المغرب
سياسة

العدالة الانتخابية: كيف نحمي المواطن الأمي من استغلال السياسي؟

العمق المغربي15 أكتوبر 2026 في 01:540 مشاهدة
العدالة الانتخابية: كيف نحمي المواطن الأمي من استغلال السياسي؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "العدل الانتخابي أولا: من يحمي الأمي من شراهة السياسي؟" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 7 شتنبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

مع كل موسم انتخابي، تتكرر مشاهد الحملات الانتخابية الصاخبة، حيث تمتلئ القاعات بالهتافات والتصفيق للقادة السياسيين. وبين هذا الحشد، يتواجد مواطنون أميون قد يشكلون نسبة لا يستهان بها، ينجرفون مع حماس اللحظة دون امتلاك الأدوات اللازمة للتحقق من المعلومات المقدمة أو مساءلة أصحابها. لا يقتصر الأمر على التصفيق للخطابات، بل يمتد ليشمل ما يُقدم كـ "إنجازات" دون قدرة المواطن على التحقق من حقيقتها، أو فهم حجمها، أو معرفة مصدر تمويلها، أو التمييز بين ما هو من المال العام وما ينسبه السياسي لنفسه.

ويزداد الأمر خطورة عندما يجد المواطن الأمي صعوبة في مساءلة السياسي عن وعوده، الحالية والسابقة. فالمساءلة الديمقراطية لا يجب أن تبدأ من الصفر في كل انتخابات. من حق المواطن أن يسأل عن الوعود السابقة، وما تم إنجازه منها، وما لم يتم، وأسباب ذلك، وتكاليف المشاريع وتمويلها. لكن هذه الأسئلة تصبح عسيرة لمن يفتقر لأدوات القراءة والبحث والرجوع للوثائق والأرقام. في هذه الحالة، يمكن للسياسي أن يعيد تقديم الوعود نفسها، ويقدم القديم كجديد، ويتحدث عن مشاريع لم تنجز وكأنها قادمة، مستغلاً غياب الذاكرة الانتخابية والمعلومة الموثقة.

إن الخطر الأكبر يكمن في دخول السياسي لكل انتخابات بسجل جديد، بينما يدخل المواطن بلا ذاكرة انتخابية موثقة. فالسياسي يجب أن يُحاسب على أقواله وأفعاله السابقة. هنا يبرز سؤال جوهري: هل نحمي حق الأمي في التصويت، أم نحميه من استغلال السياسي لأميته؟ الأمية ليست عيباً، بل واقع اجتماعي وتعليمي يجب معالجته. لكن المشكلة تكمن عندما تتحول هذه الأمية إلى ثغرة سياسية يستغلها البعض، فيخاطبون العاطفة بدلاً من العقل، ويقدمون الشعارات بدلاً من التفاصيل، والوعود بدلاً من الأرقام.

قد يدعي السياسي أنه يشرح برامجه للمواطنين دون اشتراط قراءتها، لكن هل الاستماع للبرنامج يكفي لتقييمه ومناقشته ومساءلة صاحبه؟ شرح البرنامج في مهرجان انتخابي لا يمنح المواطن القدرة على التحقق من وعوده، أو مقارنتها بالمنافسين، أو معرفة التكاليف والتمويل، أو مساءلة الحزب لاحقاً. السياسي يمتلك المعلومة والخبرة وفريقاً لإعداد الخطاب، بينما قد يعتمد الناخب الأمي على ما يسمعه في لحظة عابرة. هنا تتحول الأمية من مشكلة وطنية إلى رأسمال انتخابي، حيث يسهل التأثير على من لا يستطيع المقارنة أو التحقق.

إن ضعف المواطن يصبح وسيلة لقوة السياسي. نرى انبهاراً بدخول القادة السياسيين أكثر من مناقشة برامجهم، وتصفيقاً للشخص قبل المشروع، واحتفاءً بالخطاب قبل السؤال عن كلفته. يصبح المهرجان الانتخابي فضاءً لصناعة التأثير النفسي بدلاً من تقديم البرامج. لذلك، أقترح إعادة النظر مؤقتاً في مشاركة الأمي في الانتخابات، في إطار قانوني ومجتمعي، حتى القضاء على الأمية. قد يُعتبر هذا إقصاءً، لكن الحل قد يكون في تمكين المواطن وتوفير شروط الاختيار الواعي له، لا في معاقبته على أميته. الهدف هو منع السياسي من تحويل الأمية إلى وسيلة للاستيلاء على صوته.

العدل لا يعني مجرد إعطاء ورقة اقتراع، بل يقتضي حماية الفئات الأكثر عرضة للاستغلال وتمكينها من المشاركة الواعية. المسؤولية الأولى تقع على الدولة والمجتمع والأحزاب في القضاء على الأمية ونشر الوعي السياسي وتبسيط المعلومات. كما يجب على الدولة جعل الذاكرة الانتخابية متاحة للجميع: وعود المنتخبين، ما أنجزوه، أسباب التعثر. المواطن يحتاج لمعلومة واضحة لمقارنة الوعود بالنتائج. ترك الأمية متفشية واستثمارها انتخابياً، مع نسيان الوعود القديمة، هو الخلل الذي يجب مناقشته بجرأة.

ما قيمة انتخابات يكثر فيها عدد الأصوات إذا كان بعضها يُصنع بالمال أو الحاجة أو الجهل أو الانبهار؟ الديمقراطية ليست مهرجاناً للتصفيق أو سباقاً لملء القاعات. الديمقراطية الحقيقية هي أن يعرف المواطن من يختار وماذا يختار ولماذا، وأن يكون قادراً على محاسبة من منحه صوته. السياسي الذي يطلب الثقة اليوم يجب أن يجيب عن أسئلة الأمس. حماية الأمي ليست انتقاصاً، بل دفاع عن كرامته وإرادته الحرة. المشكلة ليست في الأمي الذي لا يعرف، بل في السياسي الذي يستغل جهله. السؤال هو سؤال عدل: هل نريد ناخباً يختار بوعي، أم مجرد صوت؟ حماية الإرادة الحرة من الاستغلال يجب أن تسبق الاحتفال بعدد الأصوات. ومن يحمي الأمي من شراهة السياسي، يحمي نزاهة الانتخابات وكرامة المواطن والديمقراطية.

شارك الخبر: