المسيرة الخضراء 2026: بين تجديد التعبئة الوطنية وترسيخ المسار التنموي


هذا الخبر بعنوان "ذكرى المسيرة الخضراء بين التعبئة الوطنية ومواصلة المسار التنموي" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 6 نونبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: محمد شقير
6 نوفمبر 2026 - 10:13
تحتفي المملكة المغربية بالذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء في 6 نونبر 2026، وهي مناسبة تحمل خصوصية سياسية وتاريخية واستراتيجية استثنائية، تختلف عن سابقاتها. لا يقتصر الأمر على استحضار حدث تاريخي مؤسس في الذاكرة الوطنية، بل يتعداه ليرتبط بالتحولات العميقة في ملف الصحراء المغربية، ومستجدات الدبلوماسية المغربية، والانتقال من مرحلة الدفاع عن الوحدة الترابية إلى مرحلة تعزيز المكتسبات وترسيخها.
تكتسي ذكرى المسيرة الخضراء لسنة 2026 خصوصية فريدة، كونها تأتي في سياق إعادة تشكيل الرمزية الوطنية المرتبطة بالقضية الصحراوية، عقب التحولات الدبلوماسية وإقرار عيد الوحدة. يعكس هذا الانتقال من استحضار ملحمة الاسترجاع إلى مرحلة ترسيخ الوحدة الترابية وتدبير رهانات التسوية السياسية، تداخلاً بين الذاكرة التاريخية والدينامية الدبلوماسية والمؤسساتية الراهنة.
تتجلى خصوصية الاحتفال بذكرى المسيرة الخضراء لسنة 2026 في مستويات دبلوماسية وسياسية متداخلة. تأتي هذه الذكرى بعد مرور عام على اعتماد مجلس الأمن للقرار 2797، الذي جعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات، مع التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي نهائي. يمنح هذا البعد الجديد للذكرى استحضار المسيرة الخضراء كنموذج للتعبئة الوطنية في خدمة القضية الترابية، وربط رمزيتها التاريخية بالرهانات الراهنة للتفاوض والتسوية السياسية.
تزداد خصوصية هذه السنة تعقيداً بالتطورات الأخيرة في مجلس الأمن بشأن مستقبل بعثة المينورسو، وما رافقها من خلافات دولية أدت إلى إنهاء مهام المينورسو بالأقاليم الجنوبية بعد عدم التوصل إلى توافق على تجديد ولايتها. لذا، فإن الاحتفال لا يأتي في سياق انتصار دبلوماسي مكتمل، بل في سياق مكاسب مهمة تقابلها تحديات في التنزيل.
من أبرز عناصر التميز أن ذكرى المسيرة الخضراء تأتي هذه السنة بعد الاحتفال لأول مرة بعيد الوحدة، الذي أقره الملك محمد السادس يوم 31 أكتوبر من كل سنة. يشكل هذا تحولاً في الذاكرة الوطنية المغربية، التي انتقلت من استحضار فعل تاريخي لاسترجاع الأقاليم الصحراوية إلى استحضار التطورات السياسية والدبلوماسية المرتبطة بالوحدة الترابية. يُعد عيد الوحدة امتداداً رمزياً للمسيرة الخضراء، وليس بديلاً عنها؛ إذ يقدم الاحتفالان سردية وطنية متكاملة تجمع بين الذاكرة التاريخية والمكتسبات السياسية المعاصرة.
تكتسي الذكرى أهمية إضافية بالنظر إلى إعادة تنظيم التواصل الملكي، حيث تم حصر الخطاب الملكي السنوي في مناسبتين رسميتين: عيد العرش وافتتاح البرلمان. هذا يعني أن الاحتفال بالمسيرة الخضراء لم يعد بالضرورة مرتبطاً بخطاب ملكي سنوي، بل يستمد دلالته من القرارات الملكية والمبادرات الدبلوماسية والمؤسساتية المحيطة به.
يمكن النظر إلى هذه السنة كمرحلة انتقالية في الذاكرة الوطنية المغربية: من استحضار المسيرة الخضراء كحدث تاريخي، إلى جعل الوحدة الترابية موضوعاً مستمراً في الوعي الوطني، وترسيخ عيد الوحدة كمناسبة جديدة لتجديد الارتباط بالقضية الوطنية، وربط الأجيال الجديدة بمسار تاريخي لم ينتهِ. يبرز هنا أهمية الاحتفال في بناء ذاكرة جمعية لا تقتصر على استعادة الماضي، بل تستحضر التحولات الراهنة والرهانات المستقبلية.
يمكن اعتبار احتفالات المسيرة الخضراء لهذه السنة مؤشراً على انتقال المغرب من ثقافة التعبئة الوطنية المرتبطة باسترجاع الأرض، إلى ثقافة ترسيخ الوحدة الوطنية المرتبطة بتثبيت المكتسبات وتحويلها إلى واقع سياسي ومؤسساتي.
شكلت المسيرة الخضراء سنة 1975 نموذجاً استثنائياً للتعبئة الوطنية، حيث تم توظيف الرمزية الدينية والوطنية والملكية في تعبئة جماعية لاسترجاع الأقاليم الصحراوية. أما في سنة 2026، فإن السياق مختلف؛ لم تعد القضية الترابية تقتصر على استحضار حدث الاسترجاع التاريخي، بل أصبح التركيز متزايداً على تثبيت المكتسبات الدبلوماسية والسياسية. كما باتت التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالأقاليم الجنوبية جزءاً أساسياً من تجسيد الوحدة الترابية. يتمثل التحدي في تحويل الاعترافات والمواقف الدولية إلى نتائج سياسية ومؤسساتية مستدامة.
التعبئة الوطنية لم تختفِ، بل أصبحت تتخذ أشكالاً جديدة تتجاوز التعبئة الجماهيرية إلى التعبئة الدبلوماسية والمؤسساتية والتنموية.
إقرار عيد الوحدة يوم 31 أكتوبر، وربطه بالتحولات التي عرفها ملف الصحراء المغربية، يضفي على احتفالات المسيرة الخضراء بعداً جديداً. ربط بلاغ الديوان الملكي لسنة 2025 إقرار عيد الوحدة بالتحول التاريخي الذي عرفته القضية الوطنية والتطورات التي حملها القرار 2797 لمجلس الأمن. من الناحية السوسيولوجية، يمكن تفسير ذلك بأنه انتقال من ذاكرة تستحضر فعل التعبئة الجماعية في الماضي إلى ذاكرة تستهدف ترسيخ الوحدة الوطنية باعتبارها قيمة مستمرة وممارسة مؤسساتية. يطرح هذا مسألة كيفية نقل رمزية المسيرة الخضراء من الأجيال التي عايشتها إلى الأجيال الجديدة التي لم تعش سياقها التاريخي، ولكنها مطالبة باستيعاب دلالاتها الوطنية والسياسية.
لا يكفي الاحتفال بالمسيرة الخضراء أو عيد الوحدة لإثبات الانتقال إلى مرحلة جديدة. يظل هذا الانتقال رهيناً بالقدرة على تجسيد الوحدة الترابية في تعزيز الحكامة المؤسساتية بالأقاليم الجنوبية، وتحسين الخدمات العمومية والصحة والتعليم والتشغيل، وتوسيع المشاركة السياسية للمواطنين، وترسيخ العدالة المجالية والتنمية المستدامة، وتعزيز الاندماج الاقتصادي والاجتماعي للأقاليم الجنوبية. نجاح هذا التحول لا يقاس فقط بحجم الاحتفالات أو قوة الخطاب السياسي، بل بمدى انعكاس المكتسبات على الحياة اليومية للمواطنين.
يمكن النظر إلى تشكيل حكومة تجمع بين حزب الأصالة والمعاصرة ومكونات الكتلة الوطنية باعتباره تجلياً لإعادة بناء التعبئة الوطنية في سياق التحولات الجديدة التي تعرفها المملكة المغربية، خصوصاً إذا وضعنا هذا الاختيار في ارتباطه بمستجدات القضية الوطنية، وإقرار عيد الوحدة، والانتقال من مرحلة استرجاع الأرض إلى مرحلة تثبيت المكتسبات.
يمكن قراءة الجمع بين حزب الأصالة والمعاصرة ومكونات الكتلة الوطنية (حزب الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، التقدم والاشتراكية) باعتباره محاولة لإعادة تجميع رصيد سياسي ووطني متنوع داخل إطار حكومي واحد. تتجلى أهمية هذا الاختيار في ثلاثة مستويات:
من هذا المنظور، قد يعكس تشكيل الحكومة توجهاً نحو إعادة توظيف التعددية الحزبية في خدمة أولويات وطنية تتجاوز الحسابات الانتخابية الضيقة.
مشاركة حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية إلى جانب حزب الأصالة والمعاصرة تكتسي دلالة سياسية خاصة. ترتبط الأحزاب الثلاثة الأولى بتاريخ الحركة الوطنية والكتلة الديمقراطية، بينما يمثل حزب الأصالة والمعاصرة تجربة حزبية أحدث نشأة. تسعى هذه الحكومة إلى الجمع بين شرعية تاريخية متجذرة وشرعية سياسية انتخابية متجددة، بما يتيح تجميع رصيد وطني متنوع في مواجهة التحديات الجديدة.
يمكن اعتبار هذه الحكومة إطاراً لتعبئة سياسية ومؤسساتية حول أربعة تحديات رئيسية:
لم تكتفِ الحكومة بتجميع الأغلبية العددية، بل أعلنت توجهها نحو حكومة منسجمة وقوية تستجيب للانتظارات الاجتماعية وتواكب التحديات الداخلية والخارجية. يمكن تفسير تشكيل هذه الحكومة من زاويتين:
القراءة الأكثر توازناً هي الجمع بينهما؛ إذ يمكن للحكومة أن تكون لها وظيفة وطنية استراتيجية، وفي الوقت نفسه وظيفة سياسية مرتبطة بإعادة تنظيم المشهد الحزبي.
يمكن النظر إلى تشكيل حكومة تجمع بين حزب الأصالة والمعاصرة ومكونات الكتلة الوطنية باعتباره تجلياً لإعادة تشكيل التعبئة الوطنية في المغرب، في سياق الانتقال من مرحلة استرجاع الأرض إلى مرحلة تثبيت المكتسبات المرتبطة بالوحدة الترابية. استحضار الرصيد التاريخي للحركة الوطنية، إلى جانب إدماج قوى سياسية حديثة النشأة، يعكس سعياً إلى تجميع شرعيات سياسية وتاريخية متنوعة حول رهانات وطنية جديدة، تتجاوز القضية الترابية إلى تعزيز البناء الديمقراطي والحكامة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
تظل هذه التعبئة رهينة بقدرة الحكومة على تحويل الانسجام السياسي المعلن إلى إنجازات ملموسة، وعلى إعادة بناء الثقة بين المؤسسات والمواطنين. لا ينبغي اختزال احتفالات المسيرة الخضراء لسنة 2026 في مجرد استعادة لحدث تاريخي مؤسس للذاكرة الوطنية المغربية، بل يمكن قراءتها كمؤشر على تحول تدريجي في طبيعة الثقافة السياسية والرمزية للدولة. فبعدما شكلت المسيرة الخضراء نموذجاً للتعبئة الوطنية الجماعية من أجل استرجاع الأرض، أصبح الرهان الراهن يتمثل في ترسيخ الوحدة الترابية وتثبيت المكتسبات الدبلوماسية والسياسية وتحويلها إلى واقع مؤسساتي وتنموي.
يعكس هذا التحول انتقالاً من مركزية الفعل التعبوي إلى مركزية البناء المؤسساتي، دون أن يعني ذلك نهاية التعبئة الوطنية، وإنما إعادة توظيفها في خدمة مرحلة جديدة من تدبير القضية الوطنية، تتداخل فيها الذاكرة التاريخية مع رهانات الشرعية السياسية والحكامة والتنمية المجالية. المسيرة الخضراء لم تعد فقط ذاكرة لاسترجاع الأرض، بل أصبحت مرجعية رمزية لتبرير وتوجيه مشروع ترسيخ الوحدة الترابية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة