أكاديمية المملكة المغربية: جسر بين الشرعية السياسية والإشعاع الحضاري الدولي


هذا الخبر بعنوان "أكاديمية المملكة بين الشرعية السياسية والاشعاع الدولي" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 2 نونبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: محمد شقير
تُعد أكاديمية المملكة المغربية صرحاً علمياً وفكرياً بارزاً في المغرب، تتجاوز كونها مجرد مركز للبحث الأكاديمي لتصبح ملتقى للنخبة المغربية والدولية من مفكرين وعلماء ودبلوماسيين وباحثين، مساهمةً بذلك في تعزيز الإشعاع الحضاري والثقافي للمملكة. تضم الأكاديمية، وفق هيكلتها القانونية الجديدة، 60 عضواً أساسياً ينقسمون إلى أعضاء مقيمين مغاربة (30 عضواً) وأعضاء مشاركين من جنسيات مختلفة (حوالي 30 عضواً)، بالإضافة إلى أعضاء شرفيين. تأسست الأكاديمية عام 1977 بموجب الظهير الشريف رقم 1.77.229 الصادر في 8 أكتوبر 1977، وعقدت دورتها الافتتاحية في فاس بتاريخ 21 أبريل 1980، لتضطلع بمهام واسعة تشمل البحث العلمي والفكري في مجالات التاريخ، الفلسفة، الآداب، الاقتصاد، والحضارة، مع استقبال شخصيات علمية دولية.
لم يقتصر بناء الدولة المغربية بعد الاستقلال على المؤسسات الإدارية والسياسية، بل امتد ليشمل بناء مؤسسات ثقافية وفكرية مرجعية. تُعتبر الأكاديمية الملكية جزءاً من هذا المسار، حيث تمثل مؤسسة وطنية عليا تجمع النخب العلمية والفكرية وتمنح المعرفة مكانة مؤسساتية ضمن مشروع الدولة. جاء تأسيسها في مرحلة اتسمت بتوترات سياسية ومؤسساتية، وإعادة تشكيل العلاقة بين المؤسسة الملكية والمعارضة الحزبية، لا سيما بعد أحداث 1971 و1972، وفي سياق الاستعدادات للانتخابات التشريعية لسنة 1977. يمكن قراءة إنشاء الأكاديمية كجزء من توسيع أدوات الدولة المؤسسية خارج المجال الحزبي المباشر، مع الأخذ في الاعتبار أن أهدافها الرسمية تجاوزت البعد السياسي المباشر. شكلت محاولتا الانقلاب العسكري في الصخيرات (1971) والهجوم على الطائرة الملكية (1972) منعطفاً في علاقة المؤسسة الملكية بمؤسسات الدولة والنخب السياسية والعسكرية، وتزامنت مع توترات اجتماعية وسياسية. بعد المسيرة الخضراء (1975)، أصبحت قضية الصحراء محوراً أساسياً في الخطاب السياسي الوطني، مما ساهم في إعادة ترتيب العلاقة بين القصر وأحزاب المعارضة. فبينما تُبنى الوحدة الوطنية عبر المؤسسات السياسية والترابية، يمكن تعزيزها أيضاً عبر مؤسسات تنتج المعرفة بشأن تاريخ البلاد وحضارتها. وبالتالي، يندرج تأسيس الأكاديمية ضمن مرحلة إعادة بناء الدولة المغربية وترسيخ مؤسساتها في سياق سياسي اتسم بتداعيات محاولتي الانقلاب، وإعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسة الملكية والأحزاب السياسية، وتصاعد مركزية قضية الصحراء. أتاح إحداث الأكاديمية الجمع بين وظيفة علمية (تطوير البحث والفكر)، ووظيفة حضارية (إبراز الهوية التاريخية للمغرب)، ووظيفة رمزية (تعزيز مكانة الدولة والمؤسسة الملكية كراعيتين للعلم والثقافة). تكمن أهمية الأكاديمية ليس فقط في إنتاج المعرفة، بل أيضاً في موقعها ضمن العلاقة بين السلطة والمعرفة والهوية الوطنية.
أكد الملك الحسن الثاني في خطاب افتتاح الأكاديمية (21 أبريل 1980) على مقومات تأسيسها، أبرزها:
أبرز تأسيس الأكاديمية الملكية المغرب بوصفه دولة ذات امتداد تاريخي وعلمي وثقافي، وربط بين شرعية الدولة الحديثة وموروثها الحضاري (الإسلامي، العربي، الأمازيغي، الأندلسي)، مما يعزز استمرارية الدولة في الوعي الجماعي. يمكن وضع إنشاء الأكاديمية ضمن مسار تدعيم الدولة عبر مؤسسات ذات طابع علمي وثقافي ورمزي. تؤدي الأكاديمية وظيفة ثقافية موازية تتمثل في إبراز العمق التاريخي والحضاري للمغرب، وتقديم المعرفة التاريخية والثقافية كأحد مرتكزات الهوية الوطنية. تساهم الأكاديمية في ترسيخ العمق التاريخي والحضاري للمغرب من خلال:
يستحضر تأسيس أكاديمية المملكة المغربية تقليداً سلطانيا قديماً يتمثل في تقريب العلماء والأدباء من السلطان. الانتقال من رعاية العلماء في إطار البلاط إلى مؤسسة أكاديمية منظمة قانونياً ومتعددة الاختصاصات، تضم أعضاء مغاربة وأجانب. نص الظهير المؤسس على تعزيز البحث والتفكير في مجالات متنوعة، وتشجيع التعاون واستقبال شخصيات علمية دولية. يمكن تلخيص التحول في الجدول التالي:
| التقليد السلطاني القديم | أكاديمية المملكة المغربية |
| مجالس ترتبط بالبلاط وشخص الحاكم | إطار مؤسساتي تحكمه نصوص قانونية |
| حضور قوي للفقه والأدب والتاريخ | تعدد التخصصات العلمية والفكرية |
| إبراز مكانة السلطان والدولة عبر الثقافة | تعزيز البحث العلمي والإشعاع الحضاري للمغرب |
| علاقات علمية يغلب عليها الإطار المحلي أو الإقليمي | انفتاح مؤسساتي على شخصيات من جنسيات متعددة |
تعتبر الأكاديمية وسيلة لترسيخ الشرعية الملكية من خلال:
شهدت وظيفة الأكاديمية تطوراً ملحوظاً خلال عهد الملك محمد السادس، خاصة مع إعادة تنظيمها بموجب القانون رقم 74.19، وإعطائها هندسة مؤسساتية جديدة. انعكس ذلك من خلال:
أكد الملك محمد السادس في رسالته لأعضاء الأكاديمية (2023) على ضرورة الجمع بين الحفاظ على الهوية الوطنية والانفتاح على التجارب الثقافية الدولية.
شدد الملك الحسن الثاني في خطابه الافتتاحي على موقع المغرب كملتقى للقارات والحضارات، وضرورة جمع مفكرين من خلفيات مختلفة لتحقيق التقارب والتفاهم. تم الحرص منذ إنشاء الأكاديمية على استقطاب قامات فكرية ودبلوماسية مشهورة دولياً، إلى جانب مكونات النخب الفكرية المحلية. ضمت الأكاديمية شخصيات بارزة مثل هنري كيسنجر (عضو شرفي)، باسكال لامي، عياض بن عاشور، عبد المجيد الشرفي، غسان سلامة، دانييل ريفيه، دومينيك بورغ، ومارسيل خليفة. شهدت الأكاديمية في أبريل 2026 تنصيب سبعة أعضاء جدد من دول وتخصصات مختلفة.
ضم شخصيات علمية وفكرية ودولية مرموقة يتجاوز مجرد تكريمها؛ فهو يشكل آلية من آليات الدبلوماسية الثقافية والفكرية للمملكة، وأداة لتعزيز مكانتها الرمزية والحضارية على المستوى الدولي. تسعى الأكاديمية إلى جعل المغرب فضاءً لإنتاج المعرفة وتبادلها، ومركزاً لالتقاء النخب الفكرية والعلمية. يتغيا استقطاب شخصيات علمية دولية أهدافاً منها:
ينعكس ذلك على سمعة المملكة الخارجية في خمسة مستويات:
يمثل تأسيس أكاديمية المملكة المغربية شكلاً من أشكال استمرارية تقليد الرعاية السلطانية للعلماء والمفكرين، متجسداً في مؤسسة حديثة تسعى إلى إنتاج المعرفة وتعزيز الإشعاع الثقافي للمملكة. تتقاطع في الأكاديمية ثلاث وظائف: رعاية المعرفة، وترسيخ الذاكرة الحضارية للدولة، وتعزيز الشرعية الرمزية للمؤسسة الملكية، مما يوسع مجال إنتاج الشرعية الرمزية للدولة لتشمل رعاية العلم والثقافة والحوار الحضاري.
رياضة
سياسة
سياسة
سياسة