمية الترابية المندمجة"، بالإضافة إلى تخصيص مبلغ مالي إجمالي لهذه البرامج مقسم إلى مبالغ جزئية في قوانين المالية على مدى ثمان سنوات ابتداء من قانون المالية لسنة 2026.

إحداث صندوق التنمية الترابية المندمجة: تم إحداث هذا الصندوق بموجب قانون المالية لسنة 2026، وأسندت مهمة تدبيره لوزير الداخلية. يهدف هذا الصندوق إلى تمويل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة وتحقيق العدالة المجالية، مع التركيز على قطاعات الصحة والتعليم والماء وبرامج التأهيل الترابي. وقد رصد لهذا الورش التنموي مبلغ مالي إجمالي يقدر بحوالي 210 مليارات درهم (حوالي 22 مليار دولار) مقسمة على مدى ثمان سنوات.

مخصصات قانون المالية لسنة 2026 والقوانين المالية بعده: تبلغ الميزانية الإجمالية لتمويل هذه البرامج حوالي 210 مليار درهم موزعة على مدى ثمان سنوات. وقد تم بموجب قانون المالية لسنة 2026 تخصيص مبلغ مالي أولي يقدر بعشرين (20) مليار درهم، مقسم إلى شطرين: خمسة مليارات درهم يمكن صرفها خلال السنة المالية 2026، وخمسة عشر مليار درهم تم الالتزام بها مقدماً لصرفها في السنة المالية 2027. ورغم أن هذا المبلغ الانطلاقي يعتبر ضعيفاً مقارنة بالمعدل السنوي المتوقع (حوالي 26.25 مليار درهم)، فإن قانون المالية لسنة 2026 أتاح إمكانية تحويل جزء من موارد "حصة الجماعات الترابية من حصيلة الضريبة على القيمة المضافة" إلى الميزانية العامة لتمويل هذه البرامج.

يعتبر الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة توجهاً طموحاً في تنزيل النموذج التنموي المغربي، ومن الممكن أن يحدث نقلة تنموية مهمة، خاصة في المناطق القروية والهشة، إذا تم تنفيذه وفق الفلسفة التي وضع وفقها، بالنظر للتحولات المحدثة على مستوى الحكامة والتدبير والمبالغ المالية المرصودة. إلا أن هناك تساؤلات حول مصادر هذه الاعتمادات المالية ومدى استدامتها، في ظل الظرفية الاقتصادية الصعبة وتزايد الضغوط على التوازنات الاقتصادية والمالية.

شارك الخبر: