المغرب
سياسة

حين تتحول الفرجة إلى سياسة: المهرجانات بين بهجة الاحتفال وإدارة السخط الاجتماعي

العمق المغربي1 شتنبر 2026 في 09:410 مشاهدة
حين تتحول الفرجة إلى سياسة: المهرجانات بين بهجة الاحتفال وإدارة السخط الاجتماعي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "حين تصبح الفرجة سياسة: المهرجان بين الحق في الفرح وإدارة السخط الاجتماعي" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 1 شتنبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في العديد من المدن المغربية الصغيرة والمتوسطة، يكفي مرور أيام قليلة ليبدو المكان وكأنه تحول إلى مدينة أخرى كلياً. شوارع تنتظر الإصلاح، أحياء تعاني من اختلالات يومية، وشباب يبحثون عن فرص عمل في ظل فضاءات رياضية وثقافية محدودة، إضافة إلى مواطنين يحملون سجلاً طويلاً من الانتظارات المؤجلة؛ وفجأة، ترتفع في وسط المدينة منصة ضخمة تنتصب حولها الشاشات والأضواء وتجهيزات الصوت العملاقة.

تنتشر الإعلانات وتصل الفرق الفنية والفنانون المشهورون، فتتدفق آلاف الجماهير نحو السحات، وتتحول المدينة مؤقتاً إلى مساحة تنبض بالحياة والفرجة. وما إن تنقضي الأيام القليلة حتى تنطفئ الأضواء، وتفكك المنصات، ويغادر الفنانون، وتتراجع الحشود لتعود المدينة إلى إيقاعها اليومي المعتاد. من هنا ينطلق التساؤل السوسيولوجي الحقيقي حول طبيعة هذه الفعاليات ودورها في المشهد العام.

لا يتعلق الأمر البتة بالتشكيك في حق الناس في الفرح والاحتفال، فالإنسان لا يعيش بالخبز وحده، والمدن تحتاج إلى الثقافة والفن والذاكرة والاحتفال الجماعي تماماً كما تحتاج إلى البنية التحتية والمرافق الأساسية. المهرجانات يمكن أن تشكل مناسبة للتلاقي، وإنعاش الحياة الثقافية، ودعم الفنانين، وتحريك التجارة المحلية، واستقطاب السياح.

لكن الإشكال الحقيقي يبرز عندما يتحول المهرجان من عنصر ضمن سياسة ثقافية شاملة إلى بديل رمزي عن السياسات الاجتماعية والتنموية المتعثرة. وهنا تستحضر مقولة الشاعر الروماني جوفينال الشهيرة "الخبز والسيرك"، لا بوصفها تفسيراً تآكرياً ساذجاً، بل كمدخل للتفكير في طبيعة العلاقة بين السلطة والفرجة وإدارة المزاج العام.

فالواقع الاجتماعي مركب ومعقد، وقد تصبح الفرجة آلية لتدبير السخط وتخفيف حدته حتى من دون نية مسبقة وممنهجة. يكفي أن تُغرق الحياة العامة بالصور والفعاليات الاستعراضية لتتراجع الأسئلة البنيوية الكبرى إلى الخلف، ويصبح ما هو مرئي ومثير أسرع تداولاً من الملفات العميقة والبطيئة النتائج.

وفي هذا السياق، يلعب الاستثمار في الرأسمال الرمزي، كما أشار بيير بورديو، دوراً في منح المدينة صورة براقة ومنفتحة وقادرة على صناعة الحدث واستضافة الأسماء الكبرى. إلا أن هذه الصورة لا تتحول تلقائياً إلى رأسمال تنموي أو اجتماعي، لتتولد بذلك مفارقة واضحة بين "المدينة التي تعرض" و"المدينة التي تعاش".

إن الاحتفال والفرح يظلان حقاً أصيلاً يكسر رتابة الحياة اليومية ويخلق تضامناً جمعياً استناداً إلى مقاربة دوركايم، غير أن هذا الاعتراف لا يعفي من ضرورة إخضاع الإنفاق العمومي على المهرجانات لمعايير الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، عبر طرح أسئلة جوهرية تتعلق بتكلفة الفرصة البديلة وترتيب الأولويات بين الدعم الثقافي وتلبية الحاجيات التنموية الملحة.

ختاماً، يظل الرهان الحقيقي قائماً في تجاوز منطق الحدث الموسمي المعزول والانتقال نحو سياسة ثقافية مستدامة تدمج الفن داخل الحياة اليومية، وتجعل من التنمية المحلية والعدالة المجالية بوصلة حقيقية توازن بين بهجة الفرجة ومتطلبات بناء الواقع.

شارك الخبر: