المغرب
سياسة

قضية الصحراء المغربية: ما بعد قرار مجلس الأمن وبلاغ الديوان الملكي يرسم ملامح المرحلة الجديدة

العمق المغربي1 نونبر 2026 في 14:540 مشاهدة
قضية الصحراء المغربية: ما بعد قرار مجلس الأمن وبلاغ الديوان الملكي يرسم ملامح المرحلة الجديدة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "قضية الصحراء المغربية ما بعد اجتماع مجلس الأمن وصدور بلاغ الديوان الملكي" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 1 نونبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بقلم: محمد الكيحل

يُظهر تتبع مسار قضية الصحراء المغربية، منذ طرح مبادرة الحكم الذاتي، التحولات التي شهدتها المقاربة المغربية في تدبير هذا النزاع. فبعد صدور القرار الأممي رقم 2797 والخطاب الملكي المؤطر لهذه المرحلة المفصلية، تتجلى التحولات والتراكمات التي تحققت لصالح الدبلوماسية المغربية والخيارات الاستراتيجية والجيواقتصادية للمملكة. لقد شهدت مواقف مجلس الأمن الدولي وتبدل تقديراته، وقرارات المبعوث الخاص للأمين العام، دعماً متزايداً للطرح المغربي المتمثل في الحكم الذاتي كخيار وحيد لتسوية هذا النزاع المفتعل. تدخل قضية الصحراء بذلك منعطفاً جديداً ومرحلة مفصلية في تاريخ تدبير هذا النزاع الذي طال أمده.

بعد فشل مجلس الأمن الدولي في اجتماعه الأخير في أكتوبر في الخروج بقرار حول قضية الصحراء المغربية، تدخل القضية مرحلة تاريخية ومساراً جديداً. لا يقتصر هذا التحول على التدبير السياسي والدبلوماسي الذي ستسلكه المملكة بمعية شركائها الدوليين والإقليميين الداعمين للوحدة الترابية، بل يتعداه إلى الرد الحازم والفوري الذي جاء من الرباط بعد ساعة من انتهاء اجتماع مجلس الأمن. تجسد هذا الرد في بلاغ صادر عن الديوان الملكي، رسم معالم المرحلة الحالية والمقبلة لتدبير ملف الوحدة، مما يطرح تساؤلات حول أفق إيجاد تسوية سياسية نهائية لصالح شعوب المنطقة المغاربية وبلدان الجوار الجغرافي.

يتضح من قراءة مضمون الخطاب الملكي والبلاغ الصادر أنهما يحملان رسائل موجهة للداخل والخارج. فمن حيث الدلالات القانونية والسياسية، يتماشى البلاغ الملكي مع الخطاب الملكي لعيد المسيرة الخضراء والبلاغ الملكي لسنة 2025، وينسجم مع قرار مجلس الأمن الأخير رقم 2797 الذي عزز شرعية المقاربة المغربية المستندة إلى حل سياسي واقعي في إطار السيادة والوحدة الترابية. أقر القرار الأممي بدخول ملف الصحراء المغربية مرحلة الحسم على المستوى الأممي، محدداً المرجعية والمبادئ والكفيلة بإيجاد حل سياسي ونهائي للنزاع بتكريس مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

هذا التحول هو ثمرة رؤية ملكية متبصرة بعيدة المدى، قامت على مبدأ التدرج لحلحلة الملف. بفضل هذه الرؤية، عرف ملف الصحراء تحولاً عميقاً نقل القضية من مجرد نزاع سياسي إلى مشروع دولة استراتيجي متكامل. لم تعد المقاربة المغربية ترتكز فقط على الشرعية التاريخية، بل على رؤية شاملة تربط بين الهوية الوطنية والسيادة القانونية ومشروعية الإنجاز على الأرض من خلال الاستثمار التنموي للأقاليم الجنوبية، مكتسبة بذلك ريادة إقليمية راسخة.

في سياق تفعيل مقتضيات القرار الأممي وما تلته من مفاوضات مباشرة تحت الرعاية الأممية، قام المغرب بتحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي وقدمها للأمم المتحدة لتشكل الأساس الوحيد للتفاوض. يمثل القرار الأممي والخطاب الملكي الأخيرين نقطة التقاء التاريخ والسياسة والتنمية، مؤكدين أن استدامة الاستقرار في المغرب والمنطقة تعتمد على الاعتراف بالحقائق التاريخية، وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وحماية السيادة الوطنية، وبناء مستقبل مستقر وواعد لكل المواطنين المغاربة، وتعزيز مكانة المغرب الاقتصادية والتنموية على الصعيدين الدولي والإقليمي.

في ظل الجمود الأممي والتماطل الذي تبديه الأطراف المناوئة لقضية الوحدة الترابية، يقلب المغرب الطاولة على أصحاب الأطروحات الانفصالية، معلناً عن عهد جديد في مسار تدبير هذا الملف. تحقق هذا بفضل سياسة ورؤية ملكية حكيمة واستباقية، اعتمدت استراتيجية مركبة جمعت بين التشبث بالسند التاريخي والقانوني، وتوظيف الآليات التفاوضية الأممية، وتكثيف الحضور الدبلوماسي، وانتهاج سياسة الصبر الاستراتيجي، وربط ذلك بمسار تنموي ومؤسساتي متواصل بالأقاليم الجنوبية، مما أفضى إلى إضعاف طروحات الأطراف الأخرى المناوئة للوحدة الترابية للمملكة.

أدت هذه المكتسبات إلى إعادة توجيه النقاش الدولي نحو حلول وبدائل أكثر قابلية للتطبيق، وهو ما ينطبق على المبادرة المغربية للحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية. انتقل النقاش، بعد صدور تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول الصحراء لهذا العام، إلى مضمون وجوهر مبادرة الحكم الذاتي المقدمة من قبل المغرب، والتي يجري على أساسها مسلسل التفاوض.

في ظل الجمود الذي عرفه تدبير ملف الصحراء في أروقة الأمم المتحدة ودخول الملف دائرة التنافس الدولي، لم يعد الرهان معقوداً على قنوات التدبير الأممي للملف، بل الانتقال به إلى مجاله الترابي وإطاره القانوني الذي ظل حاضناً له، والمتمثل في السيادة الوطنية والشعبية التي تملك الحقائق التاريخية والأدلة القانونية والمفاتيح التنموية لإنهاء هذا النزاع إلى الأبد ببسط السيادة الوطنية على كامل التراب الوطني.

إن الأهمية القانونية والسياسية لهذا التحول لا ينبغي أن تُفهم على نحو يفيد الحسم النهائي والفوري للنزاع، بل لا بد من الأخذ بعين الاعتبار تغير وتبدل موازين القوى لصالح المملكة في محيطها الدولي والإقليمي، وقراءة تعقيدات المشهد الدولي بواقعية سياسية. لقد نجح المغرب، بفضل الرؤية الملكية المتبصرة، في جعل عدالة قضية الصحراء منطقاً دولياً مشتركاً تتبناه العواصم والهيئات والمنظمات على السواء. تقدم بلادنا اليوم مثالاً على أن الوحدة الترابية ليست مجرد حدود جغرافية، بل مشروع مجتمعي وسياسي يرتكز على الاستمرارية التاريخية للدولة المغربية وعلى علاقة الشعب بالسلطة السيادية.

مغربية الصحراء اليوم لم تعد مجرد موضوع نقاش، بل قاعدة انطلاق لأي تفكير مستقبلي في الحلول السياسية والتنموية. تبرهن هذه الدينامية الدولية على أن الرؤية الملكية الحكيمة والصائبة لم تكن فقط إطاراً وطنياً لإدارة النزاع، بل مرجعاً عالمياً لإنتاج التوافق والاستقرار في فضاء إفريقي وأطلسي يتطلع إلى التنمية والأمن والاستقرار الإقليمي المشترك.

على الجبهة الداخلية، لم يعد الرهان يتمثل في تقليص السيادة لكي يتسع الحكم الذاتي، ولا في تقليص الحكم الذاتي لكي تصان السيادة، بل في بناء علاقة قانونية دقيقة تجعل الاختصاصات الجهوية واسعة ومحمية في نطاقها، وتجعل الاختصاصات السيادية واضحة ومحصورة في نطاقها. يصبح تعميق الحكم الذاتي ممارسة ترابية واسعة للسلطة داخل سيادة واحدة، لا تقاس متانتها بما تعد به لحظة التفاوض فحسب، بل بقدرتها على العمل والاستمرار عندما تتباين المصالح وتتغير الحكومات وتتعرض المؤسسات للاختبار.

يطرح هذا الوضع تساؤلات حول المسارات التي سيتخذها النزاع، وحول رهانات الأطراف المتنازعة وأفق التسوية النهائية لقضية الصحراء المغربية، وحول مستقبل التعاطي الدولي مع قضية الصحراء المغربية، ومدى قدرة القوى الكبرى على تجاوز خلافاتها بشأن آليات التسوية. عدم تمديد ولاية المينورسو لا يعني عودة الملف إلى نقطة الصفر، بل طي صفحة امتدت 35 عاماً، خاصة أن البعثة أنشئت في سياق تاريخي ارتبط بمعطيات لم تعد قائمة اليوم، ويطرح سؤال الملاءمة لقواعد صيغت وطبقت منذ عام 1991 ولم تعد تساير معطيات الواقع الحالي. وبالتالي، فإن الاستمرار في مسار أممي متجاوز يدخل تدبير القضية في حلقة مفرغة ما لم تتضح أسس التفاوض ومساره والأطراف المعنية به والوضع الإنساني في مخيمات تندوف.

تتحمل الجزائر وصنيعتها الجبهة الانفصالية مسؤولية توقف المسار الأممي، بما في ذلك مصير المينورسو وتعثر الاجتماعات الدورية لمجلس الأمن، فقد ظلت تتعامل مع الاجتماعات كغاية في ذاتها لا كوسيلة للوصول إلى حل. لم يعد ملف الصحراء مجرد قضية مرتبطة بتمديد ولاية بعثة أممية، بل أصبح جزءاً من توازنات دولية وإقليمية تتداخل فيها الحسابات الاستراتيجية والمواقف السياسية والرهانات الدبلوماسية.

في ظل هذه التطورات، تبقى مبادرة الحكم الذاتي المقدمة عام 2007، وبصيغتها المحينة، المرجع المغربي وأساس أي حل سياسي، شريطة وضوح محاور التفاوض وإطاره وشروطه، بدل العمل في ظل غموض قواعد قديمة. يمكن للمغرب، في ظل التطورات الأخيرة التي شهدها ملف الصحراء، الاستمرار في تدبير هذه القضية وفق ما حدده بلاغ الديوان الملكي الصادر عقب هذه التطورات. اعتبر البلاغ أن عدم تمديد مهمة المينورسو يشكل تطوراً مهماً وخطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه طي ملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تستدعي إنهاء الوجود الميداني للبعثة في الأقاليم الجنوبية، ووضع حد للمسار السياسي الأممي بصيغته الحالية مع مواصلة الدينامية الدبلوماسية المغربية على المستويين الثنائي والإقليمي، مع تأكيد تمسك المغرب بوقف إطلاق النار مع الاحترام التام لسلامة ووحدة أراضيه وأمنه الوطني وطمأنينة مواطنيه.

يظل المسار الجديد في تدبير المغرب للقضية الوطنية الترابية محكوماً ببيئة إقليمية معقدة تتسم باستمرار التوتر في الفضاء المغاربي وبالتحولات المتسارعة في منطقة الساحل، مما يجعل من التسوية المحتملة رهاناً يتجاوز البعد القانوني الصرف إلى اعتبارات جيوسياسية وأمنية وتنموية أوسع. ومن ثم، فإن الأفق الاستراتيجي لإيجاد حل لهذا النزاع المفتعل، الذي هو من مخلفات الحقبة الاستعمارية والحرب الباردة، لا ينبغي أن يفهم باعتباره مجرد نهاية لنزاع إقليمي، بل باعتباره مدخلاً لإعادة بناء التوازن بين الشرعية الدولية والمرجعية الدستورية، وبين الوحدة الوطنية والتدبير الترابي الديمقراطي، وبين الاستقرار الداخلي وإمكانات الاندماج الإقليمي.

محمد الكيحل، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بمعهد الدراسات الإفريقية بالرباط، ورئيس مركز إشعاع الدراسات الاستراتيجية والأمنية وتحليل الأزمات.

شارك الخبر: