المغرب
ثقافة

الاحتراق الوظيفي وأزمة الرضا المهني: واقع الأستاذ المغربي بين التحديات والآمال

العمق المغربي2 نونبر 2026 في 15:320 مشاهدة
الاحتراق الوظيفي وأزمة الرضا المهني: واقع الأستاذ المغربي بين التحديات والآمال

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الاحتراق الوظيفي وأزمة الرضا المهني لدى الأستاذ المغربي" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 2 نونبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تقديم: حين تتحول مهنة التدريس من رسالة اجتماعية إلى تجربة يومية للاستنزاف، لم يعد الحديث عن الأوضاع المهنية والنفسية للأستاذ المغربي مقتصراً على المطالبة بتحسين الأجور أو مراجعة الأنظمة الأساسية أو تخفيف أعباء العمل. بل أصبح يستدعي مساءلة سوسيولوجية أعمق للتحولات التي مست مكانة المدرس داخل المجتمع، وللشروط المؤسساتية والثقافية التي أعادت تشكيل علاقته بمهنته وبالمتعلمين وبالمؤسسة التعليمية ذاتها. فثمة مؤشرات متزايدة على اتساع مشاعر عدم الرضا المهني، والإحباط، وفقدان الحماسة، والإحساس بانعدام التقدير. وهي مشاعر لا ينبغي التعامل معها باعتبارها حالات نفسية فردية معزولة، وإنما باعتبارها تعبيرات عن اختلالات بنيوية في تنظيم العمل التربوي وفي طبيعة العلاقة التي تربط الفاعل البيداغوجي بالمؤسسة والمجتمع.

إن الأستاذ الذي يلج حجرة الدرس اليوم لا يحمل معه فقط مقررات دراسية وبرامج تعليمية، بل يحمل أيضاً تراكمات من التوترات المهنية والاجتماعية، وانتظارات مؤسساتية متزايدة، ومسؤوليات تربوية تتجاوز أحياناً حدود اختصاصه، فضلاً عن ضغط اجتماعي يجعله مسؤولاً عن نتائج منظومة لا يتحكم في جميع شروط اشتغالها وهندستها التربوية. فهو مطالب بتحقيق الجودة في الممارسة العملية، والرفع من المردودية، وضمان النجاح، وتدبير الاختلافات الفردية للتلاميذ، ومواكبة التحولات الرقمية، ومعالجة الصعوبات السلوكية والنفسية والاجتماعية للمتعلمين، وفي الوقت نفسه الالتزام بسلسلة من الإجراءات الإدارية والتقويمية والتقريرية. هنا تتشكل المفارقة الأساسية: كلما اتسعت المسؤوليات المنسوبة إلى الأستاذ، لم تتوسع بالضرورة سلطته المهنية أو موارده المؤسساتية أو الاعتراف الاجتماعي بمجهوده. بل قد يجد نفسه أمام اتساع الفجوة بين ما يُطلب منه إنجازه وما تتوفر عليه المؤسسة من شروط فعلية لتحقيقه.

ومن هذا المنطلق، فإن الاحتراق الوظيفي لا يمثل مجرد نتيجة للإرهاق الناجم عن كثرة ساعات العمل، وإنما يمكن فهمه باعتباره مؤشراً على أزمة أعمق تمس العلاقة بين الذات المهنية وشروط إنتاجها الاجتماعي. إنه تعبير عن اختلال التوازن بين الاستثمار الوجداني والفكري الذي يقدمه الأستاذ لمهنته، وبين ما يحصل عليه من اعتراف وحماية واستقرار وإشباع مهني. والأطروحة المركزية التي يدافع عنها هذا المقال هي أن أزمة الرضا المهني لدى الأستاذ المغربي لا يمكن تفسيرها بعامل واحد، ولا اختزالها في ضعف التحفيز المادي أو تراجع الانضباط المدرسي؛ إنها نتاج تفاعل مركب بين هشاشة شروط العمل، وتراجع الاعتراف الاجتماعي، وتضخم الرقابة البيروقراطية، وتغير العلاقة بين المدرسة والمجتمع، وتآكل المعنى الذي يمنح التدريس قيمته بوصفه ممارسة معرفية وتربوية وإنسانية.

أولاً: الاحتراق الوظيفي من التفسير النفسي إلى التفسير السوسيولوجي

يقتضي تناول ظاهرة الاحتراق الوظيفي التمييز بين ثلاثة مستويات متداخلة تتجلى في التعب المهني الذي يرتبط بالمجهود اليومي، والضغط النفسي الذي ينتج عن مواجهة متطلبات تفوق أحياناً الموارد المتاحة، ثم الاحتراق الوظيفي الذي يتخذ طابعاً تراكمياً ويؤثر في علاقة الفرد بعمله وبذاته وبالآخرين. وقد قدمت كريستينا ماسلاش (Christina Maslach) وسوزان جاكسون (Susan Jackson) إسهاماً أساسياً في دراسة هذه الظاهرة، (Maslach & Jackson, 1981) من خلال تحديد ثلاثة أبعاد مركزية للاحتراق الوظيفي:

  • الإنهاك العاطفي: ويظهر في استنزاف الطاقة النفسية والوجدانية، والشعور بأن الأستاذ لم يعد يمتلك الموارد الانفعالية الكافية لمواجهة متطلبات التدريس اليومية.
  • التبلد أو التجريد من المشاعر: ويتمثل في نشوء مسافة وجدانية بين المدرس والمتعلمين، وقد يتخذ شكل اللامبالاة أو التعامل الآلي مع العلاقات التربوية.
  • تراجع الشعور بالإنجاز الشخصي: ويظهر حين يفقد الأستاذ إحساسه بجدوى عمله، ويصبح عاجزاً عن ربط مجهوده اليومي بنتائج تعليمية أو تربوية تمنحه الشعور بالرضا والفاعلية.

لكن الاقتصار على هذا التصنيف النفسي لا يكفي لفهم ما يجري داخل المدرسة المغربية. فالاحتراق الوظيفي، من منظور سوسيولوجيا العمل، لا ينشأ بالضرورة من ضعف قدرة الأستاذ على تحمل الضغوط، وإنما قد يكون نتيجة لتنظيم مهني ينتج الضغوط بصورة مستمرة، ويضع الفاعل أمام مطالب متعارضة دون أن يوفر له الوسائل الضرورية للاستجابة إليها. وهنا تكتسب مقاربة كريستينا ماسلاش ومايكل ليتر (Maslach & Leiter, 1997) أهمية خاصة؛ إذ يربطان الاحتراق الوظيفي باختلال التوافق بين الفرد وبيئة العمل في مجالات مثل عبء العمل، والتحكم في الممارسة المهنية، والمكافأة، والعلاقات الجماعية، والعدالة، والتوافق القيمي. وفق هذا المنظور، لا ينبغي أن نسأل فقط: لماذا أصبح الأستاذ سريع الانفعال أو قليل الحماسة؟ بل ينبغي أن نطرح سؤالاً أكثر جذرية: ما طبيعة البيئة المهنية التي تجعل الحفاظ على الحماسة والالتزام أمراً متزايد الكلفة النفسية والاجتماعية؟ إن نقل المسؤولية من بنية العمل إلى شخصية الأستاذ يمثل شكلاً من أشكال اختزال المشكلة؛ لأنه يحول أزمة مؤسساتية إلى عجز فردي، ويجعل المدرس مطالباً بتطوير قدرته على التكيف مع أوضاع قد يكون إصلاحها ممكناً من خلال تغيير التنظيم المهني نفسه.

ثانياً: أزمة الرضا المهني في المغرب: ما الذي تقوله المعطيات العلمية؟

من الضروري، قبل تعميم الحديث عن انتشار عدم الرضا والاحتراق الوظيفي، التمييز بين الانطباعات المتداولة داخل الأوساط التعليمية وبين النتائج التي تسمح بها الدراسات الميدانية. فليس كل أستاذ متذمر يعاني احتراقاً وظيفياً، وليس كل من يصرح برضاه عن مهنته راضياً عن أجره أو ظروف اشتغاله أو مكانته الاجتماعية. وتقدم بعض الدراسات المغربية معطيات مهمة في هذا الاتجاه. ففي دراسة منشورة سنة 2021 بعنوان Burnout, self-efficacy and job satisfaction among primary school teachers in Morocco، شملت 404 مدرسين ومدرسات من التعليم الابتدائي بإقليم قلعة السراغنة، اختبر الباحثون العلاقة بين الاحتراق الوظيفي والكفاءة الذاتية والرضا المهني. وأظهرت النتائج وجود علاقة سلبية بين الاحتراق الوظيفي وكل من الكفاءة الذاتية والرضا المهني، كما دعمت الدراسة التمييز بين الإنهاك العاطفي والتجريد من المشاعر باعتبارهما بعدين أساسيين للاحتراق. وتكتسب دراسة أخرى منشورة سنة 2025 أهمية خاصة، لأنها تناولت الرفاه المهني والمخاطر النفسية والاجتماعية والاحتراق الوظيفي لدى أساتذة التعليم الثانوي العمومي بمدينة تطوان. وقد اعتمدت على عينة من 258 مدرساً، واستعملت مقاييس متخصصة لقياس الضغط المدرك والمخاطر النفسية والاجتماعية والاحتراق الوظيفي. وتسمح هذه الدراسة بنقل النقاش من الانطباعات العامة إلى دراسة العلاقة بين تنظيم العمل ومصادر الضغط والصحة النفسية للمدرسين. كما تناولت دراسة منشورة سنة 2024 أثر الهشاشة المهنية على الصحة النفسية للأساتذة المتعاقدين بالمغرب، اعتماداً على 245 مدرساً من الجهات الاثنتي عشرة. وسجلت الدراسة أن 31% من المشاركين أفادوا بالشعور بالإرهاق، فيما أفاد 26% بوجود ضيق نفسي. وتبرز أهمية هذه النتائج في الكشف عن الصلة الممكنة بين عدم الاستقرار المهني والتعب النفسي، مع ضرورة الانتباه إلى أن هذه النسب تخص عينة الدراسة ولا تمثل بالضرورة جميع المدرسين المغاربة. وتسمح هذه الدراسات بصياغة استنتاج أساسي: إن الاحتراق الوظيفي ليس مجرد موضوع مستورد من أدبيات علم النفس التنظيمي، بل أصبح موضوعاً له حضور في البحث العلمي المغربي، مع اختلاف مستويات تأثيره تبعاً لطبيعة الأسلاك التعليمية، والوضعيات المهنية، وبيئات الاشتغال.

مفارقة الرضا المهني: لماذا لا تكفي نسبة الرضا العامة؟

تستحق نتائج دراسة TALIS 2024 التي نشرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) وقفة تحليلية خاصة. فقد أظهرت أن 92% من مدرسي التعليم الثانوي الإعدادي بالمغرب يصرحون برضاهم العام عن وظائفهم، وهي نسبة أعلى من متوسط المنظمة البالغ 89%. لكن هذه النتيجة تتعايش مع معطيات أخرى تكشف عن اختلالات مهمة: لا تتجاوز نسبة المدرسين الراضين عن أجورهم 23.7%، بينما تبلغ نسبة الراضين عن شروط عملهم وتوظيفهم، باستثناء الأجر، 50.2%. كما أشار 70% إلى أن كثرة تصحيح الأعمال تشكل مصدراً للضغط، و68% إلى كثرة الحصص، و67% إلى صعوبة المحافظة على الانضباط داخل الفصل. هذه المفارقة مهمة؛ لأنها تمنعنا من السقوط في حكم انطباعي يعتبر جميع الأساتذة غير راضين عن مهنتهم، كما تمنعنا في المقابل من استخدام نسبة الرضا العام لنفي وجود أزمة مهنية. فالرضا عن اختيار التدريس باعتباره مهنة ذات قيمة اجتماعية أو رسالة تربوية ليس هو نفسه الرضا عن الأجر، أو ظروف العمل، أو التدبير الإداري، أو فرص التطور المهني. وقد يحب الأستاذ مهنته ويظل في الوقت نفسه مستاءً من شروط ممارستها. إننا أمام ما يمكن تسميته بالرضا القيمي المتزامن مع عدم الرضا المؤسساتي؛ أي استمرار الارتباط الوجداني برسالة التعليم، مقابل تزايد الاعتراض على الكيفية التي تنظم بها المؤسسة ممارسة هذه الرسالة. وهذا التمييز ضروري لفهم طبيعة الاحتجاجات المهنية؛ فقد لا يكون الاحتجاج رفضاً للمهنة أو تخلياً عن قيمتها، بل دفاعاً عن شروط ممارستها وعن الاعتراف بالجهد الذي تتطلبه.

ثالثاً: البيروقراطية التربوية وتراجع الاستقلالية المهنية

من أبرز التحولات التي تستحق التحليل في واقع المدرسة المغربية اتساع المسافة بين العمل التربوي باعتباره ممارسة معرفية وإنسانية، والعمل الإداري باعتباره منظومة من الإجراءات والالتزامات التنظيمية. فقد أصبح الأستاذ مطالباً، إلى جانب أداء مهامه التعليمية، بإنتاج وثائق وتقارير ومعطيات رقمية، وتعبئة شبكات للتتبع والتقويم، والاستجابة لمتطلبات إدارية متجددة، قد تستهلك جزءاً مهماً من وقته وطاقته الذهنية. لا تكمن المشكلة في وجود التوثيق الإداري أو آليات التقييم في حد ذاتها، فالمؤسسة التعليمية تحتاج إلى التنظيم والمساءلة والتقويم. وإنما تكمن في تحول الوسائل التنظيمية إلى غايات مستقلة، بحيث يصبح إنجاز الوثيقة أحياناً أكثر حضوراً في الممارسة اليومية من الاشتغال على المشكلات التعليمية الفعلية. وهنا يمكن استحضار تحليل ماكس فيبر (Max Weber) للعقلنة البيروقراطية، حيث تقوم الإدارة الحديثة على القواعد المكتوبة، والتخصص الوظيفي، والتسلسل الهرمي، وضبط الأداء. وقد أسهمت هذه العقلنة في بناء المؤسسات الحديثة، لكنها تحمل في الوقت نفسه خطراً يتمثل في تغليب الامتثال الإجرائي على الغايات الإنسانية والاجتماعية للعمل. وعندما تنتقل هذه العقلانية إلى المجال التربوي دون مراعاة خصوصية الممارسة التعليمية، فإن الأستاذ قد يتحول تدريجياً إلى منفذ لمجموعة من التعليمات والمؤشرات، بدل أن يكون شريكاً في إنتاج القرار التربوي وتطويره. إن أخطر ما في هذا التحول هو أن المدرس قد يصبح مسؤولاً عن نتائج لا يمتلك سلطة كافية للتحكم في شروط إنتاجها. فهو مطالب بتحقيق أهداف محددة، لكن هامش مشاركته في صياغة السياسات التي تحدد تلك الأهداف يظل محدوداً في كثير من الأحيان. وتؤكد نتائج TALIS 2018 هذه الإشكالية على المستوى الدولي؛ إذ لم تتجاوز نسبة المدرسين الذين اعتقدوا أن بإمكانهم التأثير في السياسة التعليمية ببلدانهم 24%، بينما رأى 14% فقط أن صناع القرار يقدرون آراءهم. كما أظهرت الدراسة ارتباط الاستقلالية المهنية بمستويات أعلى من الرضا والكفاءة الذاتية والابتكار المهني. وتتيح هذه النتائج طرح سؤال أساسي في السياق المغربي: كيف يمكن مطالبة الأستاذ بالابتكار والمبادرة وتحمل المسؤولية، في الوقت الذي لا يُمنح فيه دائماً الموقع التشاركي الذي يسمح له بالتأثير في القرارات المتعلقة بعمله؟ إن غياب المشاركة لا ينتج فقط شعوراً بالإقصاء، بل قد يؤدي إلى ما يمكن تسميته باغتراب القرار المهني؛ أي أن يجد الأستاذ نفسه منفذاً لقرارات تصاغ بعيداً عن تجربته اليومية، ثم يحاسب على مدى التزامه بها وعلى نتائج تطبيقها. وهذا النوع من الاغتراب يختلف عن مجرد عدم الرضا عن الإدارة؛ لأنه يمس إحساس المدرس بملكية عمله وبقدرته على ممارسة الحكم المهني المستقل.

من الأستاذ صاحب المبادرة إلى الموظف الخاضع للمؤشرات

تطرح التحولات المرتبطة بالتدبير القائم على النتائج والمؤشرات الكمية إشكالاً آخر. فالمدرسة لا تنتج نتائج قابلة للقياس فقط، وإنما تنتج أيضاً علاقات وثقة واتجاهات وقيمًا وقدرات على التفكير والنقد والمشاركة الاجتماعية. وعندما تختزل جودة المدرسة في نسب النجاح ومعدلات التحصيل وعدد الأنشطة المنجزة، فإن جزءاً مهماً من وظيفتها الاجتماعية والتربوية يصبح خارج مجال الرصد. لا يعني ذلك رفض التقويم الكمي، بل رفض اعتباره تمثيلاً كاملاً للحقيقة التربوية. فالأرقام ضرورية لتشخيص الاختلالات، لكنها لا تستطيع وحدها تفسير السياقات الاجتماعية التي تنتج التعثر، أو قياس جودة العلاقة التربوية، أو رصد التحولات الوجدانية والمعرفية التي تحدث لدى المتعلم. إن الأستاذ الذي يواجه متعلماً يعاني صعوبات أسرية أو اقتصادية أو لغوية يحتاج إلى هامش من الاجتهاد المهني، وليس فقط إلى تطبيق مساطر موحدة. ولذلك فإن الإفراط في توحيد الممارسة قد يحول الكفاية المهنية من قدرة على اتخاذ القرار الملائم إلى مجرد قدرة على الامتثال للتعليمات.

رابعاً: تآكل الاعتراف الاجتماعي: حين تتسع المسؤولية وتتراجع المكانة

لا يمكن فهم عدم الرضا المهني لدى المدرسين دون التوقف عند مسألة الاعتراف الاجتماعي. فالمهنة ليست مجرد وسيلة للحصول على الدخل، وإنما هي أيضاً مصدر للهوية الاجتماعية والإحساس بالقيمة والمكانة. ويفيدنا هنا استحضار أطروحة بيير بورديو (Pierre Bourdieu) حول الرأسمال الرمزي؛ فالمكانة الاجتماعية لا تتحدد فقط بالموارد الاقتصادية التي يمتلكها الفرد، وإنما تتأثر أيضاً بالاعتراف الاجتماعي الذي يحظى به وبمدى مشروعية موقعه داخل الحقل الاجتماعي. لقد ارتبطت صورة الأستاذ في المخيال الاجتماعي المغربي، تاريخياً، بوظيفة تتجاوز نقل المعرفة؛ فقد كان المدرس يمثل وسيطاً بين الأسرة والعالم الحديث، وحاملاً لرأسمال ثقافي يمنحه موقعاً اعتبارياً داخل محيطه الاجتماعي. لكن التحولات التي مست بنية المجتمع، وانتشار مصادر المعرفة الرقمية، وتغير أنماط الاستهلاك الثقافي، وتراجع احتكار المدرسة للمعرفة، كلها عوامل أعادت تشكيل العلاقة بين المدرس والمتعلم والأسرة. لم يعد الأستاذ المصدر الوحيد للمعلومات، وهو تحول طبيعي لا ينبغي التعامل معه باعتباره تهديداً في حد ذاته. فالمشكلة لا تكمن في تعدد مصادر المعرفة، وإنما في عدم إعادة بناء شرعية المدرس على أساس وظيفته الجديدة: التوجيه النقدي، وتنظيم التعلم، ومساعدة المتعلم على التمييز بين المعرفة والمعلومة، وبين الدليل والادعاء، وبين التفكير المستقل والتلقي السلبي. وتظهر الأزمة حين تتراجع السلطة التقليدية للمدرس دون أن تتشكل، في المقابل، سلطة معرفية وتربوية جديدة تحظى بالاعتراف المؤسسي والاجتماعي. وهنا ينبغي التمييز بين السلطة التربوية والعنف السلطوي؛ فالمدرسة تحتاج إلى سلطة مهنية مشروعة تمكن الأستاذ من تنظيم التعلم وحماية فضاء الفصل، لكنها لا تحتاج إلى إعادة إنتاج علاقات التسلط التقليدية. إن الاعتراف بالأستاذ لا يعني منحه امتيازاً اجتماعياً فوق بقية الفاعلين، بل الاعتراف بطبيعة العمل المعرفي والوجداني الذي يؤديه، وبالمسؤولية التي يتحملها في بناء الأجيال. وتكشف نتائج TALIS 2018 مفارقة دولية دالة؛ فعلى الرغم من أن 90% من المدرسين المشاركين في الدراسة كانوا راضين عن وظائفهم، لم تتجاوز نسبة الذين اعتقدوا أن المجتمع يقدر عملهم 26%. وهذه النتيجة تبين أن الرضا عن العمل لا يتطابق بالضرورة مع الشعور بالاعتراف الاجتماعي. ويمكن إسقاط هذه المفارقة على النقاش المغربي بحذر: فقد يستمر الأستاذ في أداء رسالته عن اقتناع بقيمة التعليم، لكنه يشعر في الوقت نفسه بأن مكانته الاجتماعية لا تعكس حجم المسؤوليات المنوطة به. تتشكل إحدى صور الأزمة: أن يظل المدرس مقتنعاً بأهمية ما يقوم به، بينما يشعر بأن المجتمع والمؤسسة لا يمنحانه الاعتراف الذي يتناسب مع قيمة عمله.

خامساً: المدرسة في مواجهة التحولات الأسرية والرقمية: تضخم الأدوار وتعدد مصادر الضغط

تتجاوز أسباب الاحتراق الوظيفي حدود المؤسسة التعليمية، لأنها ترتبط أيضاً بالتحولات التي تعرفها الأسرة والمجتمع وأنماط التنشئة الاجتماعية. لقد عرفت الأسرة المغربية خلال العقود الأخيرة تحولات في بنيتها وأدوارها ووظائفها، بفعل التمدن والهجرة والتحولات الاقتصادية وتزايد مشاركة النساء في سوق الشغل وتغير أنماط العيش والاستهلاك. ولا يعني ذلك أن الأسرة فقدت وظيفتها التربوية، وإنما يعني أن شروط ممارستها لهذه الوظيفة أصبحت أكثر تعقيداً وتفاوتاً. فبعض الأسر تواجه صعوبات مرتبطة بالهشاشة الاقتصادية، أو ضيق الوقت، أو ضعف الموارد الثقافية والتربوية، فيما تواجه أسر أخرى تحديات ناتجة عن اتساع الفجوة الرقمية بين الأجيال أو صعوبة مراقبة الاستعمال اليومي للوسائط الإلكترونية. وفي هذا السياق، تجد المدرسة نفسها أمام انتظارات متزايدة؛ إذ لا يقتصر المطلوب منها على تعليم القراءة والكتابة والرياضيات واللغات، بل يمتد إلى التربية على المواطنة، والتربية الرقمية، والتربية على الاختلاف، ومواجهة العنف، ومعالجة بعض مظاهر الانحراف، والوقاية من المخاطر التي يتعرض لها الأطفال والمراهقون. وهكذا يتوسع الدور المنوط بالأستاذ دون أن يقابله بالضرورة توسيع موازٍ للموارد البشرية والنفسية والمؤسساتية. إن تحميل المدرس وحده مسؤولية معالجة كل الاختلالات التي تظهر داخل المدرسة يمثل شكلاً من أشكال نقل المسؤولية الاجتماعية من المؤسسات المعنية إلى الفاعل الموجود في واجهة العملية التعليمية. إذا توقفنا عند سوسيولوجيا التنشئة الاجتماعية، لا يمكن فصل سلوك المتعلم داخل الفصل عن الشروط الأسرية والاقتصادية والثقافية التي تشكل خبرته الاجتماعية. فالمدرس لا يتعامل مع متعلم مجرد من تاريخه الاجتماعي، وإنما مع ذوات تحمل معها أنماطاً من التنشئة والتوقعات والتمثلات وأنواعاً مختلفة من الرأسمال الثقافي. ويمكن التوقف عند مقاربة برنارد لاهير (Bernard Lahire, 1995) حول تعدد التنشئات الاجتماعية وتباين الاستعدادات الفردية، ومن أعمال بورديو (Bourdieu & Passeron, 1970) حول العلاقة بين المدرسة وإعادة الإنتاج الاجتماعي. لابد من التحذير أنه ينبغي تفادي تفسير كل صعوبة تربوية باعتبارها نتيجة حتمية للأصل الاجتماعي للمتعلم؛ فهذه المقاربات تساعدنا على فهم تفاوت شروط التعلم، ولا تبرر اختزال المتعلمين في انتماءاتهم الطبقية أو الأسرية. أما التحول الرقمي، فقد أوجد سياقاً جديداً للعلاقة بالمعرفة. فالمتعلم يستطيع الوصول إلى كم هائل من المعلومات، لكنه لا يمتلك بالضرورة الأدوات المعرفية التي تمكنه من التحقق منها أو تنظيمها أو نقدها. وبذلك لم تعد وظيفة الأستاذ تتمثل في نقل المعرفة فقط، بل أصبحت تشمل بناء القدرة على التفكير النقدي والتحقق من المصادر وفهم العلاقات بين المعلومات. غير أن هذا التحول يفرض جهداً إضافياً على المدرس، خصوصاً عندما لا تتوفر له تكوينات مستمرة أو تجهيزات مناسبة أو وقت كافٍ لتجديد ممارساته. إن المطلوب ليس مطالبة الأستاذ بمنافسة المنصات الرقمية أو وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما تمكينه من استثمارها تربوياً دون التضحية بوظيفته الأساسية.

سادساً: الهشاشة المادية والإنصاف المهني: لا معنى لخطاب الرسالة دون عدالة في شروط العمل

يُلاحظ أنه من بين الأخطاء التي تتكرر في الخطاب التربوي التعامل مع التدريس بوصفه رسالة نبيلة، ثم استخدام نبالة هذه الرسالة لتبرير ضعف شروط ممارستها. فالأستاذ، شأنه شأن بقية العاملين، يحتاج إلى أجر عادل، واستقرار مهني، وحماية اجتماعية، وإمكانيات للتطور والترقي، وظروف عمل تحفظ كرامته. ولا يجوز تحويل الالتزام الأخلاقي بالمهنة إلى مبرر لتحميله أعباء إضافية غير محسوبة أو مطالبته بالتضحية الدائمة. وتكتسب نظرية العدالة التنظيمية أهمية في هذا السياق؛ لأنها تميز بين عدالة توزيع الموارد والمكافآت، وعدالة الإجراءات المتبعة في اتخاذ القرارات، وعدالة المعاملة داخل المؤسسة. يشعر الأستاذ بالظلم حتى عندما لا يكون أجره منخفضاً بالضرورة، إذا رأى أن القرارات المهنية لا تستند إلى معايير واضحة، أو أن فرص الترقي والتكوين غير متكافئة، أو أن جهده لا يحظى بالتقدير، أو أن علاقته بالإدارة تقوم على الرقابة أكثر مما تقوم على الثقة والتعاون. وهذا يفسر لماذا لا يمكن معالجة عدم الرضا المهني بمجرد الزيادة في الأجر، على أهميتها وضرورتها. فالعدالة المادية شرط أساسي، لكنها ليست الشرط الوحيد. وتؤكد معطيات OECD في TALIS 2024 أن الرضا عن الأجر لدى المدرسين المغاربة لا يتجاوز 23.7%، وأن الرضا عن شروط العمل والتوظيف، باستثناء الأجر، يبلغ 50.2%. وهي معطيات تستحق أن تكون في صلب أي نقاش حول جاذبية المهنة واستدامة الالتزام بها. Teachers and teaching conditions (TALIS 2024) ومن جهة أخرى، تكتسب مسألة الاستقرار المهني أهمية خاصة في ضوء الدراسة التي أنجزها Bouizzal وزملاؤه (2024) حول الأساتذة المتعاقدين. فقد ربطت الدراسة بين الهشاشة المهنية وبين التعب والضيق النفسي، وهو ما يبرز أن عدم اليقين بشأن المستقبل المهني ليس مسألة إدارية محضة، بل عامل له انعكاسات على التوازن النفسي والاجتماعي. إن الاستقرار لا يمثل مجرد امتياز وظيفي، بل أحد شروط بناء علاقة طويلة الأمد بين الأستاذ والمؤسسة، تسمح له بالتخطيط لحياته المهنية والشخصية، والاستثمار في التكوين، وتطوير الممارسة التربوية.

سابعاً: من الإنهاك إلى الاغتراب المهني

يبدو لي أن أكثر مظاهر الأزمة عمقاً لا يتمثل في التعب الجسدي أو كثرة المهام وحدهما، وإنما في تراجع الإحساس بجدوى العمل. فالأستاذ قد يتحمل كثافة الحصص، ويقبل بصعوبة بعض الظروف المادية، ويواجه تحديات التدريس، إذا كان يشعر بأن مجهوده يحدث فرقاً في حياة المتعلمين، وأن المؤسسة تقدر مبادرته، وأن مساره المهني يتيح له التطور. لكن استمرار الجهد دون نتائج ملموسة، أو دون اعتراف، أو في ظل اختلالات يصعب التحكم فيها، قد يقوده إلى حالة من الانفصال الوجداني عن مهنته. ويمكن فهم هذه الحالة في ضوء مفهوم الاغتراب عند كارل ماركس، الذي حلل كيف يمكن لتنظيم العمل أن يجعل العامل منفصلاً عن نتاج نشاطه وعن شروط إنتاجه وعن قدرته على التحكم في عمله. ولا يعني ذلك أن العمل التربوي مطابق للعمل الصناعي الذي حلله ماركس، لكن المفهوم يسمح لنا بطرح سؤال مهم: هل لا يزال الأستاذ يشعر بأن ما ينتجه داخل الفصل يعبر عن اختياراته المهنية وقناعاته المعرفية، أم أصبح يشعر بأنه ينفذ أنشطة ومهاما متفرقة لا يتحكم في غاياتها؟ إن الاغتراب المهني يتجلى في حالات متعددة: عندما يتحول التدريس إلى تكرار آلي للمضامين دون مساحة كافية للاجتهاد والتجديد. عندما تصبح العلاقة بالإدارة قائمة أساساً على المحاسبة والتتبع بدل الدعم والمواكبة. عندما يشعر الأستاذ بأن جهده لا ينعكس على الاعتراف المهني أو فرص التطور. عندما تتحول العلاقات مع بعض الأسر إلى علاقات نزاع ومساءلة متبادلة. عندما يصبح النجاح في العمل مرتبطاً بتجنب المشكلات الإدارية أكثر من ارتباطه بتحقيق أهداف تربوية عميقة. وفي هذا الإطار، تقدم أعمال أرلي راسل هوكشيلد (Arlie Russell Hochschild, 1983) حول العمل العاطفي مدخلاً تفسيرياً بالغ الأهمية. فالتدريس لا يتطلب جهداً معرفياً وتنظيمياً فقط، بل يفرض على الأستاذ إدارة انفعالاته باستمرار؛ إذ يتعين عليه الحفاظ على هدوئه، وإظهار التعاطف، واحتواء التوتر، وضبط ردود أفعاله، حتى في الحالات التي يكون فيها هو نفسه عرضة للضغط أو الاستفزاز. إن هذا العمل العاطفي غير المرئي لا يحظى دائماً بالتقدير نفسه الذي تحظى به المهام القابلة للقياس والتوثيق، رغم أنه يشكل عنصراً أساسياً في بناء العلاقة التربوية. وبالتالي، فإن الإنهاك الذي يعيشه المدرس لا يرتبط فقط بما يفعله، وإنما أيضاً بما يضطر إلى كبحه وإدارته والتعامل معه وجدانياً طوال اليوم الدراسي. وتتضح أهمية هذا التحليل حين نربط بين الإنهاك العاطفي والتجريد من المشاعر؛ فقد يصبح الابتعاد الوجداني عن المتعلمين، في بعض الحالات، آلية دفاعية يلجأ إليها الأستاذ لتقليل استنزافه النفسي، وليس بالضرورة تعبيراً عن رفضه لهم أو عن غياب التزامه الأخلاقي تجاههم.

ثامناً: المقاربة التنظيمية للاحتراق الوظيفي: حين تتجاوز المطالب المهنية الموارد المتاحة

توفر نظرية متطلبات العمل وموارده (Job Demands-Resources Model)، التي طورها باكر وديميروتي (Bakker & Demerouti, 2007)، إطاراً تفسيرياً مناسباً لفهم التفاعل بين ظروف العمل والاحتراق الوظيفي. تنطلق هذه النظرية من التمييز بين:

  • متطلبات العمل: مثل كثافة الحصص، والاكتظاظ، وصعوبة تدبير الفصل، وكثرة التصحيح، والضغط الزمني، والتوترات المهنية.
  • موارد العمل: مثل الاستقلالية المهنية، والدعم الإداري، والتعاون بين الزملاء، والتكوين المستمر، والوسائل التعليمية، والاستقرار المهني، والاعتراف بالمجهود.

وحسب هذه المقاربة، لا تتحدد الآثار النفسية للعمل بكمية المطالب وحدها، بل تتأثر أيضاً بمدى توفر الموارد التي تساعد العامل على مواجهتها. وقد اختبر Hakanen وBakker وSchaufeli (2006) هذا النموذج لدى عينة من 2038 مدرساً في فنلندا، وخلصوا إلى وجود مسارين متوازيين: مسار استنزافي تنتج فيه متطلبات العمل الاحتراق وتدهور الصحة، ومسار تحفيزي تسهم فيه الموارد المهنية في تعزيز الاندماج والالتزام التنظيمي.

توظيف هذه المقاربة في تحليل المدرسة المغربية

من خلال ملاحظة أن بعض مظاهر عدم الرضا لا تنتج عن وجود الصعوبات المهنية وحدها، بل عن اجتماع عدة مطالب في وقت واحد مع ضعف الموارد المقابلة لها. يلاحظ أن الاكتظاظ، مثلاً، ليس مجرد ارتفاع في عدد المتعلمين داخل الفصل، بل يعني زيادة صعوبة التفاعل الفردي، وتعدد مستويات التحصيل، وارتفاع الحاجة إلى الضبط والتوجيه والتقويم. وكثرة التصحيح ليست مجرد مهمة إضافية، بل قد تتحول إلى ضغط مستمر عندما تتراكم مع إعداد الدروس والالتزامات الإدارية والتكوينات والأنشطة. أما ضعف الدعم الإداري، فيجعل الأستاذ يواجه المشكلات بصورة فردية، بينما يفترض أن تكون المؤسسة فضاءً لتقاسم المسؤولية المهنية. ومن هنا يمكن القول إن الاحتراق الوظيفي لا يتولد فقط من كثرة العمل، بل من اختلال العلاقة بين كثافة المطالب المهنية وضعف الموارد التنظيمية والإنسانية المتاحة لمواجهتها. وتؤكد معطيات TALIS 2024 بالمغرب أهمية النظر إلى طبيعة المطالب لا إلى عدد ساعات العمل وحده؛ فالمصادر الأكثر شيوعاً للضغط لدى مدرسي التعليم الثانوي الإعدادي تمثلت في كثرة التصحيح (70%)، وكثرة الحصص (68%)، والحفاظ على الانضباط (67%). كما سجلت الدراسة أن 13% من المدرسين يعانون ضغطاً مهنياً شديداً، وأن 8% يرون أن العمل يؤثر سلباً وبدرجة كبيرة على صحتهم النفسية، بينما تبلغ النسبة 17% بالنسبة إلى الصحة الجسدية. تكمن أهمية هذه الأرقام ليس في إثبات أن جميع المدرسين يعيشون الاحتراق الوظيفي، بل في إظهار تعدد مصادر الضغط التي ينبغي أن تكون موضوعاً للتدخل المؤسساتي.

تاسعاً: الاحتراق الوظيفي وأزمة المؤسسة التعليمية: من المسؤول عن استنزاف الأستاذ؟

من الضروري ألا يتحول تحليل الاحتراق الوظيفي إلى محاكمة للأستاذ أو للإدارة أو للأسرة أو للمتعلمين. فالأزمة مركبة، وتنتج عن تفاعل عوامل متعددة، غير أن هذا التعدد لا ينبغي أن يحجب مسؤولية السياسات العمومية في توفير شروط العمل اللائق. إن اختزال الأزمة في ضعف تكوين الأستاذ أو نقص كفاءته المهنية يحمل في طياته نوعاً من نقل المسؤولية من التنظيم المؤسساتي إلى الفرد. فالتكوين المستمر مهم، لكنه لا يعالج الاكتظاظ، ولا يعوض نقص التجهيزات، ولا يحل مشكلة ضعف الاستقرار المهني، ولا يعوض غياب الدعم النفسي والاجتماعي. وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول نقد السياسات التعليمية إلى إعفاء مطلق للممارسة المهنية من المساءلة. فالأستاذ فاعل أساسي في جودة التعليم، وله مسؤولية أخلاقية ومهنية تجاه المتعلمين، كما أن بعض الممارسات التدريسية تحتاج بالفعل إلى المراجعة والتطوير. يطرح السؤال كيف يمكن مطالبة الأستاذ بتجديد ممارسته المهنية، إذا كانت المؤسسة لا توفر له الوقت والموارد والاعتراف اللازم لذلك؟ وكيف يمكن في المقابل تبرير استمرار الممارسات المهنية التقليدية بدعوى صعوبة الظروف؟

عاشراً: نحو سياسة مؤسساتية لمواجهة الاحتراق الوظيفي واستعادة الرضا المهني

إن تجاوز الأزمة يقتضي الانتقال من التدخلات الظرفية التي تركز على معالجة آثار الاحتراق الوظيفي إلى سياسة وقائية تستهدف مصادره التنظيمية والاجتماعية. ويمكن اقتراح ستة مداخل مترابطة:

  1. إعادة الاعتبار للعدالة المادية والمهنية: لا يمكن بناء خطاب جاد حول جودة التعليم دون تحسين شروط العمل. ويتطلب ذلك: مراجعة الأجور بما يضمن الكرامة والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. معالجة الاختلالات المرتبطة بالمسارات المهنية والترقي والتعويضات. ضمان تكافؤ الفرص بين مختلف الفئات والأسلاك التعليمية. معالجة آثار الهشاشة المهنية وعدم الاستقرار في الوضعيات الوظيفية. توفير ظروف اشتغال تراعي الفوارق بين المؤسسات والمجالات الحضرية والقروية. إن العدالة المادية ليست مكافأة إضافية على أداء الرسالة التربوية، بل شرط من شروط ممارستها.
  2. تحرير الممارسة التربوية من التضخم البيروقراطي: ينبغي إعادة النظر في حجم الوثائق والتقارير والإجراءات التي يطلب من المدرسين إنجازها، مع اعتماد مبدأ التناسب بين أهمية المعطيات المطلوبة وقيمتها التربوية. كما ينبغي التمييز بين التقويم الذي يساعد الأستاذ على تحسين أدائه، والمراقبة التي تستهلك جهده دون أن تقدم له دعماً فعلياً. ومن الضروري أيضاً إشراك المدرسين في صياغة القرارات المتعلقة بالمناهج والبرامج والتقويم وتنظيم الحياة المدرسية، حتى لا تتحول الإصلاحات إلى تعليمات فوقية منفصلة عن الواقع اليومي للفصول الدراسية.
  3. إرساء منظومة للصحة النفسية والوقاية المهنية: لا ينبغي انتظار وصول الأستاذ إلى مرحلة الانهيار النفسي حتى تتدخل المؤسسة. المطلوب هو اعتماد سياسة وقائية تشمل: إحداث وحدات للدعم والاستماع النفسي داخل المنظومة التعليمية، مع ضمان السرية والاستقلال المهني. توفير خدمات متخصصة للإرشاد النفسي والمهني. اعتماد دراسات دورية لرصد مصادر الضغط والاحتراق الوظيفي. تكوين المديرين والمسؤولين التربويين في تدبير المخاطر النفسية والاجتماعية داخل بيئة العمل. توفير آليات للمواكبة المهنية عند التعرض للعنف أو النزاعات المتكررة أو الضغوط الحادة. وينبغي التأكيد أن هذه الخدمات لا تهدف إلى تدريب الأستاذ على تحمل ظروف غير ملائمة، بل إلى حمايته ومساعدته بالتوازي مع إصلاح تلك الظروف.
  4. إعادة بناء العلاقات داخل المؤسسة التعليمية: تحتاج المدرسة إلى الانتقال من منطق التدبير الفردي للمشكلات إلى منطق المسؤولية الجماعية. فالأستاذ لا ينبغي أن يواجه بمفرده الصعوبات السلوكية أو التربوية أو الاجتماعية للمتعلمين. ومن الضروري تطوير العمل الجماعي بين المدرسين والإدارة والأطر المختصة، وإعادة الاعتبار للحياة المدرسية باعتبارها فضاءً للتعاون والتضامن المهني. كما يتعين تطوير العلاقة مع الأسر، من خلال مجالس تواصل منتظمة، واتفاقات تربوية واضحة، وآليات للوساطة في النزاعات، بما يضمن حقوق المتعلم والأسرة والأستاذ على السواء.
  5. استعادة الاعتراف الرمزي والاجتماعي بالمهنة: لا يكفي الاحتفاء بالأستاذ في المناسبات الرسمية إذا كانت الممارسة اليومية لا تعكس هذا الاعتراف. إن إعادة الاعتبار للمهنة تقتضي: تقديم صورة واقعية ومتوازنة عن دور الأستاذ في وسائل الإعلام. تثمين المبادرات التربوية الناجحة والبحوث والممارسات المبتكرة. منح المدرسين فرصة المشاركة في النقاش العمومي حول السياسات التعليمية. دعم الجمعيات والمنتديات المهنية والعلمية التي تتيح تبادل التجارب. بناء علاقة مجتمعية تقوم على احترام المدرس دون منحه حصانة من المساءلة القانونية والمهنية. فالاعتراف ليس خطاباً احتفالياً، وإنما ممارسة مؤسساتية تتجسد في الثقة والاستماع والمشاركة والإنصاف.
  6. إعادة بناء المعنى التربوي للمهنة: إن أحد المداخل الأساسية لمواجهة الاحتراق الوظيفي هو إعادة الأستاذ إلى مركز العملية التعليمية بوصفه فاعلاً معرفياً وثقافياً، وليس مجرد منفذ للبرامج. ويتطلب ذلك منح المدرس مساحة حقيقية للاجتهاد البيداغوجي، وتشجيع البحث الإجرائي داخل الفصول، وتطوير التكوين المستمر وفق الحاجات الفعلية، وربط التكوين بمشكلات الممارسة اليومية. كما ينبغي ألا يتحول إدماج التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى مصدر إضافي للضغط، وإنما إلى فرصة لتخفيف الأعباء الروتينية وتطوير التعلم، مع المحافظة على الدور الإنساني والنقدي للأستاذ. إن استعادة المعنى لا تتحقق عبر استدعاء خطاب الرسالة والتضحية، بل عبر جعل الأستاذ قادراً على رؤية أثر عمله، والمشاركة في تطويره، والشعور بأن المؤسسة تحترم خبرته وتستثمر فيها.

الحادي عشر: نحو قراءة نقدية لخطاب الإصلاح التربوي

ثمة مفارقة تستحق التوقف عندها في السياسات التعليمية المعاصرة: تتحدث الإصلاحات باستمرار عن تحسين أداء المدرس، ورفع كفاءته، وتطوير ممارساته، والانتقال إلى التدريس الفعال، لكنها لا تمنح دائماً الاهتمام نفسه لتحليل الشروط الاجتماعية والمؤسساتية التي تؤطر عمله. وهنا يمكن استحضار فرانسوا دوبيه (François Dubet, 2002) وتحليله لتحولات المؤسسة المدرسية وتراجع بعض أشكال الشرعية التقليدية التي كانت تمنح الفاعلين التربويين موقعهم الاجتماعي. فالمؤسسة التعليمية لم تعد قادرة على الاعتماد على سلطتها التاريخية وحدها، لأن المجتمع تغير، وأنماط التنشئة تغيرت، وتوقعات الأسر والمتعلمين تغيرت، كما أن العلاقة بالمعرفة لم تعد خاضعة للمؤسسة المدرسية بصورة حصرية. لكن الاعتراف بهذه التحولات لا ينبغي أن يقود إلى مطالبة الأستاذ بالتكيف اللامحدود مع كل المتغيرات، وكأنه المسؤول الوحيد عن إعادة إنتاج التوازن داخل المدرسة. إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإضافة التزامات جديدة إلى المدرس، وإنما بمراجعة العلاقة بين المسؤوليات والموارد والسلطة المهنية. ومن هنا، فإن أي مشروع إصلاحي لا يضع الرفاه المهني للأستاذ ضمن مؤشرات نجاحه يظل مشروعاً ناقصاً؛ لأن جودة التعلم لا تنتجها المناهج والوسائل وحدها، بل تنتجها أيضاً شروط العمل والعلاقات الإنسانية والاستقرار النفسي والمهني للفاعلين. ومن الضروري، في هذا السياق، أن تتحول مسألة الرضا المهني إلى موضوع للبحث والتقويم الدوري، وأن يتم إنتاج معطيات وطنية منتظمة تسمح بمقارنة الأوضاع حسب الأسلاك والجهات والأقدمية والوضعيات المهنية، بدلاً من الاعتماد على الانطباعات العامة أو المؤشرات الإجمالية وحدها.

خاتمة: إنقاذ الأستاذ شرط لإنقاذ المدرسة العمومية

إن الاحتراق الوظيفي وعدم الرضا المهني لدى الأستاذ المغربي ليسا مجرد ظاهرتين نفسيتين يمكن التعامل معهما بواسطة بعض برامج التحفيز أو دورات تدبير الضغط النفسي. إنهما يعكسان، في جانب مهم منهما، أزمة في تنظيم العمل التربوي وفي العلاقة بين الأستاذ والمؤسسة والمجتمع. لقد أظهر التحليل أن هذه الأزمة تتشكل عند تقاطع عدة مستويات: هشاشة الشروط المادية، وتراجع الاعتراف الرمزي، وتضخم المتطلبات الإدارية، ومحدودية المشاركة في صناعة القرار، وتزايد الأعباء الوجدانية، والتحولات التي مست الأسرة ومصادر المعرفة وأنماط التنشئة الاجتماعية. ومع ذلك، ينبغي ألا نقع في تعميم يجعل كل الأساتذة ضحايا للاحتراق الوظيفي، أو يجعل كل مظاهر التذمر دليلاً على الانهيار المهني. فالمعطيات المغربية نفسها تكشف عن استمرار مستويات مرتفعة من الرضا العام عن المهنة، بالتوازي مع وجود اختلالات واضحة في الرضا عن الأجور وشروط العمل ومصادر الضغط. وهذه المفارقة هي بالضبط ما يستدعي تحليلاً أكثر دقة وابتعاداً عن الأحكام المسبقة. إن الأستاذ قد يكون محباً لمهنته، ومؤمناً برسالتها، ومخلصاً لعمله، لكنه في الوقت نفسه غير راضٍ عن الإدارة، أو عن ظروف العمل، أو عن غياب الإنصاف، أو عن محدودية التقدير الاجتماعي. ولذلك فإن الدفاع عن كرامة المدرس لا ينبغي أن يختزل في الدفاع عن مصالح فئوية، بل يجب أن يُفهم باعتباره دفاعاً عن أحد الشروط الأساسية لقيام المدرسة العمومية بوظيفتها الاجتماعية. ولعل الإشكال الأكثر عمقاً الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار التربوي هو الآتي: كيف يمكن لمنظومة تعليمية أن تطالب الأستاذ بإنتاج الثقة والأمل والاستقلالية الفكرية لدى المتعلمين، بينما لا توفر له هو نفسه شروط الثقة والاستقرار والاستقلالية والاعتراف؟ إن استعادة المدرسة العمومية المغربية لا تمر عبر تحميل الأستاذ مزيداً من المسؤوليات، ولا عبر استنزاف طاقته تحت شعار الالتزام المهني، وإنما عبر إعادة بناء العقد الاجتماعي الذي يربط المهنة بالمؤسسة والمجتمع. فلا إصلاح تربوياً دون عدالة مهنية، ولا جودة تعليمية دون استقلالية مسؤولة، ولا مدرسة مواطنة دون مدرس يتمتع بكرامته وحقوقه، ويشعر بأن جهده يحظى بالتقدير والإنصاف. إن الرهان ليس فقط أن نمنع الأستاذ من مغادرة مهنته، بل أن نمنع المهنة من فقدان معناها في نظر من يمارسونها.

المراجع العلمية والبيبليوغرافية

فيما يلي مراجع تأسيسية ودراسات ميدانية مغربية يمكن الاستناد إليها في تطوير المقال، مع إدراج الدراسات ذات الصلة المباشرة بالموضوع في مقدمتها.

أولاً: الدراسات الميدانية المغربية والتقارير الدولية

  1. Bouizzal, F., Guider, H., El Mourabit, M., El Madhi, Y., & Ouahidi, M. L. (2024). Job precarity impacts the mental health of contractual teachers in Morocco: Between fatigue and psychological distress. The Pan African Medical Journal, 48, 158.
  2. Burnout, self-efficacy and job satisfaction among primary school teachers in Morocco. (2021). Social Sciences & Humanities Open, 4(1), 100148.
  3. Mokhtari, A., & Hami, H. (2025). Teacher well-being: Perceived stress, psychosocial risks, and burnout in Morocco. European Psychiatry.
  4. OECD. (2024). TALIS 2024 Results: Country Note – Morocco. OECD Publishing. الاطلاع على التقرير الخاص بالمغرب.
  5. OECD. (2020). TALIS 2018 Results (Volume II): Teachers and School Leaders as Valued Professionals. OECD Publishing.

ثانياً: المراجع النظرية في الاحتراق الوظيفي وسوسيولوجيا العمل

    شارك الخبر: