سبتة ومليلية: جرح تاريخي مفتوح يعيد إشعال التوتر بين المغرب وإسبانيا


هذا الخبر بعنوان "سبتة ومليلية تعيدان فتح جرح قديم بين الرباط ومدريد" نشر أولاً على موقع اليوم 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 6 شتنبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عاد ملف سبتة ومليلية ليحتل واجهة العلاقات المغربية الإسبانية، هذه المرة من خلال البرلمان الإسباني. فقد كشف رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، عن احتجاج رسمي من مدريد لدى الرباط على تصريحات أدلى بها وزيرا العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية المغربيين بشأن المدينتين. وأوضح سانشيز أمام النواب أن الحكومة الإسبانية استدعت السفيرة المغربية في مدريد، كريمة بنيعيش، في 21 غشت الماضي، على خلفية ما وصفه بتصريحات «غير مقبولة». إلا أن التفاصيل اللاحقة صححت معلومة مهمة؛ إذ لم تكن السفيرة المغربية موجودة في إسبانيا آنذاك، مما استدعى حضور القائم بالأعمال في السفارة المغربية إلى وزارة الخارجية الإسبانية لتلقي الاحتجاج. وأكدت الخارجية الإسبانية أن هذا الإجراء تم وفق الأعراف الدبلوماسية واتفاقية فيينا، وأن غياب السفيرة لا يغير من طبيعة الاستدعاء أو قيمته الدبلوماسية.
حتى الآن، لم تنشر الخارجية الإسبانية تفاصيل ما دار بين مسؤوليها والقائم بالأعمال المغربي، كما لم يصدر محضر رسمي مغربي يتضمن رده على الاحتجاج الإسباني. لكن الاحتجاج جاء في سياق تأكيد مدريد على أن سبتة ومليلية مدينتان إسبانيتان، بينما يؤكد التاريخ والجغرافيا أن المدينتين مغربيتان تحت الاحتلال الإسباني. وتعتبر تصريحات المسؤولين المغاربة بشأن الحقوق التاريخية والجغرافية للمغرب في المدينتين مشروعة.
في اليوم نفسه الذي ارتبط فيه الاستدعاء الإسباني بتصريحات وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي، أعاد الأخير التأكيد على أن المغرب يعتبر سبتة ومليلية حقاً تاريخياً وجغرافياً له. ولم يطرح وهبي، في التصريح الذي نقلته وكالة الأنباء الإسبانية «إفي»، خيار المواجهة أو التصعيد، بل دعا إلى إنشاء آلية للحوار مع إسبانيا لمناقشة مستقبل المدينتين. وقال إن قضية سبتة ومليلية ستظل موضوعاً للحوار بين المغرب وإسبانيا، مع تمسك الرباط بحقها التاريخي والجغرافي، واقترح إنشاء لجنة أو آلية للحوار حول القضية.
هذه النقطة مهمة في فهم الموقف المغربي؛ فالرباط، من جهة، لا تتراجع عن موقفها التاريخي من المدينتين، ومن جهة أخرى، تطرح الحوار كوسيلة لمعالجة الملف. الموقف المغربي يجمع بين الثبات على المبدأ والانفتاح على الحوار. وهنا يكمن اختلاف قراءة الرباط عن قراءة مدريد. فبالنسبة إلى مدريد، مجرد الحديث الرسمي المغربي عن «استرجاع» سبتة ومليلية «يمس بشكل مباشر السيادة الإسبانية» المزعومة. أما في الرباط، فإن الحديث عن المدينتين يُقدَّم في إطار قضية ترابية وتاريخية غير محسومة. الأخبار التي رشحت تفيد بأن القائم بالأعمال المغربي لم يكن في موقع دفاع، بل أعاد تأكيد الموقف التاريخي والسيادي الثابت للمملكة المغربية.
إسبانيا أبلغت احتجاجها، والدبلوماسي المغربي استمع ونقل الموقف إلى الرباط، بينما ظل الموقف المغربي المعلن ثابتاً على اعتبار القضية تاريخية وسيادية مع الدعوة إلى الحوار. في نفس الوقت، وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أعلن أن التواصل مع نظيره المغربي ناصر بوريطة كان مستمراً، وأن الرسائل المتعلقة بموقف مدريد من سبتة ومليلية نُقلت عبر القنوات الدبلوماسية. هذا يعني أن القضية لم تكن محصورة في لقاء واحد داخل وزارة الخارجية الإسبانية، بل كانت جزءاً من اتصالات سياسية ودبلوماسية مباشرة بين الرباط ومدريد.
أهمية عدم تضخيم الاستدعاء تظهر هنا؛ فلو كانت الرباط ومدريد تتجهان نحو أزمة، لكانت المؤشرات الدبلوماسية أكثر خطورة. استمرار الاتصال بين وزيري الخارجية يشير إلى أن الطرفين، رغم الخلاف، يفضلان إدارة الأزمة بدلاً من تفجيرها. المواقف المغربية المعلنة يمكن تلخيصها في ثلاث رسائل: أولاً: المغرب لا يتخلى عن موقفه التاريخي بشأن سبتة ومليلية. ثانياً: الرباط لا تقدم القضية كذريعة لمواجهة مع إسبانيا، بل تطرح الحوار كإطار لمعالجة مستقبل المدينتين. ثالثاً: الخلاف حول السيادة لا ينبغي أن يؤدي إلى نسف العلاقات المغربية الإسبانية أو التعاون بين البلدين في ملفات أخرى.
البلدان يختلفان حول قضية سيادية حساسة، لكنهما يحتاج كل منهما إلى الآخر. إسبانيا تحتاج إلى التعاون المغربي في ملفات الهجرة والأمن ومكافحة الجريمة المنظمة. والمغرب لديه مصالح اقتصادية وتجارية وأمنية واستراتيجية كبيرة مع إسبانيا. السؤال الحقيقي الآن هو: أمام الهجمات اللاأخلاقية والعنصرية ضد المغرب، هل سيتمكن العقلاء في إسبانيا من احتواء أزمة سبتة دون الوقوع في أزمة شاملة مع المغرب؟ حتى الآن، الإجابة أقرب إلى نعم. فسبتة ومليلية تظلان جرحاً تاريخياً مفتوحاً، لكن الجرح لا يعني بالضرورة حرباً. التحدي الحقيقي أمام الرباط ومدريد هو أن تتعايش قضية السيادة المختلف عليها مع حاجة البلدين إلى شراكة مستقرة. القائم بالأعمال المغربي لم ينقل أي تراجع عن موقف المغرب، ومدريد الرسمية، رغم احتجاجها، لم تغلق أبواب الحوار. القصة هي قصة دولتين جارتين تختلفان بشدة حول ملف سبتة المحتلة، لكنهما تعرفان أن مصلحتهما المشتركة تفرض عليهما ألا يتحول الخلاف إلى قطيعة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة