كيف أفرزت الهندسة الانتخابية ظاهرة "برلماني الخدمات" بدل التشريع والرقابة بالمغرب؟


هذا الخبر بعنوان "من “التشريع والرقابة” إلى “التدخل والوساطة” .. هل صنعت الهندسة الانتخابية “برلماني الخدمات”؟" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 27 غشت 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المقبلة، يتجدد النقاش بحدة حول طبيعة النخب التي تفرزها الانتخابات في المغرب، ومدى تأثير الهندسة الانتخابية والدوائر الترابية وشبكات النفوذ المحلي في توجيه خريطة المرشحين والبرلمانيين.
وعلى الرغم من أن الدستور يحدد بوضوح دور النائب البرلماني في تمثيل الأمة وممارسة مهام التشريع والرقابة ذات الطابع الوطني الشامل، إلا أن الممارسة الميدانية تبرز هيمنة واضحة لمنطق الدائرة والخدمات والوساطات المحلية، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى مساهمة القواعد الانتخابية الحالية في بروز "نائب برلماني خدماتي" ينحصر اهتمامه في مصالح دائرته على حساب المشاريع السياسية الوطنية.
وفي هذا السياق، يوضح رضوان اعميمي، أستاذ القانون الإداري بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن الهندسة الانتخابية بالمغرب تميل بطبيعتها نحو إفراز نائب وثيق الصلة بدائرته وبيئته المحلية، مرجعا ذلك إلى تفاعل نمط الاقتراع والقاسم الانتخابي وضعف الوساطة الحزبية، فضلاً عن ثقل النخب المحلية وخصوصيات المجال القروي والتمثلات الاجتماعية التي تربط عضوية البرلمان بالوجاهة المادية والاجتماعية.
من جهته، يشير إبراهيم أونبارك، الباحث في الفعل السياسي وتدبير قضايا التراب، في تصريح لجريدة "العمق"، إلى أن تراجع الكفاءة السياسية والتدبيرية إلى جانب سطوة النفوذ المحلي قد أدى إلى تحول بعض المنتخبين إلى مجرد مسيرين يوميين للمصالح والخدمات عوض أن يكونوا حاملين لمشاريع تنموية شاملة.
ويبرز اعميمي المفارقة القائمة بين المركز الدستوري للنائب وظروف إفرازه انتخابياً، حيث يستمد النائب صفته التمثيلية من الأمة لكنه يصل إلى قبة البرلمان عبر بوابة دائرة ترابية ضيقة، مما يدفعه لنسج "رابطة انتخابية" قوية مع الناخب المحلي ترهن بقاءه السياسي بمدى استجابته للمطالب الفئوية والجماعية على حساب الحزب والبرنامج الوطني.
بدوره، يذهب أونبارك أبعد في تحليله معتبراً أن التجربة الانتخابية المغربية، وإن كرست التعددية، إلا أن مسارها ظل محفوفاً بسلوكيات مرتبطة بالمصلحة الخاصة والبيروقراطية والنفوذ، وهو ما فرغ جزءاً كبيراً من الممارسة الانتخابية من غاياتها في إنتاج نخب كفؤة.
وفي صلب هذا النقاش، يحضر القاسم الانتخابي كعنصر محوري؛ إذ يرى اعميمي أن اعتماده على أساس عدد المسجلين إلى جانب قاعدة أكبر البقايا قد عزز من سلطة رؤساء اللوائح وشخصنة التنافسية، بينما يرى أونبارك أن هذا القاسم أفرز خريطة حزبية مشتتة لا تسعف في بناء أغلبية منسجمة وقوية قادرة على تفعيل الوعود البرنامجية.
كما يمتد النقاش ليشمل التقطيع الانتخابي، حيث يحذر اعميمي من التفاوت الحاصل في الوزن التمثيلي للصوت بين مختلف الدوائر بسبب غياب سقف رقمي ملزم للفوارق السكانية وآليات التعديل الدوري، داعياً إلى تحقيق العدالة الديمغرافية والإنصاف المجالي. وفي نفس الاتجاه، يرى أونبارك أن التقسيم الترابي قد يخلق تناقضات تعيق المجالس عن تنزيل برامجها التنموية وتجعل المشاريع رهينة بتدخلات السلطة المركزية أو المحلية.
وعلى مستوى التزكيات الحزبية، يتفق الباحثان على تصاعد نفوذ المرشح المحلي؛ إذ ينبه اعميمي إلى تحول التزكية من تعاقد سياسي وبرنامجي إلى غطاء انتخابي للوصول إلى المقعد، بينما يوضح أونبارك أن الأحزاب أصبحت تبحث في الغالب عن وافدين يضمنون الحسم الانتخابي عبر حشد العائلات والأحياء والقبائل والاعتماد على المال والأعيان، مما أفضى إلى تهميش المؤسسات الحزبية لحساب الأشخاص.
وفي ختام تحليلهما، لا يرى اعميمي أن اهتمام النائب بقضايا دائرته أمر مرفوض في ذاته، شريطة التمييز بين التمثيل الترابي المشروع وخدمة المواطنين مؤسساتياً وبين الزبونية القائمة على المنافع مقابل الولاء، مؤكداً على ضرورة التحول نحو نموذج "نائب للأمة من بوابة دائرته". ومن جانبه، يشدد أونبارك على أهمية دور الأحزاب في تكوين مناضلين قادرين على صياغة مشاريع تنموية متكاملة لإنتاج نخب تمتلك الكفاءة الحقيقية بدل الاكتفاء بخطابات شعبوية وصراعات انتخابية ضيقة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة