المغرب
سياسة

الثقافة في الانتخابات المغربية: بين الوعود الاقتصادية وغياب الأولويات

العمق المغربي15 أكتوبر 2026 في 02:500 مشاهدة
الثقافة في الانتخابات المغربية: بين الوعود الاقتصادية وغياب الأولويات

تنويه

هذا الخبر بعنوان "بين وعود الشغل والقدرة الشرائية.. أين اختفت الثقافة من السباق الانتخابي؟" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 6 شتنبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في خضم تنافس الأحزاب السياسية المغربية على تقديم برامجها الانتخابية، والتي تركز بشكل لافت على القضايا الاقتصادية والاجتماعية مثل تحسين القدرة الشرائية، دعم الشباب، وخلق فرص الشغل، وتعزيز الاستثمار، والإصلاحات الكبرى، يبرز غياب شبه تام للثقافة والفنون كمحور أساسي في هذا السباق. سواء من حيث المساحة المخصصة لها في البرامج أو من حيث طبيعة الالتزامات المقترحة للنهوض بالقطاع، تبدو الثقافة في موقع متأخر مقارنة بالملفات الاقتصادية والاجتماعية الملحة.

وحتى الآن، ومع استمرار الأحزاب في الكشف عن برامجها، لا تظهر الثقافة والفنون ضمن المحاور البارزة في غالبية هذه البرامج. باستثناء مقاربات أكثر وضوحاً وتفصيلاً لدى حزبي التقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فإن التصورات المعلنة تميل إلى التركيز على الملفات الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية الكبرى، بالإضافة إلى قضايا الشباب والشغل والخدمات العمومية. هذا الغياب لا يعني بالضرورة انعدام ذكر الثقافة تماماً في الخطاب الانتخابي، بل يتعلق بمدى تحولها إلى التزامات سياسية واضحة، قابلة للقياس والتنفيذ، ومدعومة بموارد مالية وحكامة محددة.

هذه المسألة تعيد إلى الواجهة سؤال موقع الثقافة في سلم الأولويات العمومية، خاصة في بلد شهد خلال السنوات الأخيرة استثمارات ومشاريع ومؤسسات في مجالات السينما والمسرح والتراث والصناعات الثقافية والإبداعية. فالثقافة لا تقتصر على الإنتاج الفني أو تنظيم المهرجانات، بل تمتد لتشمل التعليم والتنشئة، وحماية الذاكرة الجماعية، وتنمية الأقاليم، وخلق فرص الشغل، وتطوير الصناعات الإبداعية، وتعزيز صورة المغرب خارجياً. إن محدودية حضورها في البرامج الحزبية يفتح نقاشاً أوسع حول ما إذا كانت الأحزاب تنظر إلى القطاع باعتباره مجالاً تنموياً قائماً بذاته، أم ملفاً ثانوياً يمكن تأجيله أمام ضغط الأولويات الاقتصادية والاجتماعية.

التقدم والاشتراكية: الثقافة كحق ومحرك للتنمية

يقدم حزب التقدم والاشتراكية تصوراً مفصلاً للقطاع الثقافي ضمن برنامجه، حيث يخصص محوراً بعنوان “الثقافة والفنون: حق كوني، رافعة للتنمية وركيزة للعيش المشترك”. ينطلق الحزب من اعتبار المغرب صاحب رصيد ثقافي استثنائي، لكنه يسجل أن هذه الثروة لا تزال غير مستثمرة بالقدر الكافي، مع استمرار تفاوتات مجالية في الولوج إلى هذا الرأسمال اللامادي الوطني.

يقترح الحزب إقرار ميثاق وطني للثقافة يجعلها ملكاً جماعياً مشتركاً ومتاحاً للجميع، وركيزة للمواطنة، وأداة لتعزيز السيادة الوطنية، ومحركاً للنمو ورافعة للإشعاع. وفي شق “الثقافة للجميع”، يتعهد الحزب بإقرار إلزامية التربية الفنية في جميع المؤسسات التعليمية، ومضاعفة متوسط زمن القراءة لدى كل مواطن خمس مرات، واعتماد قراءة إلزامية لكتاب واحد كل ثلاثة أشهر داخل المؤسسات التعليمية. كما يقترح تمكين مليوني أسرة ذات دخل محدود من “قسيمة ثقافية” معفاة من الضرائب بقيمة ألف درهم سنوياً، مما يسمح لهذه الأسر بالاستفادة من المنتجات والخدمات الثقافية، فضلاً عن إقرار “يوم اللباس التقليدي” مرة كل شهر، بهدف إبراز مهارات الصناع التقليديين المغاربة وتثمين الفن المغربي.

لا يقتصر تصور الحزب على توسيع الولوج إلى الثقافة، بل يربط القطاع مباشرة بالتنمية الاقتصادية. ويقترح رفع نسبة الإقبال على المواقع الثقافية بـ50%، وإنشاء 300 مرفق ثقافي للقرب و100 فضاء ثقافي متعدد الوظائف، مع إعادة تأهيل جميع المؤسسات الثقافية المغلقة. وفي مجال الصناعات الثقافية والإبداعية، يطمح البرنامج إلى رفع مساهمة القطاع إلى 4% من الناتج الداخلي الإجمالي، وإحداث 150 ألف منصب شغل، إلى جانب مواكبة ألف شركة ناشئة في المجال الثقافي من خلال الاحتضان والتمويل، ودعم تصدير المنتجات الثقافية المغربية.

على مستوى الحكامة، يقترح الحزب رفع الموارد المالية المخصصة للثقافة إلى ما يعادل 1% من إجمالي الإنفاق العمومي، واعتماد قانون بمثابة النظام الأساسي للفنان والمؤلف، مع تمكينهما من نظام خاص للحماية الاجتماعية. ويتضمن التصور كذلك تكوين 5 آلاف أستاذ في الفنون، ورقمنة وجرد التراث الوطني، مع تسجيل 200 عنصر تراثي إضافي سنوياً. يقدر الحزب الغلاف المالي الإضافي لتنفيذ هذه الالتزامات بـ20 مليار درهم على مدى خمس سنوات، مما يجعل الثقافة، وفق هذا التصور، قطاعاً يتجاوز الدعم الظرفي للأنشطة الفنية نحو الاستثمار في البنية الثقافية والموارد البشرية والصناعات الإبداعية والتراث.

الاتحاد الاشتراكي: بنية ثقافية وإنتاج فكري وعدالة مجالية

يضع حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الثقافة ضمن التزاماته الانتخابية، من خلال محور يحمل عنوان “ثقافة حية، بنية تحتية، إنتاج فكري وعدالة مجالية ثقافية”. يقدم البرنامج مجموعة من الإجراءات المرتبطة بتوسيع البنية الثقافية ودعم الإنتاج الفكري وتحقيق العدالة المجالية.

يتضمن البرنامج إحداث وتجديد 50 قاعة سينمائية و50 مسرحاً بمختلف الجهات، في تصور يربط الاستثمار في البنية التحتية الثقافية بخلق فرص الشغل والحد من البطالة. كما يقترح دعم إصدار 5 آلاف عنوان سنوياً، ورقياً ورقمياً، مع تخصيص منح مباشرة للكتاب والأدباء ودور النشر، بما يعكس توجهاً نحو دعم سلسلة الإنتاج الثقافي، وليس الاقتصار على تمويل التظاهرات والأنشطة. ويشمل التصور أيضاً إحداث 200 مكتبة عمومية ومكتبات للقرب، مع رقمنة محتوياتها وتوفير الولوج المجاني للطلبة، إلى جانب رفع ميزانية القطاع الثقافي إلى ما يعادل 1% من الميزانية العامة للدولة.

واكريم: الثقافة والفن لم يتحولا إلى أولوية سياسية

يرى الناقد الفني عبد الكريم واكريم أن حضور الثقافة والفن في البرامج السياسية المغربية ظل، في حالات كثيرة، محدود الأثر، سواء حضرت الثقافة بشكل مباشر أو غابت عن البرامج. ويعتبر أن وجود الفنانين داخل المشهد الحزبي لم يؤد بالضرورة إلى تغيير ملموس في موقع القطاع ضمن السياسات العمومية.

صرح واكريم لـ”العمق” بأن الثقافة والفن ظلا لدى حكومات وأحزاب متعاقبة يُنظر إليهما باعتبارهما نوعاً من الترف، وليس باعتبارهما من الأولويات الأساسية. وهذا التصور ينعكس -بحسبه- حتى في النقاش العمومي وآراء جزء من المجتمع تجاه أهمية القطاع.

وشدد الناقد على أن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده، لأن الثقافة والفن يمثلان غذاء للروح والفكر، ولا يمكن اختزال حاجات المجتمع في الجانب المادي فقط. وأشار إلى أن استمرار التعامل مع الثقافة بهذه النظرة يحرم المجتمع من أحد عناصر بناء الإنسان وتطوير وعيه وذائقته وقدرته على التفكير والإبداع.

قارن واكريم هذا الوضع بما هو قائم في دول ذات تقاليد ثقافية وفنية عريقة، حيث يحظى المفكرون والمثقفون والفنانون بمكانة اعتبارية، وتتحول الأمكنة التي عاشوا فيها أو ارتبطت بتجاربهم إلى متاحف ومزارات وفضاءات تستقطب الزوار وتتحول بدورها إلى جزء من الاقتصاد الثقافي. ويرى الناقد أن المغرب لا يزال في حاجة إلى قطع أشواط أكبر في هذا المجال، معتبراً أن الثقافة، سواء حضرت في البرامج الانتخابية أو غابت عنها، لم تتحول بعد إلى أولوية سياسية ذات أثر حقيقي وملموس.

وأشار واكريم إلى أن انضمام بعض الفنانين إلى المشهد السياسي بألوان مختلفة لم يساعد على إحداث التحول المطلوب في وضع الثقافة والفن. وشدد على أن توظيف الوجوه الفنية خلال الحملات الانتخابية قد يظل، في بعض الحالات، مرتبطاً بالصورة والتواصل واستقطاب الجمهور أكثر من ارتباطه برؤية واضحة للسياسة الثقافية.

شارك الخبر: