فرنسا على صفيح ساخن: موجة احتجاجات طلابية وسياسية تعيد ذكريات 1968


هذا الخبر بعنوان "قراءة في الاحتجاجات الفرنسية" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 30 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت فرنسا مؤخراً مظاهرات حاشدة قادها طلاب الثانويات والجامعات، وانضمت إليها لاحقاً مجموعات مثل أصحاب السترات الصفراء، والنقابات، وتيار اليسار الراديكالي "فرنسا الأبية". هذه التحركات أعادت إلى الأذهان أجواء الاحتجاجات الطلابية التي وقعت في مايو 1968، والتي كان لها تأثير عميق على المسار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في فرنسا وأوروبا ومناطق أخرى.
يُعرف الشعب الفرنسي بميله للاحتجاج والتعبير عن استيائه عبر المظاهرات المتكررة، وهي سمة متجذرة في سلوكه الاجتماعي، كما أشار الشيخ رفاعة الطهطاوي في كتابه "تلخيص الإبريز في أخبار باريس". لذا، لا يُعدّ الغضب المتزايد ضد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية السيئة أمراً مستغرباً، حيث يميل المجتمع الفرنسي بطبيعته إلى التمرد على الظروف المتدهورة.
تسعى السلطات الفرنسية حالياً لاحتواء الأزمة عبر عقد لقاءات وحوارات مع المتظاهرين، سواء كانوا من جيل Z أو من الطلاب والمواطنين والنقابات والقوى المجتمعية المختلفة، بهدف التوصل إلى حلول توافقية تلبي المطالب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
تفاقمت الأوضاع بفعل تداعيات حرب أوكرانيا، وأزمة غلاء الأسعار المرتبطة بحرب إيران، وتدهور المرافق العمومية الذي بدأ منذ أزمة كوفيد-19، مما خلق قلقاً وجودياً بشأن مستقبل البلاد والأجيال القادمة.
يزداد الوضع تعقيداً مع تصاعد موجة العنصرية، التي تغذيها تيارات يمينية متطرفة تدعو إلى طرد المهاجرين وتلقي باللوم عليهم وعلى المسلمين في الأزمات التي تمر بها البلاد. وقد سيطر اليمين المتطرف إلى جانب اليسار الراديكالي "فرنسا الأبية" على المشهد السياسي، مما أدى إلى إضعاف الأحزاب التقليدية من اليمين واليسار والوسط. هذا الوضع دفع هذه الأحزاب إلى تبني خطاب عنصري قائم على كراهية الأجانب (الزينوفوبيا) والإسلاموفوبيا، ورفض الآخر، مستخدمة مصطلحات مثل "الاستبدال الكبير" التي روج لها أرنولد كامو، والتي تفترض استبدال الشعب الفرنسي الكاثوليكي الأبيض الأصيل بشعب مسلم من أصول أفريقية. هذا الوهم يتناقض مع الحقائق الإحصائية التي تظهر النسبة المنخفضة للمهاجرين مقارنة بالسكان الأصليين، ويؤكد خبراء ومؤرخون أن الهجرة ساهمت في تكوين الشعب الفرنسي عبر القرون، وأن الاستعمار الفرنسي لبلدان أفريقيا كان سبباً في نهضة فرنسا واستقلالها.
لا يوجد عرق فرنسي خالص كما يدعي العنصريون، بل يوجد عقد اجتماعي يقوم على مبادئ الحرية والمساواة والإخاء. يسود استقطاب حاد وجو غير صحي النقاشات السياسية والإعلامية والثقافية في فرنسا. تضاف إلى ذلك الأحداث الإرهابية والعنصرية والإسلاموفوبيا التي تستهدف المسلمين في فرنسا، مثل اغتيال أبوبكر سيسي وهشام ميراوي، ومقتل وجرح مسلمين في مدينة تراب.
يحمل المجتمع الفرنسي والأوروبي تاريخاً من الانقسامات والحروب، بدءاً من اضطهاد البروتستانت، مروراً بقضية جان كالاس ودفاع فولتير عن التسامح الديني، وصولاً إلى قضية الضابط اليهودي دريفوس الذي تعرض للظلم بسبب ديانته، ودافع عنه الكاتب إميل زولا في مقالته الشهيرة "أنا أتهم". بلغت معاداة السامية ذروتها خلال حكم حكومة فيشي الفرنسية خلال الأربعينات، ولا تزال هذه الظاهرة، إلى جانب معاداة المسلمين والمهاجرين، قائمة في المجتمع الفرنسي.
تعمل الجمعيات الحقوقية، مثل جمعية مقاومة الاعتداءات ضد المسلمين وجمعية مناهضة ومكافحة العنصرية والعداء للسامية، والمؤسسات الفرنسية، على محاربة هذه الظواهر التي تهدد تماسك المجتمع، مؤكدة على مبدأ اللائكية الحقيقي الذي يضمن حق الأقليات الدينية والعيش المشترك تحت قيم الحرية والمساواة والإخاء، وهي مبادئ تكفلها الإعلانات العالمية لحقوق الإنسان.
في أوقات الأزمات، يبحث بعض السياسيين عن "كبش فداء" لتبرير صعوبة حل المشاكل المستعصية. يُعتقد أن هذه الاحتجاجات والاضطرابات، التي تمنعها وزارة الداخلية أحياناً حفاظاً على النظام العام، ستؤدي إلى تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية في فرنسا، وقد تنعكس على أوروبا والعالم.
رفضت قطاعات واسعة من المجتمع الفرنسي سياسات التقشف، ودعت إلى استمرار الاحتجاجات والمظاهرات، بما في ذلك قرع الأواني يوم 31 أكتوبر، وإضراب عام شامل أعلنت عنه خمس نقابات كبرى في 5 نوفمبر. تطالب هذه الاحتجاجات بإنهاء الممارسات الاقتصادية التي تزيد من ثراء الأغنياء وتفقر الفقراء. ومع ذلك، تواجه هذه الاحتجاجات خطر أعمال العنف والتخريب، مما يضع الدولة الفرنسية أمام تحدٍ صعب يتمثل في الموازنة بين ضمان حق الاحتجاج والحفاظ على النظام العام وأمن المواطنين.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة