الجزائر تستغل أزمة سبتة لتجديد هجومها على المغرب بورقة الاستعمار


هذا الخبر بعنوان "من سبتة إلى الصحراء الشرقية.. الجزائر تستنجد بـ”ورقة الاستعمار” لاستهداف المغرب" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 23 غشت 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
منذ الأحداث الأخيرة التي شهدها محيط مدينة سبتة المحتلة، برزت في بعض وسائل الإعلام الإسبانية المعادية لمصالح المغرب، وكذلك الجزائرية، أصوات تحاول تصوير المغرب كطرف مسؤول عما يجري، متجاهلة أن سبتة ومليلية مدينتان مغربيتان تخضعان للاحتلال الإسباني منذ قرون. وفي هذا السياق، يلفت الانتباه الصعود المفاجئ لصوت طالب علي سالم، الذي بات يحضر في عدد من المنابر الإسبانية والجزائرية بصفته “محللا سياسيا” و”ناشطا صحراويا”، مستغلاً أزمة سبتة لتوسيع خطابه المعادي للمغرب. وقد ظهر بالفعل في تغطيات حديثة لأحداث سبتة، مقدماً قراءات تتهم المغرب بالتوسع وتدعو إلى التعامل معه بمنطق أمني وسياسي متشدد.
لا تكمن المسألة في أن شخصاً اختار الدفاع عن أطروحة سياسية معادية للمغرب، فهذا أمر متوقع في الصراع بين المغرب والجزائر وأدواتها. الأهم هو محاولة تحويل علي سالم إلى صوت جديد في هذا الصراع، وإدخاله إلى المشهد من بوابة سبتة، بما يسمح بتقديمه للرأي العام الإسباني باعتباره “صوتاً صحراوياً” يحذر من المغرب. هنا يبدو أن الجزائر وجدت في أزمة سبتة فرصة لإعادة تدوير خطابها ضد الرباط، ولكن هذه المرة بوجه أكثر ملاءمة للفضاء الإعلامي الإسباني.
المفارقة أن الجزائر، وهي الدولة التي حاولت أن تبني جزءاً كبيراً من شرعيتها السياسية على خطاب مناهضة الاستعمار وتقرير مصير الشعوب، تجد نفسها في ملف سبتة ومليلية أمام تناقض يصعب تبريره. فإذا كان الاحتلال والاستعمار مرفوضين من حيث المبدأ، فلماذا لا يحضر هذا المبدأ عندما يتعلق الأمر بمدينتين مغربيتين تحت السيادة الإسبانية؟ ولماذا يصبح التاريخ والحدود الاستعمارية غير قابلة للنقاش حين يكون الطرف الآخر هو المغرب؟
ربما يكمن جزء من الجواب في أن الجزائر لا تنظر إلى سبتة باعتبارها قضية مغربية إسبانية فقط، بل باعتبارها ورقة يمكن توظيفها في صراعها مع المغرب. فكلما اتسع النقاش حول سبتة ومليلية، أمكن تحويل الانتباه عن سؤال الحدود التي رسمتها فرنسا للجزائر مع المغرب، وعن الإرث الحدودي الذي خلفه الاستعمار الفرنسي في المنطقة. ولذلك يبدو أن الهدف ليس فقط إبعاد المغرب عن صحرائه، بل إبقاءه في حالة دفاع دائم عن حدوده التاريخية، من الشمال إلى الجنوب، حتى لا يتحول النقاش يوماً إلى الحدود التي اقتطعت من مجال الجزائر.
في هذا السياق، تكتسب تصريحات عمر هلال حول التاريخ والحدود دلالتها. فقد سبق للممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة أن شدد على أن المغرب دولة ضاربة في التاريخ، وأن الدولة المغربية كانت قائمة قبل قيام الدولة الجزائرية بصورتها الحالية، مستحضراً وجود المغرب وسفاراته في أوروبا خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر. كما أكد هلال أن الوحدة الترابية بالنسبة للدول العريقة ليست مجرد مفهوم سياسي عابر، بل قضية مرتبطة بالتاريخ والحضارة والوجود. وهذا هو جوهر المشكلة مع الخطاب الجزائري، فحين يتعلق الأمر بالمغرب، تختفي كل تلك الشعارات المتعلقة بالتاريخ وتقرير المصير، ويصبح المطلوب عملياً هو إبقاء المملكة داخل حدود رسمتها مرحلة استعمارية، بل ومحاصرة أي نقاش حول المناطق التي اقتطعت من مجالها التاريخي.
لذلك لا يبدو غريباً أن يتحول ملف سبتة إلى مادة إضافية في هذا الصراع، وأن يظهر بالتزامن معه صوت مثل طالب علي سالم، الذي يحاول أن يجد لنفسه موقعاً في المشهد الإعلامي والسياسي الإسباني. أما المغرب، فقد حدد منذ سنوات قاعدة واضحة في علاقاته الخارجية. ففي خطابه بمناسبة الذكرى التاسعة والستين لثورة الملك والشعب سنة 2022، أكد جلالة الملك محمد السادس أن قضية الصحراء هي “المنظار الذي ينظر به المغرب إلى العالم”، وأن مواقف الدول من الوحدة الترابية أصبحت معياراً أساسياً للحكم على صدق الصداقات ونجاعة الشراكات.
إن محاولة صناعة أصوات جديدة ضد المغرب، سواء من الجزائر أو من داخل الفضاء الإعلامي الإسباني، لن تغير المعادلة. فالمغرب لا يحتاج إلى الصراخ في كل اتجاه، لأنه يعرف أن معركة الحدود والتاريخ لا تحسمها البرامج التلفزيونية، بل تحسمها قوة الموقف السياسي، وصلابة الوثائق التاريخية، ووضوح الدبلوماسية. أما تحويل طالب علي سالم إلى “صوت جديد” في قضية سبتة، فلا يبدو في جوهره سوى محاولة لإعادة إنتاج المعركة نفسها بأدوات جديدة: إبعاد المغرب عن حدوده التاريخية، وتشويه صورته لدى شركائه، وخلق انطباع بأن المملكة هي مصدر التوتر في المنطقة. غير أن المفارقة تبقى قائمة: من يرفع شعار التحرر من الاستعمار لا يمكنه أن يطالب المغرب بقبول خرائط الاستعمار.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة