الترحال الحزبي في المغرب: سوق الأعيان الذي يعيد إنتاج النخب


هذا الخبر بعنوان "الترحال الحزبي في المغرب: “الميركاتو” الذي يعيد إنتاج الأعيان" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 4 شتنبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
وجهة نظر محمد الحرش
4 سبتمبر 2026 - 15:07
مع اقتراب كل انتخابات، يتكرر مشهد انتقال "المنتخب" من قميص حزبي إلى آخر، وتُطلق عليه تهم "الخيانة" و"الانتهازية" و"الترحال". لكن اختزال الظاهرة في أخلاق الأفراد يضيع جوهر المسألة. فانتظام هذا الترحال يجعله نتاج بنية انتخابية تجعل الانتقال خيارا عقلانيا ومربحا، ويعيد إنتاج الأعيان، بالمعنى الذي يساعد تحليل عالم الاجتماع الفرنسي ريمي لوفو (Rémy Leveau) على فهمه. إنه سلوك تتكيف من خلاله النخب المحلية والبرلمانية مع موازين القوة، وتقرأ إشارات مراكز القرار، وتستبق خرائط الأغلبية الحكومية المقبلة. في هذا السياق، لا تعود الأحزاب تعبيرا مستقرا عن اصطفافات سياسية أو أيديولوجية، بل تصبح واجهات متحركة لشبكات مصالح أكثر ثباتا. يطرح هذا تساؤلات حول كيفية تغيير "المنتخب" للحزب دون فقدان الأصوات، ومن يملك المورد الانتخابي: الحزب أم الأعيان أم من يحركهم؟ ولماذا يصبح الترحال خيارا عقلانيا ومربحا؟
من "الفلاح المدافع عن العرش" إلى المنتخب المدافع عن موقعه
في كتابه "الفلاح المغربي المدافع عن العرش" (Le fellah marocain défenseur du trône)، الذي صدر أول مرة عام 1976، لم يفكك ريمي لوفو بنية السلطة وكيفية إعادة إنتاجها فحسب، بل أوضح كيف خرجت النخب المحلية من مرحلة الاستقلال برصيد سياسي متضرر لارتباطها بإدارة الحماية، لكن قوتها الاقتصادية والاجتماعية ظلت قائمة. وفي مواجهة البورجوازية الوطنية الحضرية، أعادت الملكية الاعتبار لتلك النخب وجعلت منها ركيزة للتوازن السياسي. الأدوات التي سمحت بإعادة إنتاج هذا التحالف شملت شبكة الإدارة المحلية والهندسة الانتخابية التي راعت البنى المحلية والقبلية. هذه الخيارات أنتجت ممثلا سياسيا يستمد قوته من شبكة الوساطة المحلية أكثر من مشروعه السياسي الوطني. لم يكن الأعيان منتوجا للحزب دائما؛ بل كان الحزب يتكيف معهم. وظل التنظيم الحزبي غطاء لمؤسسات فوق بنية اجتماعية وشبكات نفوذ سبقت الحزب وظلت أقوى منه. تغيرت المفردات، لكن الآلية بقيت: القائد صار رئيس جماعة، والجماعة السلالية دائرة انتخابية، والتعيين تزكية، لكن المورد الأساسي بقي هو القدرة على تعبئة الأصوات عبر شبكة شخصية من الوساطة والنفوذ.
لماذا لا تكفي إدانة "الانتهازية"؟
الخطاب السائد يفضل التفسير الأخلاقي المبسط: منتخب يغير حزبه هو انتهازي، ونائب ينتقل هو خائن. لكن هذا التفسير قد يقلب العلاقة بين السبب والنتيجة. انتظام الظاهرة وانتشارها بين فئة محددة من الفاعلين يشير إلى وجود حوافز مؤسسية تجعلها قابلة للتكرار. من منظور "المنتخب"، قد يكون الحزب مجرد وسيلة للوصول إلى الترشيح. إذا ظهر حزب يمنح ترتيبا أفضل أو فرصة أفضل للفوز، يصبح البقاء في الحزب القديم أقل عقلانية. هنا تفشل الأخلاق وحدها في تفسير القرار، الذي تحكمه حسابات العائد الانتخابي والسياسي.
من يملك الصوت؟
في الحزب البرامجي، يكون المورد الانتخابي ملكا للتنظيم. أما في بنية الأعيان، فينقلب الأمر: المورد الانتخابي يصبح ملكا للشخص، وهو شبكة من العلاقات العائلية والمهنية والمجالية، والوساطة مع الإدارة، والقدرة على تقديم خدمات ملموسة، والقدرة المالية. عندما يحتفظ "المنتخب" بهذا المورد بعد تغيير الحزب، يصبح الحزب مجرد حامل مؤسسي للمقعد. هنا، الحزب يحتاج إلى الأعيان أكثر مما يحتاج الأعيان إليه. استعارة "الميركاتو" الانتخابي دقيقة، لكن الفارق حاسم: في السياسة، يبدو أن اللاعب هو الذي يملك بطاقة النادي، وينقل شبكته معه حين يغير القميص.
عندما تتحول الهندسة الانتخابية إلى سوق
الترحال ليس مجرد "ثقافة سياسية" متأصلة، بل هو نتاج اختيارات مؤسساتية وقانونية تجعله ممكنا ومربحا. أولا: الدوائر المحلية الصغيرة والاقتراع النسبي يفتت المقاعد ويخفض عتبة الفوز، مما يجعل المقعد قابلا للاقتناص بشبكة شخصية. ثانيا: الحكومات التي لا تُحسم مسبقا تجعل الأحزاب شركاء محتملين، مما يقلل من قيمة الانتماء الحزبي. ثالثا: استباق الأغلبية يجعل قراءة إشارات مراكز القرار مهارة سياسية ذات قيمة، ويصبح الترحال قرارا استثماريا.
انتخابات 2026: تعديل قانوني قد يعيد توجيه الحركة نحو دوائر الأعيان
تكتسب انتخابات 23 شتنبر 2026 أهمية خاصة بسبب تعديلات القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، بمقتضى القانون التنظيمي رقم 53.25. شملت التعديلات شروط الترشيح والإيداع الإلكتروني. يتكون مجلس النواب من 395 مقعدا. من بين المقتضيات التي تستحق قراءة سياسية منع من سبق انتخابه برسم دائرة انتخابية جهوية من الترشح مجددا في الإطار نفسه. قد يدفع هذا المقتضى فئة من المنتخبين نحو الدوائر المحلية، حيث تلعب الشبكات الشخصية والمحلية للأعيان دورا أكبر. يبقى السؤال: هل يكفي تغيير قواعد الترشح لتغيير طبيعة المورد الانتخابي؟
الداخلة وادي الذهب: عندما لا يرحل الشخص وحده
ما وقع بجهة الداخلة وادي الذهب يقدم حالة دالة. لم يكن الأمر مجرد انتقال رئيس مجلس الجهة من حزب إلى آخر، بل رافقه عدد من رؤساء وأعضاء الجماعات الترابية ومنتخبي الغرف المهنية. يبدو هذا أقرب إلى انتقال كتلة من العلاقات والموارد الانتخابية. الحزب المستقبِل لا يكسب منخرطا جديدا فقط، بل يكتسب جزءا من الخريطة المحلية، والحزب المغادر يفقد شبكة قادرة على إنتاج الأصوات. تحليل لوفو مفيد بعد نصف قرن: المؤسسات تغيرت، واللغة تغيرت، لكن سؤال من يملك القدرة على تعبئة الناخبين؟ ما يزال حاضرا. السجال العلني بين حزبين كبيرين حول الاستقطاب استحضر سوابق الطرف الآخر، مما يكشف أن الاستقطاب أصبح جزءا طبيعيا من قواعد اللعبة.
الترحال ليس عطب النظام… بل إحدى آليات اشتغاله
إذا وضعنا الأخلاق جانبا، يظهر الترحال كأنه ليس خللا طارئا، بل وظيفة تؤدي أدوارا محددة. يُبقي الأحزاب ضعيفة، ويحوّل الولاء من الناخب إلى مركز القرار، ويحول المنافسة من البرامج إلى المواقع، ويمنح النظام مظهرا من التجديد دون تغيير بنيته. إنه تغيير في الواجهة أكثر منه تغيير في البنية. الترحال ليس "مرض" النظام السياسي، بل إحدى آليات استمراره وتكيفه.
الكلفة التي يدفعها الناخب
فاتورة هذه السيولة يدفعها الناخب، حين لا يعود الحزب ملزما سياسيا لمن يحمل علامته، ويفقد التصويت معناه. فالناخب يصوت اليوم على شيء لا يجده غدا. ومع تكرار التجربة، يصبح العزوف نتيجة يمكن تفسيرها بعقلانية. الأحزاب تتحول إلى علامات سياسية أكثر منها مشاريع سياسية. البرلمان يدفع الثمن بدوره، فالنائب الذي يستمد قوته من شبكته المحلية لا من مشروع وطني، يكون أكثر عرضة لأن يصبح وسيطا بين دائرته ومراكز النفوذ، وأقل قدرة على بناء استقلالية مؤسساتية. كلما ضعفت الأحزاب، ضعف البرلمان؛ وكلما ضعف البرلمان، زادت قيمة شبكات الوساطة، وكلما زادت قيمة الوساطة، زادت الحاجة إلى الأعيان، دائرة مغلقة.
خاتمة: المشكلة ليست في أن السياسي يغير القميص… بل في أن القميص لا يغير اللاعب
الترحال الحزبي مرآة لبنية سياسية تتغير فيها الألوان أكثر مما تتغير موازين القوة. حين تكون الشبكة الشخصية هي التي تنتج الأصوات، يصبح الحزب مجرد قميص قابل للتبديل، وتتحول الانتخابات من إعادة توزيع للقوة إلى إعادة تسجيل لها تحت أسماء جديدة. يبقى السؤال: لماذا يستطيع "المنتخب" أن يغيّر الحزب دون أن يخسر شبكته وأصواته؟ هنا يسقط التفسير الأخلاقي للترحال. وعشية اقتراع 23 شتنبر 2026، يطرح السؤال الأكثر إزعاجا: من يملك المورد الانتخابي في المغرب، الحزب، أم الناخب، أم الأعيان…؟ فما لم يتغير صاحب المورد، ستتغير القمصان واللافتات والوجوه… وتبقى اللعبة نفسها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة