تنويه
هذا الخبر بعنوان "ثغرة “الزمن الانتخابي”.. كيف يهدد الترحال السياسي ثقة المواطنين في المؤسسات؟" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 2 شتنبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع اقتراب موعد الانتخابات، تعود ظاهرة الترحال السياسي لتتصدر النقاش العام حول واقع الحياة الحزبية في المغرب. تشهد الساحة انتقال عدد من المنتخبين والمرشحين بين الأحزاب، مما يثير تساؤلات حول دوافع هذه التحولات، وفعالية القوانين الدستورية والتشريعية في الحد منها، وتأثيراتها على الخريطة الانتخابية وثقة المواطنين في الأحزاب والمؤسسات المنتخبة.
في تحليل لهذه الظاهرة، يرى الأستاذ بجامعة ظهر المهراز بفاس، خالد يايموت، والباحث في العلوم السياسية يحيى الصغيري، أن فهم الترحال السياسي يتطلب النظر إلى السياق التاريخي والسياسي الذي نشأت فيه الممارسة الانتخابية بالمغرب. يعتبران أن الظاهرة تتجاوز مجرد انتقال منتخب من حزب لآخر، لتكشف عن تحولات أعمق في طبيعة المنافسة الحزبية ومنطق إنتاج النخب السياسية.
المشكلة أعمق من الظاهرة
يربط خالد يايموت جذور الترحال السياسي، إلى حد كبير، بما يسميه "الرؤية التجارية للسياسة والانتخابات". هذه الرؤية، بحسبه، بدأت تتشكل لدى جزء من النخبة السياسية المغربية منذ سبعينيات القرن الماضي. ويرى يايموت أن تراكم التجربة الانتخابية أدى إلى تحويل الانتخابات إلى ما يشبه "السوق"، حيث لم يعد الهدف استمالة أصوات الناخبين فحسب، بل امتد ليشمل استقطاب المنتخبين والمرشحين ونقلهم بين الأحزاب، بهدف الحصول على المقاعد في المؤسسات المنتخبة.
من هذا المنظور، لا يعتبر يايموت الترحال السياسي ظاهرة قائمة بذاتها، بل يؤدي وظيفة ضمن منظومة انتخابية أوسع. ويؤكد أن الإشكال الأساسي لا يكمن في انتقال السياسيين بين الأحزاب بحد ذاته، بل في المنطق التجاري الذي يحكم جزءاً من العملية الانتخابية. ويرى الأكاديمي أن الترحال السياسي يتم خارج الأبعاد الأخلاقية والثقافية والإيديولوجية التقليدية للعمل السياسي، معتبراً إياه انعكاساً لهيمنة منطق آخر على العملية الانتخابية، وأن ما يحدث هو "عملية غير سياسية" يظهر منها "رأس جبل الجليد" المتمثل في الترحال السياسي، بينما تكمن الظاهرة الأعمق في تحول الانتخابات إلى فضاء يصبح فيه المال والنفوذ محركات أساسية للمنافسة.
محاولة دستورية للحد من الترحال
على المستوى الدستوري، يعتبر يايموت أن الفصل 61 من الدستور كان خطوة متقدمة للحد من ظاهرة الترحال السياسي، قبل أن تمتد المقتضيات ذات الصلة إلى النظام الداخلي لمجلس النواب. إلا أن التجربة العملية أظهرت محدودية أثر هذه المقتضيات في القضاء على الظاهرة، موضحاً أن فعالية القواعد السياسية لا تتوقف على القانون وحده، بل ترتبط أيضاً بالثقافة والأخلاق السياسية السائدة.
ويؤكد أن القواعد الدستورية، وإن كانت قانونية، ترتبط بمنظومة من القيم والثقافة السياسية. ويعتبر أن استمرار الترحال يعكس، جزئياً، استمرار منطق يقوم على "البيع والشراء" داخل المجال الانتخابي. ولا يرى يايموت أن استمرار الظاهرة يتم بالضرورة عبر خرق مباشر للدستور أو القانون، بل من خلال نشوء قواعد عملية وأعراف سياسية موازية تكتسب قوة إلزامية بحكم تكرارها واستمرارها، مما يساهم في إضعاف الأثر العملي للمقتضيات القانونية.
من الوجاهة الاجتماعية إلى النفوذ الاقتصادي
في السياق نفسه، يعتبر يايموت أن ظاهرة "الأعيان" ليست جديدة على الحياة السياسية المغربية، إلا أن طبيعة الأعيان وأشكال نفوذهم عرفت تحولات لافتة. فبعدما كان جزء من هذه النخب يستمد مكانته من الوجاهة الاجتماعية، برز نمط جديد من الأعيان يستند جزء من نفوذه إلى القوة الاقتصادية، التي يمكن أن تتحول إلى نفوذ اجتماعي وسياسي. ويعكس هذا التحول، بحسب الأكاديمي، انتقالا من الوجاهة الاجتماعية إلى الوجاهة الاقتصادية، من خلال أشخاص يمتلكون القدرة على تقديم مساعدات أو مساهمات تعزز حضورهم وتأثيرهم داخل محيطهم الاجتماعي.
ويرى يايموت أن هذا النفوذ الاقتصادي قد يتحول إلى قوة قادرة على التأثير في الإرادة الانتخابية، في ظل احتلال الأعيان موقعاً مركزياً داخل العملية الانتخابية. وبالتالي، أصبحت المعركة بالنسبة إلى عدد من الأحزاب لا تدور فقط حول البرامج والأفكار، بل كذلك حول استقطاب الأعيان وضمان مشاركتهم، بالنظر إلى ما يتوفرون عليه من شبكات محلية وقدرات على تعبئة الأصوات والوصول إلى المقاعد البرلمانية.
ويربط يايموت هذه الدينامية بأزمة الثقة في الأحزاب والانتخابات، معتبراً أن المشهد الحزبي والانتخابي المغربي لم يبلغ بعد مستوى كافياً من العقلنة. ويشير إلى أن ضعف الاستقلالية الحزبية في صناعة القرار يجعل التنبؤ بتحالفات مستقبلية مستقرة أمراً معقداً. كما يلفت إلى أن بعض استطلاعات الرأي أظهرت مستويات ضعيفة من الثقة في المؤسسات والأحزاب.
هندسة الخريطة الانتخابية
من جانبه، يرى الباحث في العلوم السياسية يحيى الصغيري أن الترحال الاستباقي أصبح إحدى الأدوات التي تساهم في إعادة هندسة الخريطة الانتخابية قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع. وأوضح أن الأحزاب لم تعد تتنافس فقط على استمالة الناخبين، بل أصبحت تتنافس أيضاً على استقطاب المرشحين الذين يتوفرون على "رأسمالا انتخابيا جاهزا"، سواء تعلق الأمر بالأعيان أو المنتخبين المحليين أو أصحاب الشبكات العائلية والمجالية.
ويرى الصغيري أن المشهد بات أقرب إلى "سوق سياسية للمرشحين"، يبحث فيها الحزب عن الشخص القادر على جلب المقعد، بينما يبحث المرشح عن الحزب الذي يوفر له أفضل تزكية وشروط المنافسة والفوز. ويؤدي هذا الوضع إلى تراجع وزن الانتماء السياسي لصالح منطق المردودية الانتخابية، لتصبح المنافسة مرتبطة بسؤال من يمتلك الأصوات والنفوذ والقدرة على ضمان المقعد.
الثغرة في الزمن الانتخابي
فيما يتعلق بالجانب القانوني، يدعو الصغيري إلى توخي الدقة في توصيف حالات الترحال السياسي، إذ لا يرى أن كل انتقال بين الأحزاب يمثل خرقاً مباشراً للفصل 61 من الدستور، بل يمكن أن يكون نتيجة لاستثمار الحدود الزمنية التي وضعها المشرع للمنع. ويشير إلى أن الفصل 61 يرتب فقدان البرلماني مقعده في حال تخليه عن الحزب الذي ترشح باسمه، مع تصريح المحكمة الدستورية بذلك. ويمتد المبدأ نفسه إلى المنتخبين في الجماعات الترابية والغرف المهنية بموجب المادة 20 من القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية.
غير أن الإشكال، في تقديره، يكمن في أن القانون يحمي الانتداب أكثر مما يحمي الاستقرار الحزبي، إذ يرتب جزاءً على التخلي عن الانتماء الحزبي أثناء الولاية، دون أن يفرض بالضرورة فترة زمنية فاصلة تحول دون انتقال المنتخب الذي غادر حزباً إلى الترشح مباشرة باسم حزب آخر في الاستحقاق الموالي. ويعتبر الصغيري أن الأمر لا يتعلق بالإفلات من الجزاء، بل قد تتحول الاستقالة من الحزب إلى كلفة سياسية محدودة إذا تمت في نهاية الولاية، مقابل إمكانية الاستثمار في الاستحقاق الانتخابي المقبل.
ومن ثم، يخلص الباحث إلى أن "الثغرة" الأساسية ليست بالضرورة في النص القانوني نفسه، بل في الفجوة بين الزمن الذي ينظمه القانون والزمن الذي تتحرك فيه الحسابات الانتخابية.
من الحزب المناضل إلى "الحزب الانتخابي"
في قراءته للتحولات التي يشهدها العمل الحزبي، يربط الصغيري الدافع الأساسي للترحال بانتقال جزء من المنافسة السياسية من التنافس على البرامج والمشاريع إلى التنافس على الموارد الانتخابية. ويشير إلى أن بعض المنتخبين يغيرون انتماءاتهم الحزبية تبعا لتغير شروط المنافسة الانتخابية، وليس بالضرورة نتيجة تحول في قناعاتهم أو مواقفهم السياسية.
ويعتبر أن هذه الظاهرة تعكس تحولاً أعمق في بنية العمل الحزبي، يتمثل في "موت الحزب المفكر" وتراجع دور المناضل الحزبي، مقابل تنامي نفوذ الآلة الانتخابية. فبدلاً من أن يصنع الحزب مرشحه من داخل التنظيم، أصبح يبحث قبيل الانتخابات عن "المرشح الجاهز" الذي يمتلك القدرة على المنافسة وجلب المقعد.
"الرأسمال الانتخابي" في مواجهة الانتماء الحزبي
يضيف الصغيري أن الأحزاب تتسابق، قبيل الاستحقاقات، على استقطاب الأعيان وأصحاب النفوذ والجاه والمال، فضلاً عن أشخاص لا يستمدون حضورهم السياسي من مشروع حزبي أو مسار نضالي، بل من رأسمال انتخابي شخصي. وقد يتخذ هذا الرأسمال أشكالاً متعددة، من بينها شبكة العلاقات المحلية، والنفوذ الاجتماعي، والقدرة المالية، والحضور العائلي والمجالي.
وبحسب الباحث، فإن معيار اختيار المرشح حين يصبح مرتبطاً بقدرته على الفوز، بدل قدرته على تمثيل مشروع سياسي، فإن المشهد ينتقل من نموذج "الحزب الذي ينتج النخب" إلى نموذج "الحزب الذي يستوردها من السوق الانتخابية". ويحذر الصغيري من أن أخطر تداعيات الترحال السياسي تكمن في إفراغ الانتماء الحزبي من معناه، موضحاً أن رؤية الناخب لمنتخبين ينتقلون بسهولة من حزب إلى آخر قد تعزز صورة الحزب باعتباره مجرد "مركبة انتخابية"، بدل أن يكون مؤسسة سياسية قائمة على هوية واضحة ومشروع وبرنامج.
أزمة تتجاوز الترحال السياسي
تكشف قراءتا يايموت والصغيري أن الترحال السياسي لا يمكن اختزاله في مجرد انتقال منتخب أو مرشح من حزب إلى آخر، بل ينبغي وضعه ضمن سياق أوسع يرتبط بطبيعة المنافسة الانتخابية وبنية الأحزاب السياسية وآليات إنتاج النخب. فبالنسبة إلى الصغيري، تتراجع تدريجياً صورة الحزب الذي ينتج النخب ويؤطرها لصالح حزب يبحث عن المرشح القادر على الفوز، بينما يرى يايموت أن الترحال ليس سوى مظهر من مظاهر أزمة أعمق ترتبط بطبيعة الثقافة السياسية والانتخابية السائدة.
وبينما يفرض الفصل 61 من الدستور جزاءً على التخلي عن الانتماء الحزبي أثناء الولاية، يبقى السؤال مطروحاً حول مدى قدرة القواعد القانونية وحدها على معالجة ظاهرة تتداخل فيها الثقافة السياسية مع الحسابات الانتخابية وشبكات النفوذ والموارد.
وفي المحصلة، يبدو أن الحد من الترحال السياسي لا يرتبط فقط بتشديد العقوبات أو سد الثغرات القانونية، بل يتطلب، قبل ذلك، إعادة بناء الحياة الحزبية على أسس تقوم على البرامج والتكوين والتأطير والانتماء السياسي. فاستعادة الانتخابات لوظيفتها الأساسية، باعتبارها آلية لترجمة الإرادة الشعبية وإنتاج نخب سياسية ذات مشاريع واضحة، تظل رهينة بالانتقال من منطق استقطاب "الرأسمال الانتخابي" و"المرشح الجاهز" إلى منطق صناعة النخب داخل الأحزاب، وتعزيز الثقة في المؤسسات وفي العملية الديمقراطية برمتها.
أخبار ذات صلة
سياسةالبرلمان المغربي يستقبل الرسائل الملكية: استعداد لتجويد الأداء الحكومي وتلبية تطلعات المغاربة
سياسةحموني: الانضمام للأغلبية يفتح الباب أمام تحقيق الوعود الانتخابية
سياسةحزب الأحرار يستعرض رؤيته الانتخابية في قرية با محمد
سياسة
