مغاربة سبتة ومليلية: إشكالية الانتماء والهوية وعلاقتهم بالدولة المغربية


هذا الخبر بعنوان "مغاربة سبتة ومليلية وعلاقتهم بالدولة المغربية.. إشكالية الانتماء والهوية والاهتمام" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 2 شتنبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
وجهة نظر مصطفى الغاشي
تمثل سبتة ومليلية حالة استثنائية في العلاقات المغربية–الإسبانية، ليس فقط بسبب النزاع حول السيادة، بل لاحتضانهما جماعات بشرية ذات أصول مغربية وروابط وثيقة بالمغرب. يبرز هنا سؤال يتجاوز الجغرافيا والسياسة الخارجية إلى صميم مفهوم الدولة والمواطنة والهوية: كيف تنظر الدولة المغربية إلى مغاربة سبتة ومليلية، وكيف ينظرون إليها؟ وهل يكفي الانتماء التاريخي والثقافي لإنتاج شعور سياسي متماسك بالانتماء؟
الإشكال لا يتعلق فقط بوجود «مغاربة» في مدينتين تحت الإدارة الإسبانية، بل بتعدد مستويات الانتماء. فالفرد قد يكون مرتبطاً بالمغرب عائلياً وثقافياً ودينياً، ويعيش في الوقت نفسه ضمن مؤسسات قانونية وإدارية وتعليمية واقتصادية إسبانية. وبذلك تصبح سبتة ومليلية مختبراً لدراسة العلاقة بين الدولة والهوية والمواطنة والحدود.
تاريخياً، ظل المغرب ينظر إلى سبتة ومليلية كجزء من مجاله الترابي المجزأ خلال الاستعمار. لكن الانتماء لا يصنعه التاريخ وحده؛ فالهوية الجماعية تتشكل أيضاً عبر الأسرة، اللغة، الدين، العادات، الذاكرة، وشبكات المصاهرة والتجارة والتنقل. ولذلك، فإن جزءاً من سكان المدينتين ذوي الأصول المغربية يحملون ارتباطاً بالمغرب يتجاوز الجنسية بالمعنى القانوني. وينبغي التمييز بين ثلاثة أنواع من الانتماء:
هذه المستويات لا تتحرك بالضرورة في نفس الاتجاه.
تكمن خصوصية المدينتين في أن الهوية المغربية لا تختفي بالانتقال إلى فضاء سياسي وإداري إسباني. بل قد تتحول إلى هوية مزدوجة أو مركبة؛ فالفرد قد يكون مغربياً من حيث الأصل العائلي، مرتبطاً بالمغرب ثقافياً ودينياً، إسبانياً من حيث الجنسية أو الإقامة القانونية، ومندمجاً في المؤسسات الإسبانية. وهذا يقود إلى تجاوز التصور التقليدي للهوية كاختيار بين «مغرب» و«إسبانيا». فالواقع الاجتماعي أكثر تعقيداً. وسؤال الهوية في سبتة ومليلية هو: كيف يمكن للفرد أن ينتمي إلى فضاءين في الوقت نفسه دون تناقض؟ ومن هنا يمكن الحديث عن الهوية الحدودية؛ أي هوية تتشكل في منطقة تماس بين دولتين وثقافتين واقتصادين وذاكرتين.
هنا تظهر إحدى أكثر القضايا حساسية. فالدولة المغربية لا تستطيع التعامل مع سكان المدينتين فقط كجزء من ملف السيادة الوطنية، لأنهم أيضاً جماعات بشرية لها مصالح يومية ومطالب اجتماعية واقتصادية وثقافية. وبالتالي، فإن أي سياسة مغربية تجاه سبتة ومليلية ينبغي أن تجمع بين مستويين:
وهنا يصبح السؤال الأكثر إحراجاً: هل ينظر المغرب إلى سكان سبتة ومليلية بوصفهم مجرد جزء من قضية السيادة، أم بوصفهم أيضاً مواطنين أو جماعة بشرية لها حقوق ومصالح واحتياجات ينبغي أن تكون لها مكانة في السياسة العمومية المغربية؟
ربما يكون أحد أهم التحولات المطلوبة هو الانتقال من مقاربة سبتة ومليلية كـ«قضية ترابية» فقط إلى مقاربة أكثر شمولاً تعتبرهما أيضاً «قضية إنسانية ومجتمعية». فالقضية الترابية تُدار عبر الدبلوماسية والسياسة الخارجية، أما قضية السكان فتحتاج إلى التواصل، الثقافة، التعليم، البحث العلمي، الإعلام، العلاقات الاجتماعية، حماية الذاكرة، فهم التحولات الديموغرافية، ومتابعة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. لذلك، فإن الدولة التي تريد الدفاع عن ارتباط جماعة بشرية بها تحتاج إلى أن تجعل هذه الجماعة تشعر بأن الدولة تراها وتسمعها وتهتم بها. فالانتماء لا ينتج فقط من الخطاب السياسي، بل يتغذى من الإحساس بأن هناك دولة تهتم بك.
قد يكون الفرد مرتبطاً بالمغرب وجدانياً، لكنه قد يطرح سؤالاً عملياً بالغ الأهمية: ماذا يقدم لي المغرب؟ فالهوية التي لا تجد ترجمة في التواصل والمؤسسات والثقافة والتعليم والمصالح اليومية يمكن أن تتحول تدريجياً إلى مجرد ذاكرة عائلية. ومن هنا، فإن قوة الارتباط بالمغرب لا تقاس فقط بعدد من يحملون أسماء مغربية أو يتحدثون العربية أو الأمازيغية أو يرتبطون بعائلات في المغرب، بل تقاس أيضاً بمدى استمرار الشعور بالانتماء عبر الأجيال. وهنا تكمن إحدى أخطر الإشكالات المستقبلية: فإذا كان الجيل الأول يحتفظ بذاكرة قوية تجاه المغرب، فماذا يحدث لدى الجيل الثاني والثالث والرابع؟ هل تنتقل الذاكرة بصورة تلقائية؟ أم تحتاج إلى مؤسسات وبرامج وسياسات للحفاظ عليها؟
ربما يكون الشباب الحلقة الأكثر حساسية في هذه المعادلة. فالجيل الجديد في سبتة ومليلية يعيش داخل منظومة تعليمية وإعلامية وإدارية إسبانية، ويستهلك الثقافة الرقمية العالمية، ويتعامل يومياً مع مؤسسات الدولة الإسبانية. وفي نفس الوقت، قد يحتفظ بروابط عائلية وثقافية ودينية مع المغرب. وهذا يعني أن الهوية المغربية بالنسبة إلى بعض هؤلاء الشباب قد تنتقل من كونها هوية سياسية مباشرة إلى كونها هوية ثقافية وعائلية وذاكرة جماعية. فهل يملك المغرب سياسة ثقافية وتواصلية قادرة على مخاطبة هذا الجيل الجديد؟ فالدولة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد تصل إلى المواطن فقط عبر القنوات الرسمية، بل أصبحت المنافسة على الذاكرة والهوية تجري في: المدرسة، الإعلام، وسائل التواصل الاجتماعي، الثقافة الشعبية، السينما، الرياضة، اللغة، والفضاء الرقمي.
تقدم سبتة ومليلية مثالاً واضحاً على أن الحدود الحديثة لا تمنع بالضرورة استمرار العلاقات الاجتماعية. فقد تكون الحدود السياسية واضحة، بينما تبقى الحدود الاجتماعية والثقافية أكثر مرونة. فالعائلات، التجارة، المصاهرة، الزيارات، اللغة، الدين، الذاكرة، وحتى الممارسات اليومية، كلها يمكن أن تتجاوز الحدود السياسية. وهذا ما يجعل المدينتين جزءاً من فضاء حدودي مغربي–إسباني مركب. ومن هنا يأتي مفهوم: «المواطنة عبر الحدود»، وهو مفهوم يسمح بدراسة العلاقة بين الفرد والدولة عندما تكون الروابط الاجتماعية والثقافية والاقتصادية أوسع من المجال الترابي للدولة نفسها.
في التصور التقليدي، الانتماء يرتبط بالجنسية. لكن علم الاجتماع السياسي يبين أن الإنسان يمكن أن يحمل أكثر من دائرة انتماء. فقد يكون مواطناً إسبانياً قانونياً، ومغربياً ثقافياً، وشمالياً متوسطياً اجتماعياً، وأوروبياً اقتصادياً. ولا توجد ضرورة منطقية تلغي دائرةٌ الأخرى. وهذا يفرض على الدولة المغربية تطوير مفهوم أكثر مرونة للانتماء. فالرهان ليس بالضرورة أن تجعل سكان سبتة ومليلية يختارون بين هويتين، وإنما أن تحافظ على قوة الرابط المغربي داخل الهوية المركبة.
قضية سبتة ومليلية تتجاوز العلاقات الدبلوماسية التقليدية؛ إنها أيضاً صراع على الذاكرة. فالمغرب يمتلك رواية تاريخية حول المدينتين، بينما تمتلك إسبانيا رواية تاريخية وسياسية مختلفة. وفي مثل هذه الحالات، تصبح الذاكرة أداة من أدوات السياسة. لكن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الجانب المغربي هو: هل يمتلك المغرب استراتيجية علمية ومؤسساتية لدراسة ذاكرة سبتة ومليلية وسكانهما؟ وهنا تبرز الحاجة إلى برامج بحثية جامعية متخصصة في: تاريخ سبتة ومليلية، التحولات الديموغرافية، الهوية والذاكرة، العلاقات المغربية–الإسبانية، المجتمع الحدودي، الاقتصاد الحدودي، الهجرة والتنقل، والسياسات الثقافية.
هناك ضرورة لانتقال السياسة المغربية من «سياسة المطالبة» إلى «سياسة المطالبة والاحتضان». أي الجمع بين:
فالسياسة الذكية لا تنتظر لحظة الأزمة لكي تتذكر سبتة ومليلية، بل تبني علاقة مستمرة وطويلة المدى.
يمكن النظر إلى المدينتين باعتبارهما اختباراً لثلاثة مفاهيم أساسية:
الجواب عن هذه الأسئلة لن يتحدد بالشعارات، وإنما بقدرة المؤسسات المغربية على جعل الارتباط بالمغرب حياً وفاعلاً ومفيداً وذا معنى بالنسبة إلى الأجيال الجديدة.
مستقبل علاقة مغاربة سبتة ومليلية بالدولة المغربية لن يتحدد فقط بما تقوله الوثائق التاريخية، ولا بما تردده الخطابات السياسية، وإنما بما تستطيع الدولة والمجتمع المغربيين أن يبنيا من روابط إنسانية وثقافية ومؤسساتية. فالتاريخ يمكن أن يؤسس للانتماء، لكنه لا يستطيع وحده أن يحافظ عليه. والهوية يمكن أن تنتقل من الآباء إلى الأبناء، لكنها تحتاج إلى مؤسسات وذاكرة وثقافة. أما الاهتمام، فهو ربما العنصر الأكثر حسماً. لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: «هل سبتة ومليلية مغربيتان؟» وإنما: «كيف يحافظ المغرب على شعور سكانهما ذوي الارتباط المغربي بأن المغرب يعني لهم شيئاً في حياتهم وحاضرهم ومستقبلهم؟»
سياسة
سياسة
رياضة
سياسة