المغرب
اقتصاد

المجتمع المدني في المغرب: بين الرسالة النبيلة والعبء الضريبي المعقد

العمق المغربي29 أكتوبر 2026 في 19:140 مشاهدة
المجتمع المدني في المغرب: بين الرسالة النبيلة والعبء الضريبي المعقد

تنويه

هذا الخبر بعنوان "جمعيات المجتمع المدني بين نبض الرسالة الاجتماعية وثقل العبء الضريبي" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 29 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في المغرب، لا تقتصر تحديات الجمعيات على الجانب المالي فحسب، بل تبدأ من اللحظة التي تُعامل فيها كيانات مدنية، وُجدت لخدمة الصالح العام، بمنطق جبائي صُمم أساسًا للفاعلين الاقتصاديين الساعين للربح. هذا التناقض يكشف عن إشكالية حساسة في التدبير العمومي، حيث تجد الجمعيات التي تنشط في مجالات التضامن، التربية، الثقافة، الرياضة، التنمية المحلية، أو الدفاع عن الحقوق، نفسها أمام أسئلة ضريبية مشابهة لتلك التي يواجهها المقاولون والتجار والمهنيون، من حيث التصريح، الفوترة، الاقتطاع، والضرائب على الشركات والقيمة المضافة، وحتى الواجبات المرتبطة بالأجور. كما يبرز اختلاف في فهم طبيعة النشاط، هل هو ربحي أم غير ربحي.

الإطار القانوني المغربي يعترف بوجود الجمعيات ولا يتجاهل خصوصيتها. فقانون حق تأسيس الجمعيات، إلى جانب المدونة العامة للضرائب، يميز مبدئيًا بين الجمعيات غير الربحية وتلك التي قد تمارس أنشطة ذات طابع تجاري أو مدر للدخل. هذا التمييز هو جوهر القضية، فالأصل أن الجمعية لا توزع الأرباح على أعضائها وتوجه مواردها لتحقيق أهدافها. لكن هذا المبدأ النظري يصطدم بواقع معقد، حيث تضطر العديد من الجمعيات لتنظيم أنشطة تمويلية، تقديم خدمات، استغلال مرافق، تلقي دعم وشراكات، تشغيل أجراء، أو توقيع عقود مع جهات مختلفة. هنا تبدأ المنطقة الرمادية التي تجعل العلاقة مع الإدارة الضريبية قائمة على التأويل أكثر من القواعد الثابتة.

يكمن جوهر الإشكال في المغرب ليس في وجود الضريبة بحد ذاتها، بل في معيار تطبيقها. فالإدارة الضريبية لا تعتمد على تسمية المؤسسة (جمعية، تعاونية، هيئة مدنية) بقدر ما تنظر إلى طبيعة النشاط وطريقة التمويل، وهل هناك مقابل مباشر للخدمة، وهل تنافس الجمعية فاعلين خاضعين للضريبة، وهل يتحقق نفع خاص لفئة معينة، وهل تُعاد استثمار المداخيل في نفس الغاية أم تتحول إلى مردودية غير مباشرة. هذا المنطق، وإن بدا قانونيًا من حيث المبدأ، يفتح بابًا واسعًا للاجتهاد والاختلاف في الممارسة. فجمعية صغيرة تنظم دورات تكوينية بمقابل رمزي قد تُعامل بشكل مختلف عن جمعية أخرى تقوم بنفس النشاط في سياق اجتماعي مختلف. وكذلك، قد تُعامل جمعية تملك قاعة أو مركباً تؤجره لأوقات محدودة كفاعل غير ربحي في بعض الأحيان، وفاعل يمارس دخلاً خاضعًا في أحيان أخرى. هنا، لا يعود النص القانوني وحده حاسمًا، بل تتدخل التقديرات الإدارية والقرائن العملية، مما يخلق قدرًا كبيرًا من عدم اليقين.

تتعقد الصورة أكثر مع الضريبة على الشركات. فالأصل أن الجمعيات غير الهادفة للربح، التي لا تمارس نشاطًا تجاريًا معتادًا ولا توزع أرباحًا، لا تُعامل كشركات ربحية. لكن هذا الاستثناء ليس مطلقًا؛ فإذا مارست الجمعية نشاطًا اقتصاديًا منتظمًا، أو باعت سلعة أو خدمة بشكل يتجاوز مجرد تغطية التكاليف، أو خالطت أنشطتها صبغة تجارية واضحة، فقد تجد نفسها أمام التزام ضريبي جزئي أو كلي. المشكلة هنا تكمن في أن العديد من الجمعيات لا تمتلك الموارد القانونية والمحاسبية الكافية لفهم الحد الفاصل بين النشاط المساعد على تمويل الرسالة الاجتماعية والنشاط الذي قد يُصنف كأصل ضريبي مستقل. بدلًا من قاعدة واضحة، يتحول الأمر إلى منطقة مخاطرة دائمة، تدفع بعض الجمعيات إلى الانكماش خوفًا من المفاجأة الجبائية، وتدفع أخرى إلى السير بلا يقين ثم تكتشف متأخرة أن ما اعتبرته نشاطًا داعمًا صار محل مساءلة.

أما الضريبة على القيمة المضافة، فهي من أكثر النقاط التي تكشف هشاشة الوضع القانوني للجمعيات. هذه الضريبة ترتبط بتقديم خدمات أو بيع سلع ضمن إطار خاضع، مما يجعل بعض الأنشطة الجمعوية، إذا خرجت من المجال التضامني البحت إلى التعاقد المؤدى عنه أو استغلال خدمات موازية، قابلة للإخضاع. المشكلة العملية تكمن في أن الجمعيات غالبًا لا تتوفر على إدارة محاسبية قادرة على الفصل الدقيق بين ما هو دعم وما هو مقابل، بين التبرع وثمن الخدمة، بين التمويل العمومي أو الهبة المشروطة والعائد التجاري. نتيجة هذا الخلط، تضيع القدرة على التنبؤ بالالتزامات، ويغدو الامتثال الضريبي عبئًا تنظيميًا يفوق قدرة العديد من الجمعيات الصغرى والمتوسطة، خصوصًا في العالم القروي حيث تعتمد المبادرات على التطوع أكثر من الهياكل.

ولا تقل إشكالات الضريبة على الأجور والاقتطاعات الاجتماعية أهمية. فمتى شغلت الجمعية مستخدمين، دخلت عمليًا في مجال الالتزامات المرتبطة بالتشغيل، من احتساب الأجور إلى الاقتطاع من المنبع والتصريح، وما يتفرع عن ذلك من مسؤوليات قانونية ومحاسبية. هنا يظهر تناقض آخر: فالجمعية قد تكون غير ربحية في مقصدها، لكنها تخضع عمليًا لمنطق مقاولة صغيرة من حيث التسيير، التوظيف، الوثائق، الآجال، والمساطر. تفاجأ العديد من الجمعيات بأن حسن النية لا يعفي من الالتزامات، وأن الطابع التطوعي للمشروع لا يرفع عنه متطلبات التسيير الجبائي إذا كان هناك أجر أو تعويض أو عقد خدمة. والمشكل أن هذه المساطر لا تُشرح دائمًا بلغة مبسطة ومؤطرة للجمعيات، بل تُقدم أحيانًا بنفس اللغة التقنية الموجهة للفاعلين الاقتصاديين الكبار، رغم الفارق العميق في البنية والموارد.

ثم هناك الإشكال الأكثر حساسية: التناقض بين النص والممارسة. النصوص تؤكد عمومًا على التمييز بين الربحي وغير الربحي، وعلى أن بعض الأنشطة قد تُعفى أو تُستثنى. لكن في الواقع، تجد العديد من الجمعيات نفسها في مواجهة معايير غير مستقرة أو تأويلات متباينة بين المصالح أو طلبات وثائق تتغير حسب الملف والجهة. هذا التباين يولد شعورًا عامًا بعدم الأمن القانوني؛ فالجمعية التي تستوفي شروطًا معينة في مدينة قد لا تحصل على نفس القراءة في مدينة أخرى، أو قد يُفهم ملفها بطريقة مختلفة عند التصريح الأول وعند المراقبة اللاحقة. والأخطر من ذلك، أن غياب دليل تأويلي واضح وموجه خصيصًا للجمعيات يجعل كثيرًا من المسؤولين الجمعويين في حالة تخمين دائم، وهو وضع لا يخدم الدولة ولا الفاعل المدني.

طبيعة التمويلات نفسها تطرح أسئلة ضريبية دقيقة. فالدعم العمومي، الهبات، مساهمات الشركاء، التمويل الدولي، رسوم الانخراط، ومداخيل التظاهرات، كلها ليست بنفس الطبيعة القانونية ولا بنفس الأثر الجبائي. ومع ذلك، يتم التعامل معها أحيانًا ككتلة واحدة في الخطاب العملي، بينما القانون يقتضي تفكيكًا دقيقًا. فليس كل مبلغ يدخل حساب الجمعية في الحكم نفسه، وليس كل مورد يُعد مداخيل تجارية، ولا كل شراكة تمويلية تعني الخضوع للمنطق نفسه. هذا التداخل يربك الجمعيات ويزيد من ثقل الرقابة، ويجعل التسيير المالي قائمًا على الاحتياط المفرط بدل المبادرة. ومع الوقت، يتحول الخوف من الخطأ الجبائي إلى سبب غير مباشر لقتل المبادرات الصغيرة أو تجميد أنشطة كانت يمكن أن تكون أوسع أثرًا لو توفرت لها قواعد أكثر وضوحًا.

الأثر على المجتمع المدني واضح. فالجمعية التي تضع جزءًا كبيرًا من وقتها في فهم الإعفاءات والتصريحات والالتزامات بدل توجيهه إلى المشروع نفسه، تفقد جزءًا من رسالتها. والجمعية التي تخشى أن يؤدي نشاطها الاقتصادي المحدود إلى مساءلة واسعة قد تتراجع عن تمويل ذاتها وتبقى رهينة المنح المتقطعة. والجمعية التي تشتغل في الهشاشة الاجتماعية، حيث الحاجة أكبر والموارد أضيق، هي الأكثر تضررًا من التعقيد الجبائي، لأن أي خطأ صغير قد يهدد استمراريتها. لذلك، يصبح الملف الضريبي في جوهره ملفًا مرتبطًا بحرية المبادرة الجمعوية نفسها، وبقدرة المجتمع المدني على الاستمرار دون أن تتحول رسالته إلى عبء محاسبي خانق.

من هنا، تبرز الحاجة إلى قانون جديد، أو على الأقل إلى مراجعة عميقة وشجاعة للأطر الحالية. يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار أن الجمعية ليست شركة في ثوب آخر، وأن نشاطها لا ينبغي أن يُقاس فقط بمنطق المردود، بل بطبيعة الغاية العامة التي تتحرك من أجلها. المطلوب ليس إعفاءً شاملاً وغير مشروط، بل نظام جبائي خاص واضح ومفهوم يحدد بدقة متى تكون الجمعية معفاة، ومتى تخضع جزئيًا، ومتى تُعامل كفاعل اقتصادي في مجال محدد. المطلوب أيضًا تبسيط المساطر، توحيد التأويل الإداري، إصدار دلائل عملية خاصة بالجمعيات، وتكريس مبدأ الأمن القانوني، حتى لا يبقى الامتثال رهينًا بالحظ أو بالجهة أو بالاجتهاد الفردي.

الإشكال الضريبي للجمعيات في المغرب لا يتعلق فقط بواجب أدائها للضريبة أو إعفائها منها، بل يتعلق قبل ذلك بحقها في الوضوح. فالمجتمع المدني لا يطلب امتيازًا، بل قواعد عادلة تناسب طبيعته. وعندما تُصاغ القواعد بوعي بهذه الخصوصية، يصبح الأداء الجبائي جزءًا من التنظيم لا عقبة في الطريق. أما إذا استمر الغموض، فإن الخسارة لن تصيب الجمعيات وحدها، بل سيصيب معها المجال العمومي نفسه، لأن كل جمعية ترهقها الضبابية هي فرصة أقل للتضامن وللترافع وللبناء الهادئ الذي يحتاجه المغرب اليوم أكثر من أي وقت مضى.

شارك الخبر: