كلماتنا سلاح: دعوة لتغيير الخطاب حول ذوي التثلث الصبغي 21


هذا الخبر بعنوان "حين تصبح الكلمات أداة للتنمر: آن الأوان لتغيير نظرتنا" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 29 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أثار استخدام وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، السيد عز الدين المداوي، لعبارة «Mariage mongolien» (الزواج المنغولي) خلال جلسة برلمانية، نقاشاً مشروعاً حول مسؤولية الخطاب العمومي والمصطلحات المستخدمة عند الحديث عن الأشخاص الحاملين للتثلث الصبغي 21. ورغم أن ما صدر عن الوزير قد يكون غير مقصود أو مجرد زلة لسان، إلا أن عدم القصد لا يلغي الأثر، خاصة عندما تأتي الكلمة من مسؤول حكومي. فالكلمات قادرة على تشكيل صور ذهنية عن الأفراد، وعندما تتحول هذه الصور إلى أحكام مسبقة على قدراتهم وقيمتهم وهويتهم، فإنها قد تتطور إلى سلوكيات تهميش وإقصاء.
بالنسبة للأسر والفاعلين في مجال التثلث الصبغي 21، فإن الكلمات المستخدمة لوصف أبنائهم تؤثر بشكل مباشر في نظرة المجتمع إليهم وكيفية معاملتهم في مختلف البيئات. إن مصطلح «المنغولي» لم يعد مقبولاً علمياً، بل يحمل إرثاً مؤلماً من التصنيفات العنصرية، وقد خرج عن سياقه التاريخي ليصبح كلمة جارحة في الاستعمال اليومي تلغي الهوية وتهيئة للسخرية والتنمر، خاصة عند دخولها إلى المدرسة كلقب للحط من قيمة الزملاء.
تتجاوز المشكلة مصطلح «منغولي» لتشمل عبارات أخرى مثل «متلازمة داون». فكلمة «متلازمة» تختزل الإنسان في خصائص طبية وجسدية، متجاهلة روحه وشخصيته وقدراته وطموحاته. أما كلمة «Down»، فرغم أن أصلها يعود للطبيب John Langdon Down، إلا أن المعنى المتداول في اللغة الإنجليزية يرتبط بـ«الأسفل»، مما قد يضيف حمولة سلبية.
حتى عبارات مثل «الاحتياجات الخاصة» و«الإعاقة» تحمل إشكاليات. فعبارة «الاحتياجات الخاصة» تكرس فكرة العيش خارج القاعدة وتفصل بين الحقوق والخدمات الأساسية. أما كلمة «إعاقة»، فالسؤال الأعمق هو ما إذا كنا ما زلنا نعرف الإنسان من خلال ما نعتبره نقصاً فيه.
هذه اللغة تؤثر في حياة الأفراد وقرارات المحيطين بهم. فقد تتكون لدى الوالدين صورة عن طفل محدود القدرات منذ البداية، مما يخفض سقف التوقعات منه. وتنتقل هذه الصورة إلى المدرسة والمجال الطبي، محولة التشخيص إلى حكم مسبق على المستقبل.
ما نحتاجه هو الانتقال من تعريف الإنسان بما ينقصه إلى الاعتراف بتنوعه الوظيفي وقدراته وحقوقه. ولن يتغير هذا إلا بتغيير اللغة. فالدولة المغربية تتحدث عن الدمج وتكافؤ الفرص ومحاربة التنمر، لكن لن يتغير شيء إذا استمر الخطاب في إنتاج نظرات قديمة. لا يمكن محاربة التنمر في المدرسة والسماح في الوقت نفسه لمصطلحات تحمل حمولة تنمرية بالاستمرار في الخطاب العام.
من هذا المنطلق، نطالب السيد الوزير باعتذار واضح وصريح للأشخاص الحاملين للتثلث الصبغي 21 ولأسرهم والجمعيات المعنية. الهدف ليس محاكمة شخص، بل تأكيد أن كرامة المواطنين ليست ثانوية، وأن المسؤول العمومي يجب أن يكون جزءاً من تغيير الخطاب لا إعادة إنتاج المصطلحات التي تحمل وصماً.
كما نطالب بتغيير المصطلحات المستخدمة في الخطاب الرسمي والتربوي والإعلامي، والانتقال إلى لغة علمية وإنسانية وحقوقية تضع الإنسان أولاً، مثل «الأشخاص ذوي التنوع الوظيفي» و«الأشخاص الحاملون للتثلث الصبغي 21». يجب أن يواكب هذا التغيير عمل مؤسساتي حقيقي، يشمل تكوين المسؤولين والأطر التربوية والصحية والإعلامية، لتصبح اللغة المحترمة جزءاً من ثقافة الدمج.
أبناؤنا ليسوا مصطلحات؛ إنهم مغاربة كاملو الحقوق، لهم أسماء وهويات وأرواح وشخصيات وقدرات وطموحات. نريد لغة تحترمهم، لا تشفق عليهم. نريد أن ننظر إليهم من خلال ما يمكنهم تعلمه وتطويره وتحقيقه عندما نوفر لهم الفرص والدعم. الكلمات ليست مجرد ألفاظ، بل هي جزء من الثقافة التي نبنيها. تغيير المصطلحات ليس تجميلاً للغة، بل هو جزء من تغيير النظرة والممارسة وبناء مجتمع يرى الإنسان قبل تشخيصه ويحترم اختلافه ويؤمن بقدراته ويضمن له حقه الكامل في الكرامة والاستقلالية والمشاركة.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة