توقعات النمو الاقتصادي المغربي المتضاربة تضع "ميزانية 2027" أمام اختبار الواقعية


هذا الخبر بعنوان "تضارب توقعات النمو الاقتصادي المغربي يختبر واقعية "ميزانية 2027"" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 31 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تضع التوقعات المتباينة بشأن نمو الاقتصاد المغربي خلال السنة المقبلة الفرضيات المعتمدة في مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام اختبار الواقعية، بعدما راهنت الحكومة على تحقيق نمو بنسبة 3.7 في المائة، مقابل تقديرات أكثر تحفظاً صادرة عن مؤسسات وطنية. وتبرز هذه الفوارق مخاوف من انعكاسها على المداخيل الجبائية والتوازنات المالية، خصوصاً في ظل استمرار تقلبات أسعار النفط والمواد الأولية بالأسواق الدولية، واحتمال ارتفاع نفقات المقاصة بما يتجاوز الاعتمادات المرصودة لها.
وكشفت المعطيات المرافقة لمشروع قانون المالية عن اعتماد الحكومة فرضية نمو بنسبة 3.7 في المائة خلال 2027، بينما حصرت المندوبية السامية للتخطيط توقعاتها في 3 في المائة، وتوقع بنك المغرب 2.9 في المائة. هذا التباين يرفع الفارق بين السيناريو الحكومي والتقدير الأكثر تحفظاً إلى 0.8 نقطة مئوية، مع احتمال فقدان الخزينة نحو 3.8 مليارات درهم من المداخيل الجبائية، واتساع عجز الميزانية بنحو 0.2 نقطة مئوية من الناتج الداخلي الإجمالي، في حال تحقق السيناريو الأقل تفاؤلاً.
وقد شهدت التوقعات الرسمية بشأن النمو الاقتصادي خلال 2027 تراجعاً تدريجياً في مستوى التفاؤل الحكومي، حيث تم تخفيض نسبة النمو المتوقعة من 4.2 في المائة إلى 3.7 في المائة في مشروع قانون المالية الجديد. ورغم هذا التراجع، لم تتقارب التوقعات الحكومية مع تقديرات المؤسسات الوطنية الأخرى، مع الأخذ في الاعتبار اختلاف تواريخ إعداد هذه التقديرات والفرضيات المعتمدة فيها.
تزامن هذا التباين مع اعتماد فرضيات مرتبطة بتراجع أسعار الطاقة واستقرار سعر الصرف وتحسن الطلب الخارجي، رغم استمرار الضغوط على الأسواق الدولية. فقد حدد المشروع السعر المرجعي لبرميل نفط برنت في 75 دولاراً، مقابل متوسط بلغ نحو 91 دولاراً خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026. وأظهرت محاكاة الحساسية المالية أن استمرار أسعار النفط عند مستوى 87 دولاراً قد يرتبط بزيادة نفقات المقاصة بنحو 8 مليارات درهم، في حين قد يؤدي تباطؤ النمو إلى نقص الموارد الجبائية بنحو 3.8 مليارات درهم، ما يرفع الكلفة الحسابية المحتملة للصدمتين إلى حوالي 11.8 مليار درهم.
النمو والمداخيل:
يرتكز السيناريو الاقتصادي المعتمد في مشروع قانون المالية لسنة 2027 على تحول مرتقب في محركات النمو، من الاعتماد على الانتعاش الفلاحي المسجل خلال السنة الجارية إلى تسارع الأنشطة غير الفلاحية، خصوصاً القطاع الثانوي الذي يشمل الصناعة والبناء والطاقة. وتوقعت الحكومة ارتفاع نمو هذا القطاع من 0.3 في المائة خلال 2026 إلى 3.9 في المائة السنة المقبلة، بالتزامن مع تباطؤ نمو القيمة المضافة الفلاحية من 18 إلى 0.5 في المائة.
وتستند التقديرات المتعلقة بالقطاع الفلاحي إلى توقع انخفاض محصول الحبوب من 90 مليون قنطار إلى 70 مليون قنطار، مما يجعل الأداء الاقتصادي رهيناً بتطور التساقطات المطرية خلال الموسم الفلاحي المقبل، وقدرة القطاعات غير الفلاحية على تعويض تراجع مساهمة الأنشطة الزراعية في النمو. وتؤثر تقلبات الفلاحة بصورة مباشرة في الاستهلاك الداخلي والدخل القروي، خصوصاً أنها ما تزال تستوعب نحو 24 في المائة من السكان النشطين المشتغلين.
في قراءة تحليلية لهذه المعطيات، يطرح التفاوت بين توقعات الحكومة والمؤسسات الوطنية إشكالية تقدير الموارد الجبائية المنتظرة، باعتبار أن تباطؤ النشاط الاقتصادي ينعكس على أرباح المقاولات ومداخيل الأسر والاستهلاك، وبالتالي على حصيلة الضرائب المباشرة وغير المباشرة. فيما قد يؤدي انخفاض الناتج الداخلي الإجمالي عن المستوى المتوقع إلى ارتفاع نسب المديونية والعجز.
أوضح رشيد قصور، خبير اقتصادي متخصص في المالية العمومية، أن “الفارق بين توقعات الحكومة وبنك المغرب والمندوبية السامية للتخطيط لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد اختلاف تقني في نماذج الاستشراف الاقتصادي، بل مؤشراً يستدعي الحذر عند تقدير الموارد والنفقات العمومية”. وشدد على أن اعتماد نسبة نمو تفوق تقديرات المؤسسات الوطنية الأخرى قد يرفع سقف المداخيل الجبائية المبرمجة، في حين إن عدم تحقق هذه الفرضية سيضع الحكومة أمام خيارات مالية أكثر تعقيداً.
وأضاف قصور أن “واقعية الميزانية لا تقاس فقط بمدى قدرة الحكومة على بلوغ معدل النمو المعلن، وإنما أيضاً بمدى توفرها على هوامش احتياطية لمواجهة السيناريوهات الأقل تفاؤلاً”. وأشار إلى أن تباطؤ الاستهلاك والاستثمار وأرباح المقاولات قد يؤدي إلى تراجع التحصيل الضريبي، بالتزامن مع استمرار الالتزامات المتعلقة بالأجور والاستثمار العمومي والنفقات الاجتماعية، ما يضيق هامش المناورة المالية.
ونبه الخبير الاقتصادي إلى أهمية تعزيز آليات التتبع الدوري لتنفيذ الميزانية، وربط تطور الاعتمادات والمداخيل بالمؤشرات الفعلية للنمو، مع تجنب بناء التوازنات المالية على فرضيات يصعب تحقيقها دون انتعاش قوي للأنشطة غير الفلاحية. وأشار إلى أن الفارق بين السيناريو الحكومي وتقديرات بنك المغرب، الذي قد يترجم إلى خسارة جبائية بنحو 3.8 مليارات درهم، يستدعي اعتماد مقاربة احترازية تسمح بتصحيح المسار المالي دون المساس بالاستثمارات ذات الأولوية.
الطاقة والتوازنات:
تتصدر تقلبات أسعار النفط قائمة المخاطر المحيطة بتنفيذ ميزانية 2027، بعدما اعتمدت الحكومة سعراً مرجعياً لبرميل برنت في حدود 75 دولاراً، رغم تسجيل متوسط يقارب 91 دولاراً بين يناير وغشت من السنة الجارية. ويثير هذا التباين تساؤلات بشأن مدى تحقق فرضية تراجع الأسعار خلال السنة المقبلة، ويزيد أهمية اختبار قدرة الاقتصاد الوطني والمالية العمومية على استيعاب موجات جديدة من ارتفاع تكاليف استيراد المواد الطاقية.
وتعزز تجربة ميزانية 2026 هذه المخاوف، بعدما اضطرت الحكومة إلى تعبئة اعتمادات إضافية بقيمة 8 مليارات درهم لفائدة المقاصة، في سياق ارتفاع أسعار الطاقة والمواد المدعمة مقارنة بالفرضيات الأولية. وأظهرت تقديرات الحساسية المتعلقة بالسنة المقبلة أن استقرار سعر برنت عند 87 دولاراً، مقابل 75 دولاراً معتمدة في المشروع، قد يرتبط بزيادة نفقات المقاصة بنحو 8 مليارات درهم إضافية، ويوسع عجز الميزانية بما يعادل 0.4 نقطة مئوية من الناتج الداخلي الإجمالي.
ولا تنحصر المخاطر في أسعار النفط الخام؛ إذ يعتمد مشروع قانون المالية فرضية استقرار سعر غاز البوتان عند 600 دولار للطن، مقابل مستويات تداول تراوحت بين 611 و613 دولاراً، بينما سجلت أسعار عدد من المواد الأولية المستوردة ارتفاعات متفاوتة، ما يزيد حساسية النفقات العمومية للتطورات الخارجية، خصوصاً بالنسبة إلى المنتجات التي تستفيد من الدعم.
اعتبر خليل مسعودي، خبير اقتصادي متخصص في الاقتصاد التطبيقي، أن “المخاطر المحيطة بميزانية 2027 لا ترتبط فقط باحتمال تباطؤ النمو، بل تمتد إلى درجة تعرض الاقتصاد المغربي لتقلبات الأسواق الدولية، خصوصاً أسعار الطاقة والمواد الأولية وسعر الصرف”. وأكد أن اعتماد سعر مرجعي للنفط يقل بصورة ملموسة عن المستويات المسجلة خلال السنة الجارية، يفرض اختبار قدرة الاقتصاد الوطني على امتصاص الصدمات، بالنظر إلى انعكاس ارتفاع تكاليف الاستيراد على أسعار الإنتاج والنقل والخدمات.
وأوضح مسعودي أن “انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى الاقتصاد الوطني يتم عبر قنوات متعددة، تشمل الميزان التجاري وكلفة الإنتاج والتضخم ونفقات الدعم، وهو ما يجعل تقييم المخاطر الاقتصادية رهيناً بدراسة آثارها المتزامنة”. وحذر من أنه في حال استقرار أسعار النفط عند مستويات أعلى من الفرضية الحكومية، قد تجد المالية العمومية نفسها أمام زيادة في نفقات المقاصة، بالتزامن مع احتمال تراجع هوامش أرباح المقاولات وتباطؤ الاستهلاك، الأمر الذي قد يؤثر بدوره على النمو والتحصيل الجبائي.
وخلص الخبير في الاقتصاد التطبيقي إلى أن تحسين قدرة الاقتصاد المغربي على مواجهة هذه التقلبات يمر عبر تسريع تنويع مصادر الطاقة وتعزيز الإنتاج المحلي ورفع تنافسية القطاعات الصناعية. وشدد على أهمية تتبع تطورات سعر الصرف، بالنظر إلى أن انخفاض قيمة الدرهم بنسبة 10 في المائة مقابل العملات الأجنبية قد يرفع القيمة المحاسبية للمديونية الخارجية بنحو 32.8 مليار درهم.
وتشير المعطيات المعتمدة في إعداد المشروع إلى أن استمرار أسعار الطاقة فوق المستويات المرجعية قد يفرض ضغوطاً متزامنة على نفقات الدعم وكلفة الواردات، بينما يمكن أن يؤدي تباطؤ النمو إلى تقليص الموارد الجبائية، وهو ما يجعل اجتماع الصدمتين مصدراً لمخاطر مالية متداخلة، مع بلوغ مجموع الأثرين المقدرين بصورة منفصلة نحو 11.8 مليار درهم.
وتقابل هذه المخاطر مؤشرات نقدية أكثر ملاءمة، في مقدمتها تراجع الضغوط التضخمية واستقرار سعر الفائدة الرئيسي لبنك المغرب عند 2.25 في المائة. ويرتقب أن تشكل تطورات أسعار النفط والتساقطات المطرية ومؤشرات النمو الفصلي خلال الأشهر المقبلة اختبارات عملية لمدى واقعية الفرضيات التي بنيت عليها ميزانية 2027.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد