الجزائر في الساحل: اختبار عسكري جديد للعقيدة الأمنية في ظل مصالح اقتصادية متزايدة


هذا الخبر بعنوان "اختبار الجغرافيا والعقيدة؟.. هل تورط الجزائر قواتها في مستنقع أمني مفتوح بالساحل؟" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 2 نونبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تواجه العقيدة العسكرية الجزائرية اختبارًا جديدًا بعد موافقة البرلمان على إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى شمال النيجر. هذا التحرك يمثل تحولًا في سياسة الرئيس عبد المجيد تبون من مبدأ عدم التدخل إلى نشر قوات خارج الحدود، تحت مسمى حماية المصالح الاقتصادية، ولكنه يثير تساؤلات حول جاهزية الجيش للعمليات في منطقة الساحل وتطور العقيدة العسكرية الجزائرية.
طلب تبون، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، هذه المهمة في 25 أكتوبر، وقد أثارت تحفظات داخل البرلمان رغم حصولها على الموافقة. امتنع ممثلو التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وجبهة القوى الاشتراكية عن التصويت، معتبرين أن أي عملية عسكرية خارجية، حتى لو كانت استجابة لطلب من نيامي، تنطوي على مخاطر كبيرة.
تكشف طبيعة المهمة المعلنة عن ارتباط مباشر بين الانتشار العسكري والمصالح النفطية الجزائرية في النيجر. فقد أشارت مجلة “جون أفريك” الفرنسية إلى أن القوات الجزائرية ستتولى حماية العاملين والمنشآت التابعة لشركة “سيبكس”، وهي فرع من “سوناطراك” المكلفة بالتنقيب عن النفط في منطقة كافرا، ضمن مشروع يتضمن حفر أربعة آبار، منها بئر “كافرا جنوب شرق 1” التي تقدر مواردها بنحو 2.5 مليار برميل.
هذا المعطى يضع القرار الجزائري أمام تساؤلات حول مدى اتساقه مع مبدأ عدم التدخل الذي ظلت الجزائر تتمسك به في أزمات المنطقة. فالمهمة، وإن قُدمت كإجراء لحماية منشآت اقتصادية، تندرج في سياق دعم عسكري متزايد تقدمه الجزائر للسلطات النيجرية.
يستند التبرير الأمني لهذا الانتشار إلى تدهور الوضع في شمال النيجر، حيث شهد شهر أكتوبر توقيف مواطنين أجنبيين في مدينة بيلما وبحوزتهما أسلحة، كما تعرضت حافلتان تابعتان لشركة “سونيتراف” لهجوم على محور أرليت-أغاديز، أسفر عن مقتل 12 شخصًا، بالإضافة إلى نشاط مجموعات مسلحة وعصابات في المنطقة.
ومع ذلك، اعتبرت “جون أفريك” أن اختزال المهمة في حماية قاعدة نفطية لا يعكس كامل أبعاد التحرك الجزائري، مستحضرة الدعم العسكري الذي قدمته الجزائر لنيامي خلال الأشهر الماضية، من خلال نشر أربع طائرات مقاتلة من طراز “سوخوي سو-30” وطائرة للتزود بالوقود، وتقديم أربع مروحيات للجيش النيجري، منها مروحيات “مي-24 في” المطورة.
عززت الجزائر أيضًا حضورها اللوجستي في منطقة عين قزام، التابعة للناحية العسكرية السادسة، عبر نقل قطع غيار وذخائر ومعدات. هذه القاعدة، الواقعة على بعد نحو 30 كيلومترًا من الحدود النيجرية، يمكن أن تشكل نقطة انطلاق لمهام عسكرية مختلفة. وتحدثت مصادر نيجيرية عن احتمال إيواء الوحدة الجزائرية في القاعدة الجوية ماداما، دون تأكيد رسمي.
تكمن إحدى أبرز نقاط الاختبار في مستوى الجاهزية العملياتية للجيش الجزائري. فالقوات الجزائرية لم تخض مواجهات عسكرية منذ نهاية العشرية السوداء سنة 2002، وسيجد جنودها أنفسهم أمام مجموعات مسلحة متمرسة في بيئة ميدانية معقدة، بما يفرض عليهم التعامل مع مخاطر الألغام والعبوات الناسفة والهجمات بالطائرات المسيرة، فضلاً عن تحديات الاستطلاع والتكيف مع طبيعة العمليات في منطقة الساحل.
وثقت ضربات بالطائرات المسيرة منذ الصيف الماضي في محيط سيغيدين بمنطقة بيلما وإيمي لولو بأغاديز. وستكون القوات الجزائرية مطالبة بتطوير قدراتها في مجال الاستخبارات الميدانية والتعامل مع هذه التهديدات، في وقت يطرح فيه الانتشار تساؤلات بشأن قدرتها على تجاوز ما وصفه التقرير بثقل التنظيم العسكري الموروث عن النموذج الروسي.
يعيد هذا التحرك إلى الواجهة التناقض بين الخطاب الجزائري الرافض للتدخلات العسكرية الأجنبية في منطقة الساحل، وبين قرار إرسال قوات إلى دولة مجاورة. فقد رفضت الجزائر التدخل عقب الانقلاب الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم سنة 2023، مفضلة حينها الرهان على حل سياسي لم يتحقق.
ربط التقرير التحول في المقاربة الجزائرية بحادث إسقاط الجيش الجزائري طائرة مسيرة مالية قرب تينزاواتين، ليلة 31 مارس وفاتح أبريل 2023. ومع تزايد الأزمات الأمنية في المنطقة، أعادت القيادة الجزائرية النظر في حدود سياسة عدم التدخل، واستعدت لتشكيل قوة قادرة على تنفيذ مهام خارج الحدود، وهو توجه ارتبط بدور رئيس أركان الجيش الفريق سعيد شنقريحة.
لا تقتصر التحديات التي يطرحها الانتشار على الجانب الميداني. فقد أثيرت أسئلة بشأن الجهة التي ستملك صلاحية إصدار الأوامر بفتح النار، وما إذا كانت القيادة ستعود إلى هيئة الأركان الجزائرية أو قيادة مشتركة بين البلدين أو مركز التنسيق العملياتي المندمج في النيجر. فضلاً عن الإشكالات القانونية التي قد تترتب على وقوع قتلى خلال أي مواجهة بين القوات الجزائرية ومواطنين نيجريين.
تكتسي هذه الأسئلة أهمية خاصة بالنظر إلى أن العملية لا تتوفر، وفق المعطيات، على تفاصيل رسمية واضحة بشأن مدة الانتشار وشروط استقبال القوات الجزائرية. وهي عناصر قد تؤثر في طبيعة المهمة وحدودها، خصوصًا أن التجارب الأمنية في منطقة الساحل أظهرت تعقيدات استمرار العمليات العسكرية لفترات طويلة.
حذرت المجلة من أن غياب أفق زمني واضح للعملية قد يضع القوات الجزائرية أمام خطر التورط في وضع أمني يصعب التحكم في مساراته. ويعتبر نجاح الانتشار رهينًا بوضوح المهمة والقيادة وشروط التدخل، وبقدرة الجيش على التعامل مع التحديات الميدانية التي تفرضها منطقة الساحل.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة