المغرب
اقتصاد

خبراء يحللون تحديات قانون مالية 2027: بين النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية

هسبريس4 نونبر 2026 في 23:420 مشاهدة
خبراء يحللون تحديات قانون مالية 2027: بين النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "خبراء يناقشون رهانات قانون مالية 2027" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 4 نونبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

احتضن مركز دراسات الدكتوراه بكلية الاقتصاد والتدبير بفاس، يوم الأربعاء، ندوة علمية تناولت بالنقاش موضوع “البرنامج الحكومي ومشروع قانون المالية 2027.. أي توازن بين النجاعة الاقتصادية والاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية؟”. نظمت الندوة مبادرة من شعبة الاقتصاد وتدبير المنظمات وشعبة التدبير، بالتعاون مع مختبرات بحثية متعددة تشمل مختبر الدراسات والأبحاث في تدبير المنظمات والمجالات الترابية (ERMOT)، ومختبر البحث متعدد التخصصات في الاقتصاد والمالية وتدبير المنظمات (LIREFIMO)، ومختبر البحث متعدد التخصصات حول الديناميات الاقتصادية والمالية وريادة الأعمال.

وفي هذا السياق، أوضح عثمان مودن، رئيس منتدى الباحثين بوزارة الاقتصاد والمالية، أن تنظيم هذه الندوة يأتي ضمن تقليد سنوي للمنتدى مع تشكيل كل حكومة جديدة. وأشار مودن في تصريح لـ”هسبريس” إلى أن الندوة تنعقد في وقت يتسم باتساع النقاش حول مشروع قانون المالية وانخراط واسع للمجتمع المغربي في مناقشة مضامينه، وهو ما يسعى المنتدى لترسيخه منذ تأسيسه عام 2014 عبر تعميم المعرفة المالية وتقريبها من مختلف فئات المجتمع. وأضاف أن اللقاء يمثل محطة للنقاش الأولي تمهيداً لإطلاق النسخة الثانية عشرة من القافلة التواصلية لقانون المالية بعد التصويت على المشروع، بهدف مواصلة النقاش وتيسير فهم المواطنين لمقتضيات القانون.

الوهم الضريبي

تولى تسيير الجلسة الافتتاحية فؤاد بلحاج، مدير مختبر البحث متعدد التخصصات حول الديناميات الاقتصادية والمالية وريادة الأعمال. وشهدت الجلسة تقديم مداخلات علمية تناولت الموضوع من زوايا اقتصادية ومالية وجبائية وتدبيرية متكاملة. وقدم محمد النميلي مداخلة بعنوان “الضريبة بين الوضوح الاقتصادي والمردودية السياسية.. قراءة في مشروع قانون المالية لسنة 2027 على ضوء نظريات الوهم الضريبي”. تناول فيها السياسة الضريبية المغربية من منظور الاقتصاد السياسي للضريبة، مستنداً إلى نظريات الوهم الضريبي والتوظيف السياسي للقرارات الجبائية، التي تفرق بين العبء الضريبي الحقيقي وما يدركه المواطن، وبين المردودية المالية للضريبة والعائد السياسي للحكومة.

وأبرزت المداخلة أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يظهر تفاوتاً في وضوح الإجراءات الضريبية؛ فالتخفيضات المرتقبة في الضريبة على الدخل حظيت باهتمام إعلامي واسع لدعم القدرة الشرائية، بينما حظيت الزيادات في بعض الضرائب غير المباشرة، خاصة الضرائب الداخلية على الاستهلاك، باهتمام أقل رغم تأثيرها المحتمل على أسعار بعض المنتجات. وتوقف النميلي عند مفارقة الإعلان عن تخفيض الضريبة على الدخل مع توقع ارتفاع مداخيلها بنحو 11%، وارتفاع حصيلة الضريبة على القيمة المضافة الداخلية بنسبة 18.26%، مؤكداً أن ارتفاع المداخيل لا يعني بالضرورة زيادة العبء الضريبي الفردي. وتناولت المداخلة أيضاً رفع الضريبة على شركات استيراد وتوزيع المحروقات من 35% إلى 40%، متسائلة عن مدى تحمل المساهمين لهذه الزيادة أو انتقال جزء منها للمستهلكين، وعن أبعادها السياسية المحتملة. وخلص أستاذ التعليم العالي إلى أن العدالة الضريبية لا تُقاس بحجم التخفيضات المعلنة بل بالتوزيع الفعلي للعبء الضريبي، مؤكداً ضرورة تعزيز شفافية القرارات الجبائية وتقييم آثارها الاقتصادية والاجتماعية.

من جهته، ناقش أمين السعيد موضوع “البرنامج الحكومي ومشروع قانون المالية 2027.. رهانات التوازنات المالية والعدالة الاجتماعية”. وسلط الضوء على ضرورة التوفيق بين الالتزامات الانتخابية والإكراهات المالية والزمنية، ومراجعة القانون التنظيمي لقانون المالية بما يراعي خصوصية السنة الأولى من الولاية الحكومية. وأكد السعيد أهمية الانتقال من التوزيع التقليدي للاستثمارات العمومية إلى اعتماد مبدأ الإنصاف المجالي، عبر توجيه الموارد نحو المناطق الأكثر هشاشة وخصاصاً، وتعزيز التضامن والتكامل بين الجهات والأقاليم للحد من التفاوتات التنموية. كما شدد على ضرورة مواكبة الاستثمار في البنيات التحتية بتوفير الموارد البشرية، من خلال إقرار نظام تحفيزي للموظفين والأطر العاملين بالمناطق النائية والجبلية، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والهندسة. وخلص إلى أن تحقيق التنمية المتوازنة يقتضي الانتقال من اعتبار العدالة المجالية مجرد شعار إلى جعل الإنصاف المجالي قاعدة لتوزيع الاستثمارات والموارد المالية والبشرية.

تحديات ورهانات

قدم عبد الرزاق الهيري مداخلة بعنوان “من البرنامج الحكومي إلى مشروع قانون المالية 2027.. أي انسجام بين النمو والانضباط الميزانياتي والإنصاف الاجتماعي؟”. وأكد أن التحدي الأساسي لا يرتبط بحجم الاعتمادات المالية المرصودة بقدر ما يتصل بمدى القدرة على تحويلها إلى نتائج اقتصادية واجتماعية ملموسة. وأوضح الهيري أن الرهان الأول يتمثل في تحويل الاستثمار العمومي، المقدر بنحو 400 مليار درهم، إلى رافعة لتحفيز الاستثمار الخاص وخلق فرص شغل قارة ومنتجة، بما يضمن تعزيز دينامية الاقتصاد الوطني وتحقيق أثر مباشر على سوق الشغل. أما الرهان الثاني، فيتعلق بضمان استدامة المالية العمومية من خلال التحكم في مستويات العجز والمديونية، والرفع من مردودية الإنفاق العمومي، دون المساس بالاستثمارات ذات البعد الاجتماعي. والرهان الثالث يتمثل في تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، عبر تحسين جودة الخدمات في قطاعي التعليم والصحة، وتعزيز القدرة الشرائية للمواطنين، وضمان تكافؤ الفرص. وشدد الهيري على أن مواجهة هذه التحديات تقتضي ربط الميزانيات بمؤشرات أداء واضحة، وإخضاع المشاريع لتقييم دقيق، إلى جانب تعزيز مبادئ الحكامة والشفافية، وترسيخ قاعدة ربط المسؤولية بالمحاسبة.

وتطرق الدكتور أنور الأشقم لموضوع “نجاعة الأداء بين البرنامج الحكومي ومشروع قانون المالية لسنة 2027.. دراسة في مدى ترجمة الالتزامات السياسية إلى أهداف ومؤشرات ميزانياتية”. وأكد أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في نجاعة الدولة في إنفاق مواردها، بل في نجاعة الاختيارات التي توجه هذا الإنفاق. وأضاف أن الدولة قد تنجح في تنفيذ برامجها دون معالجة الاختلالات البنيوية. ومن ثمّ، فإن الانتقال من منطق تدبير الموارد إلى منطق النتائج، ينبغي أن يستكمل بالانتقال من منطق النتائج إلى منطق الأثر، ومن قياس الأداء الميزانياتي إلى تقييم المردودية المجتمعية للسياسات العمومية، على اعتبار أن نجاعة الأداء لا تعوض غياب الرؤية الاستراتيجية ولا تبني نموذجاً تنموياً مستداماً.

أما محمد رضى الرويجل، فقدم قراءة نقدية في المقتضيات الجمركية التي تضمنها مشروع قانون المالية لسنة 2027. وتوقف عند السياق العام للمشروع وأهدافه، قبل أن يستعرض أبرز تدابيره الجمركية والجبائية. في مجال رسوم الاستيراد، شملت التدابير اللحوم الحمراء والأعلاف الحيوانية وأعلاف الأحياء المائية وبعض الأجهزة الطبية. أما الضرائب الداخلية على الاستهلاك، فقد شملت التبغ والسجائر الإلكترونية والمشروبات الكحولية والمشروبات الغازية، بهدف حماية صحة المستهلك وتماشياً مع توصيات منظمة الصحة العالمية. وسجلت القراءة العلمية أن عدداً من التدابير الاستعجالية تحولت إلى إجراءات دائمة دون آليات للتقييم أو المراجعة، وأن أثرها على أسعار الاستهلاك يظل غير مضمون، منبهة إلى مخاطر تمس الإنتاج الوطني، وتنامي الغش والتهريب، وتراجع وضوح التعريفة الجمركية، إضافة إلى غياب أي تدبير لخفض أسعار المحروقات. وخلصت المداخلة إلى ضرورة إرفاق هذه التدابير بآليات للتتبع والتقييم تضمن نجاعتها.

شكل هذا اللقاء العلمي مناسبة أكاديمية لفتح نقاش حول رهانات السياسة المالية والاقتصادية بالمغرب، واستجلاء مدى قدرة مشروع قانون المالية لسنة 2027 على ترجمة الالتزامات الواردة في البرنامج الحكومي إلى اختيارات ميزانياتية وتدابير عملية، تستجيب لمتطلبات النمو الاقتصادي وتحافظ على التوازنات المالية، دون إغفال أبعاد العدالة الاجتماعية والمجالية.

شارك الخبر: