تشابك العوامل السياسية والنفسية والاجتماعية يحدد ملامح السلوك الانتخابي في المغرب


هذا الخبر بعنوان "مؤثرات سياسية واجتماعية ونفسية ترسم ملامح السلوك الانتخابي المغربي" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 6 شتنبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية، يبرز سلوك الناخبين باعتباره محصلة لتداخل مجموعة من العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية، في ظل تفاوت مستويات الوعي السياسي واختلاف طرق تمثل المواطنين للعملية الانتخابية. وبينما تتأثر اختيارات بعض الناخبين بالبرامج الحزبية وتوجهات الأحزاب السياسية، تحضر لدى آخرين اعتبارات مرتبطة بالمحيط الاجتماعي ومكانة المرشح والثقة في العملية الانتخابية برمتها، فضلا عن تأثير الرأي العام ووسائل التواصل الاجتماعي.
وعي انتخابي
وفي هذا السياق، أكد مصطفى السعليتي، أستاذ باحث في علم النفس الاجتماعي ورئيس شعبة علم النفس بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة القاضي عياض بمراكش، أن موضوع الوعي السياسي يستحق أن نتناوله من مقاربة العلوم الإنسانية والاجتماعية، نظرا لأهميته ودوره في ضمان انتخابات نزيهة وديمقراطية، خصوصا ونحن على أبواب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة في 23 شتنبر 2026.
وأضاف المتحدث ذاته، في تصريح لهسبريس، أن تناول هذا الموضوع يمكن من تشخيص مستوى الوعي السياسي بالمغرب، ومدى وجود علاقة بين هذا الوعي والاختيارات الفردية في إطار التنافس بين مجموعة من الأحزاب، إلى جانب تشخيص حضور متغيرات أساسية تضمن انتخابات نزيهة وديمقراطية، كالحرية والشعور بالمسؤولية وربط الانتخابات بالحقوق المدنية والتغيير والتنمية.
وأوضح السعليتي أن تحليل الوعي السياسي يسمح أيضا بتشخيص العوائق التي لا تسمح بالاختيار الواعي والمسؤول والحر، وتعرقل الطموح الديمقراطي في بلدنا، خاصة أن السلوك الانتخابي لا يتأثر بالعوامل والمتغيرات نفسها لدى جميع الأفراد، بالنظر إلى اختلاف مستوياتهم الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وكذلك اختلاف مستوى الوعي السياسي لديهم.
وأبرز أستاذ علم النفس الاجتماعي أن هناك متغيرات سوسيو-ديمغرافية واقتصادية وسيكولوجية تؤثر في السلوك الانتخابي، من بينها مدى ثقة المواطن في الأحزاب السياسية ومستوى ثقافته، إلى جانب العوامل النفسية وكيفية تمثل المواطنين للانتخابات؛ لذلك فإن التفسيرات التي تقدمها الأحزاب والفاعلون السياسيون بشأن نتائج الانتخابات لا يمكن أن تحيط بمختلف العوامل الحقيقية المؤثرة في السلوك الانتخابي.
وأشار الأكاديمي ذاته إلى أن ضعف هذا التفسير السياسي يتجلى، أولا، في وجود مئات الآلاف من المواطنين الذين لا يستطيعون التمييز بين برامج الأحزاب، نظرا لتعددها وتشابهها في كثير من الحالات، موردًا أنه في بعض الدول الغربية توجد اختلافات واضحة على المستوى الإيديولوجي والفكري، ما يجعل المواطن يجد نفسه في برنامج معين انطلاقا من خصوصياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
وتابع السعليتي أن الوضع يختلف في المجتمع المغربي، إذ تؤثر عوامل أخرى في السلوك الانتخابي. ولا يمكن إنكار دور مكانة المترشح داخل الوسط القروي أو القبيلة أو الجماعة التي ينتمي إليها، وسلطته الرمزية والمادية والسياسية. وعندما تكون هناك سلطة تكون هناك أحيانا علاقة أخذ وعطاء، فتتجاوز الوعود المجال السياسي لتشمل مصالح مادية أو أخرى بعيدة عن البرامج الانتخابية.
وواصل الأستاذ الجامعي ذاته بأن العوامل القبلية وسلطة الأشخاص داخل مجتمعاتهم وتأثيراتهم، إلى جانب الرصيد الاجتماعي الذي يحظى به المترشح، مازالت تؤثر في السلوك الانتخابي، فضلا عن الصورة التي يسوقها الحزب عن مجموعة من الأشخاص؛ ولذلك يمكن القول إن الأفراد لا يصوتون للحزب بقدر ما يصوتون للشخص الذي ينتمي إليه، وهو ما يفسر استمرار تأثير الشخص حتى عندما ينتقل سياسيا من حزب إلى آخر.
وشدد المتحدث نفسه على أن المواطن يجب أن يتمتع بكرامته وحريته، وألا يختزل في صوته الانتخابي أو يستغل ماديا واجتماعيا وسياسيا؛ ويجب أن يمتلك الشعور بالكرامة، وأن يدرك أن العملية الانتخابية واجب ينبغي القيام به من أجل تغيير الوضع، وليس فقط من أجل انتخاب أشخاص.
كما قال السعليتي إن المشكل يرتبط أيضا بكيفية تمثل المواطنين للانتخابات؛ فهي في كثير من الأحيان تظهر كمعركة بين الأشخاص، فيها من يفوز ومن يهزم، بدل أن ينظر إليها المواطن باعتبارها تنافسا بين برامج ومشاريع. ولذلك نقول إن فلانا فاز أو انهزم، ولا نقول إن برنامجا أو مشروعا انتصر، وهو ما يعكس ضعفا في الربط بين المسؤولية الانتخابية وتغيير الظروف الاقتصادية والاجتماعية.
وختم أستاذ علم النفس الاجتماعي تصريحه بالتأكيد على أن هناك حاجة إلى إبداع سياسي قادر على إقناع المواطنين، لأن الخطاب نفسه يتكرر في كل مرحلة، ما يدفع بعض المواطنين إلى اليأس وعدم القدرة على انتظار التغيير، فيلجؤون إلى الاستفادة المؤقتة من امتيازات ضيقة ومحلية وإدارية واقتصادية؛ لذلك لا بد من وعي سياسي يجعل المواطن يدرك أن الانتخابات مهمة لتغيير مجموعة من الأمور في حياته اليومية وفي مستقبل أبنائه.
سلوك متباين
من جانبه، قال حسن قرنفل، أستاذ علم الاجتماع، إن أغلب الناخبين يتأثرون بمحيطهم القريب، أي بمواقف أسرهم وأصدقائهم ومعارفهم وزملائهم في العمل، وأيضا بما يمكن تسميته الرأي العام السائد داخل البلد؛ وكل هذه العوامل تساعدهم على اتخاذ القرار وتبني السلوك المناسب خلال الاستحقاقات الانتخابية.
وأضاف المتحدث ذاته، في تصريح لهسبريس، أن السلوك الانتخابي لم يرق بعد إلى مستوى السلوك المدني، بمعنى أن يشعر المواطن بأن المشاركة في الانتخابات واجب عليه أداؤه، كما يقوم بواجبات أخرى، مثل أداء الضرائب وغيرها من الواجبات تجاه البلد.
وأوضح قرنفل أن سلوك المواطنين يتراوح بين الاستجابة الفعلية للنداء الموجه إلى المواطنين للمشاركة بكثافة في الاستحقاقات، والتعبير عن آرائهم واختيار ممثليهم في المجالس المنتخبة، وبالتالي التأثير في القرار السياسي، وبين نوع من اللامبالاة بهذا الحدث الأساسي في الحياة السياسية والتشكيك في مدى نجاعة العملية الانتخابية برمتها.
وأبرز أستاذ علم الاجتماع أن الأفراد متباينون ومختلفون في السلوك الذي يتبنونه بمناسبة هذه الاستخابات، فالأشخاص الذين ينتمون مثلا إلى أسر لها اهتمام بالممارسة السياسية أو انتماء حزبي أو نقابي ينخرطون في العملية الانتخابية بكل التزام ومسؤولية.
وأشار إلى أن هناك عددا كبيرا من الأسر المغربية التي لا يشكل فيها الحديث السياسي أو القضايا السياسية موضوعا أساسيا للنقاش، ولذلك يبقى أفرادها مترددين في تحديد السلوك الذي سيتبنونه خلال الانتخابات، في ظل وجود نوع من اللامبالاة التي يمكن أن تؤثر بدورها في مستوى المشاركة وفي طبيعة الاختيارات.
وختم قرنفل تصريحه بالقول إن صناع الرأي العام في المغرب يساهمون بشكل كبير في هذه العملية، فيما أغلب من يمكن تسميتهم 'المؤثرين' والمتدخلين في مواقع التواصل الاجتماعي يحملون آراء سلبية تجاه العملية الانتخابية، ويصفونها بكثير من الأوصاف التي لا تشجع المواطن على الانخراط فيها والقيام بواجبه الانتخابي.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة