من أرسطو إلى الفقاعات الرقمية: العلام يستعرض تطور الفكر السياسي في مؤلف جديد


هذا الخبر بعنوان "من أرسطو إلى “الفقاعات الخوارزمية”.. العلام يتتبع تحولات الظاهرة السياسية في مؤلف جديد" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 3 نونبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
صدر حديثاً عن دار العرفان للطباعة والنشر، كتاب “المفاهيم الأساسية لعلم السياسة” للأستاذ عبد الرحيم العلام، ضمن طبعة عام 2026. يمتد المؤلف على 336 صفحة، مقدماً قراءة أكاديمية في المفاهيم المؤسسة لعلم السياسة، عبر تتبع نشأة هذا الحقل المعرفي، وتطور موضوعاته ومناهجه، وصولاً إلى تحليل الفاعلين والعمليات التي تشكل الفعل السياسي.
يتوزع الكتاب على مقدمة وأربعة أقسام تضم عشرة فصول، في بناء علمي يهدف إلى تقديم تصور متكامل للمفاهيم السياسية، مع إبراز التحولات التي طرأت على دلالاتها ووظائفها عبر سياقات تاريخية واجتماعية مختلفة. يرتكز المؤلف على فرضية أن تاريخ علم السياسة هو تاريخ لتغير الأسئلة البحثية حول السياسة وطبيعة اشتغالها. فبعد أن ارتبط الاهتمام بهذا المجال طويلاً بالقانون الدستوري والمؤسسات الرسمية، تحول تدريجياً نحو دراسة الممارسة السياسية الواقعية، بما تتضمنه من علاقات وتفاعلات وصراعات وآليات تأثير تتجاوز النصوص القانونية والمؤسساتية.
في هذا السياق، يستحضر الكتاب تجربة موريس دوفرجيه كمدخل لفهم هذا التحول، مع التأكيد على عدم اختزال المسار التاريخي لعلم السياسة في تجربة فردية. كما يستعين بصورة “الجبل الجليدي” لتوضيح الفرق بين السياسة الظاهرة في المتابعة اليومية والسياسة كموضوع للمعرفة العلمية.
من نشأة علم السياسة إلى تعدد تعريفات المفهوم:
يخصص القسم الأول للإطار المعرفي والمنهجي لعلم السياسة، متناولاً نشأته وهويته وموضوعه ومناهجه، وأبرز مدارسه وتطوراتها، بدءاً من العلم العملي في التصور الأرسطي، مروراً بالتعريف المؤسساتي الكلاسيكي، وصولاً إلى الواقعية السلوكية. يعيد المؤلف بناء مفهوم السياسة عبر تتبع تحولاته الدلالية، من المدينة الإغريقية والشأن العام في التصور الروماني، إلى معاني الرياسة والتدبير في التراث العربي، وانتهاءً بمقاربات مفكرين معاصرين مثل ماكس فيبر، وهارولد لاسويل، وديفيد إيستون، وكارل شميت، وحنة أرندت. يكشف هذا التعدد عن صعوبة حصر السياسة في تعريف واحد، نظراً لتعدد أبعادها وتداخل مستوياتها، مما يدفع المؤلف إلى التعامل معها كمفهوم مركب تتقاطع فيه اعتبارات السلطة والمصلحة والصراع والتدبير والحرية والفعل الجماعي.
السلطة السياسية والنظام السياسي.. مقاربات تتجاوز الإطار القانوني:
يركز القسم الثاني على مفهومي السلطة السياسية والنظام السياسي. يتجاوز المؤلف في تناوله للسلطة المقاربة القانونية ليتبع أبعادها الاجتماعية والرمزية، باعتبارها بناءً يقوم على الاعتراف والقبول ويتشكل من خلال علاقات متعددة. يستحضر في هذا الإطار أنماط الشرعية لدى ماكس فيبر، والقراءة الطبقية للسلطة، ومفهوم السلطة الانضباطية لدى ميشيل فوكو. أما في تناوله للنظام السياسي، فيميز الكتاب بين صورته الرسمية وواقعه الفعلي كمنظومة حية من التفاعلات. يعرض المؤلف التحليل النسقي وحدوده التفسيرية، خصوصاً فيما يتعلق بصعوبة استيعاب الصراعات الداخلية وميل النظام لعزل نفسه عن الضغوط الدولية.
الثقافة والهوية والتنشئة السياسية في مواجهة التحولات الرقمية:
يضم القسم الثالث أربعة فصول تتناول الثقافة السياسية، والهوية السياسية، والتنشئة السياسية، والرأي العام والدعاية. يربط المؤلف بين هذه المفاهيم من خلال دورها في تشكيل العلاقة بين الفرد والمجال السياسي. يحرص الكتاب على ربط المفاهيم الكلاسيكية بالتحولات المعاصرة، حيث يناقش الهوية السياسية في سياق العولمة والتطورات التكنولوجية، وتدبير التنوع من خلال الديمقراطية التوافقية وسياسات الاعتراف. يتوقف المؤلف عند تحولات الرأي العام والدعاية، من النماذج التقليدية إلى التأثيرات الجديدة للبيئة الرقمية، ولا سيما “الفقاعات الخوارزمية” التي تعزز الانحياز التأكيدي وتؤثر في تشكيل المواقف السياسية. يتناول التنشئة السياسية كمجال للتفاعل بين سعي الأنظمة لإنتاج الامتثال وقدرة الفاعلين على بناء أشكال مضادة.
الأحزاب وجماعات الضغط.. خريطة الفاعلين المؤثرين في القرار السياسي:
ينتقل القسم الرابع إلى دراسة الفاعلين السياسيين، بدءاً من النقابات والجمعيات والحركات الاجتماعية، وصولاً إلى الأحزاب السياسية وجماعات المصالح والضغط. يتتبع الكتاب تطور الأحزاب السياسية وأدوارها، من أحزاب الجماهير إلى أحزاب الكارتل. كما يتناول جماعات المصالح والضغط التي تؤثر في صناعة القرار وتوجيه السياسات العامة دون منافسة مباشرة على السلطة، مما يبرز تعدد قنوات التأثير السياسي.
السياسة بين صراع النفوذ والحرية والفعل الجماعي:
في خاتمة الكتاب، يجمع عبد الرحيم العلام مختلف الخيوط النظرية والتحليلية حول توتر أساسي بين تصورين للسياسة؛ أحدهما ينظر إليها كإدارة للقوة وصراع على النفوذ، والآخر يربطها بالحرية والتعددية والفعل المشترك. يقدم المؤلف تصوره للسياسة باعتبارها “المغامرة الجماعية الأرقى للبشر”، متجاوزة بذلك كونها مجرد تقنية لتدبير الموارد أو ممارسة لتوزيع السلطة. يقر المؤلف بأن بعض القضايا المهمة، مثل الحركات الاجتماعية والاحتجاج الرقمي، لم تحظ بالحيز الكافي، مرجحاً تخصيص جزء ثانٍ لمعالجتها.
يشكل كتاب “المفاهيم الأساسية لعلم السياسة” محاولة لتقديم مدخل معرفي ومنهجي لفهم الحقل السياسي، يجمع بين التأصيل النظري ومواكبة التحولات المعاصرة، مع إبراز تعدد مستويات اشتغال السياسة وتداخل أبعادها. لا تقتصر أهمية العمل على استعراض المفاهيم والنظريات، بل تمتد إلى مساءلة قدرتها التفسيرية وحدودها، مما يتيح للقارئ تكوين رؤية أوسع حول طبيعة الظاهرة السياسية والفاعلين الذين يسهمون في تشكيلها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة