المغرب
سياسة

الفيتو الروسي بشأن الصحراء: هل يعرقل الكرملين مسار الحل السياسي الدولي؟

العمق المغربي4 نونبر 2026 في 18:280 مشاهدة
الفيتو الروسي بشأن الصحراء: هل يعرقل الكرملين مسار الحل السياسي الدولي؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الفيتو الروسي بشأن الصحراء.. هل يحاول الكرملين تعطيل التحول الدولي نحو الحل السياسي؟" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 4 نونبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في ظل تحول المواقف الدولية نحو اعتبار مبادرة الحكم الذاتي المغربية أرضية واقعية لتسوية النزاع حول الصحراء، استخدمت موسكو حق النقض (الفيتو) لإسقاط مشروع قرار أمريكي في مجلس الأمن. هذه الخطوة تثير تساؤلات حول دوافع روسيا: هل تسعى فعلاً لحل سياسي قابل للتحقق، أم أنها تتمسك بمرجعيات متجاوزة وتوظف القضية في صراعها مع واشنطن؟

لم يكن الفيتو الروسي الأخير بشأن الصحراء الغربية مجرد إجراء روتيني، بل مؤشر على التجاذبات الدولية التي تحيط بالملف، خاصة في ظل تحولات مهمة في التعاطي الدولي مع مقترح الحكم الذاتي المغربي المقدم عام 2007. بينما تتزايد القناعة الدولية بأن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هي مدخل واقعي لإنهاء النزاع، اعترضت روسيا على مشروع القرار الأمريكي الذي كان يهدف لجعل المبادرة المغربية أساساً للمفاوضات السياسية. هذا ليس مجرد اختلاف دبلوماسي، بل مواجهة بين رؤية تسعى لتسوية سياسية قابلة للتنفيذ، ورؤية أخرى تتمسك بإطار تفاوضي لم يحقق تقدماً على مدى عقود.

الحكم الذاتي: من مبادرة مغربية إلى أرضية دولية للحل

منذ عام 2007، يؤكد المغرب أن الحل السياسي للنزاع حول الصحراء لا يمكن أن يتحقق عبر مقاربات مستنفدة، بل من خلال صيغة توافقية تراعي الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للمنطقة، وتحفظ سيادة المملكة ووحدتها الترابية. تستند المبادرة المغربية إلى منح سكان الأقاليم الجنوبية صلاحيات واسعة في تدبير شؤونهم المحلية ضمن إطار السيادة المغربية. تكمن قوة المقترح في تقديمه تصوراً مؤسساتياً لتدبير المنطقة، والانتقال من منطق النزاع إلى منطق البناء والتنمية والاستقرار. التحولات الدولية الأخيرة عززت موقع المبادرة المغربية كأرضية جدية للحل، مما نقل النقاش الدولي من إدارة النزاع إلى البحث عن تسوية نهائية. العودة إلى نقطة الصفر أو إحياء مسارات تفاوضية فاشلة لا يمكن أن تكون بديلاً عن حل واقعي وتوافقي.

الفيتو الروسي: دفاع عن المبادئ أم حسابات جيوسياسية؟

لا يمكن قراءة الموقف الروسي بمعزل عن التوتر بين موسكو وواشنطن ورغبة الكرملين في الحفاظ على نفوذه الدولي. روسيا ترى مجلس الأمن ساحة لممارسة النفوذ السياسي والاستراتيجي. استخدام الفيتو هو رسالة لواشنطن بأن موسكو لن تسمح لها بالانفراد بتوجيه مسار التسوية في ملف الصحراء. لكن هذا الموقف يطرح إشكالية: إذا كانت روسيا تدعي الحياد، فما البديل العملي الذي تقترحه لإنهاء النزاع؟ التمسك بالمرجعيات التقليدية لا يكفي، وتعطيل المبادرات دون تقديم تصور بديل قد يطيل أمد النزاع. المفارقة أن روسيا، التي اعترضت على المشروع الأمريكي، لم تتمكن من تمرير مشروعها البديل، مما يكشف محدودية قدرتها على تحويل اعتراضها إلى توافق دولي حول رؤية بديلة.

المينورسو: هل حان وقت الانتقال من إدارة النزاع إلى تهيئة شروط الحل؟

منذ إنشائها عام 1991، ارتبطت بعثة المينورسو بمسار التسوية الأممية وتنظيم الاستفتاء. لكن مرور أكثر من ثلاثة عقود دون حل نهائي يفرض مراجعة موضوعية لفعالية هذه الآليات. المطلوب اليوم هو البحث عن صيغة أممية تواكب التحولات السياسية وتساهم في تهيئة الظروف الملائمة لتنفيذ تسوية واقعية. من المنظور المغربي، يجب أن يكون استمرار البعثة جزءاً من مسار سياسي واضح الأفق، يستند إلى حل يحظى بالقبول، وفي مقدمته مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. انتهاء ولاية البعثة أو تعثر تمديدها يخضع للإجراءات والقرارات الأممية.

اجتماع الجمعية العامة: فرصة لكشف حدود الموقف الروسي

دعوة رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة لمناقشة استخدام روسيا حق النقض، بموجب القرار 76/262، تمنح الدول الأعضاء فرصة للتعبير عن مواقفها من هذا الاعتراض وخلفياته. هذا النقاش سيسلط الضوء على مسؤولية الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن في عدم تحويل امتياز الفيتو إلى وسيلة لتعطيل المبادرات السياسية. بالنسبة للمغرب، تكمن أهمية هذه المحطة في إبراز التناقض بين خطاب الحل السياسي والإصرار على مقاربات تفاوضية لم تنتج حلاً. الأهم أن يتحول النقاش الأممي إلى فرصة لتعزيز القناعة بأن تسوية النزاع يجب أن تنطلق من الواقعية السياسية، وتأخذ بعين الاعتبار التطورات والمواقف الدولية التي تنظر إلى الحكم الذاتي المغربي كأساس جدي للتفاوض.

المغرب وروسيا: الاختلاف حول الصحراء لا يلغي منطق المصالح

على الرغم من الموقف الروسي الأخير، لا ينبغي للمغرب أن ينظر إلى موسكو كخصم استراتيجي. الرباط تنتهج تقليداً دبلوماسياً يقوم على تنويع الشراكات والحفاظ على استقلالية القرار الوطني. يظل الحوار مع روسيا ضرورياً لتوضيح الموقف المغربي، والدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي، وإقناع موسكو بأن دعم هذا المقترح هو مساهمة في إيجاد تسوية سياسية واقعية. المغرب لا يطلب من القوى الدولية الاصطفاف في محاور متصارعة، بل يدعوها لدعم حل يضمن الاستقرار الإقليمي ويحفظ سيادة المملكة ووحدتها الترابية.

المستقبل لا يبنى بأدوات الماضي. الفيتو الروسي بشأن الصحراء يعيد طرح سؤال جوهري حول مستقبل التسوية الأممية: هل سيظل مجلس الأمن أسيراً للتجاذبات بين القوى الكبرى، أم أن الواقعية السياسية ستفرض الانتقال نحو حل نهائي؟ استمرار المفاوضات دون أفق واضح والتمسك بمقاربات فاشلة لا يؤدي إلا إلى إطالة أمد الخلاف. المبادرة المغربية للحكم الذاتي تقدم تصوراً سياسياً ومؤسساتياً قابلاً للتفاوض، يوازن بين متطلبات التدبير المحلي وضمانات السيادة والوحدة الترابية، ويتيح الانتقال من منطق الصراع إلى منطق التنمية والاستقرار. المطلوب من المجتمع الدولي اليوم هو دعم مسار سياسي جاد يقوم على الواقعية والتوافق، وليس تحويل قضية الصحراء إلى ساحة لتصفية الحسابات بين واشنطن وموسكو. الصحراء ليست ورقة في لعبة النفوذ الدولي، والحل لا ينبغي أن يبقى رهينة حسابات العواصم الكبرى. لقد حان الوقت لكي ينتقل المجتمع الدولي من إدارة النزاع إلى المساهمة الفعلية في إنهائه، على أساس مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها أرضية جدية وواقعية للحل السياسي، وبوابة لطي صفحة نزاع طال أمده وأعاق بناء مغرب عربي أكثر تكاملاً واستقراراً. التاريخ لا ينتظر من مجلس الأمن أن يكرر قراراته إلى ما لا نهاية، بل ينتظر منه الشجاعة السياسية لتحويل الواقعية الدولية إلى سلام دائم.

شارك الخبر: