برامج الأحزاب الانتخابية: هل تتحول الوعود إلى عقود قابلة للمحاسبة؟


هذا الخبر بعنوان "برامج شتنبر الانتخابية.. هل تتحول الصحوة الشعبية إلى “دفتر تحملات” يُحاسب الأحزاب؟" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 7 شتنبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: وفاء توفيق - صحافية متدربة
مع اقتراب موعد الانتخابات في 23 سبتمبر، بدأت الأحزاب السياسية المغربية في الكشف عن برامجها الانتخابية، مقدمة رؤاها وخططها لكسب ثقة الناخبين. تأتي هذه البرامج في ظرفية اقتصادية واجتماعية دقيقة، مما يجعل تقييم واقعيتها وقابليتها للتنفيذ أمراً بالغ الأهمية. لم يعد المواطن المغربي يكتفي بالشعارات العامة، بل يبحث عن إجابات واضحة حول قضايا تمس حياته اليومية مباشرة، مثل فرص العمل، القدرة الشرائية، التعليم، الصحة، الحماية الاجتماعية، العدالة المجالية، والاستثمار. وبينما تتنافس الأحزاب في تقديم حلولها، يبرز سؤال جوهري: هل نحن أمام برامج انتخابية قابلة للتنفيذ والقياس، أم أمام وعود متكررة؟
أكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، عبد العالي بلياس، أن الناخب يطرح سؤالاً أكثر جوهرية قبل تقييم البرامج: على من سيصوت؟ هل للشخص، أم للحزب، أم للبرنامج؟ وأوضح بلياس أن التصويت للحزب يعني أن المرشح والبرنامج قد يصبحان ثانويين، حيث يصوت الناخب لمشروع سياسي وفكري. أما التصويت للشخص، فتصبح الاعتبارات المرتبطة بشخصية المرشح وامتداداته الاجتماعية أكثر تأثيراً. وفي حال كان البرنامج هو المحدد الرئيسي، فإن المقارنة تصبح أكثر تعقيداً، حيث تكشف قراءة البرامج عن تقاطع كبير في تشخيص المشاكل والأهداف النهائية، وإن اختلفت الأدوات والمقاربات. تتكرر في العديد من البرامج عناوين مثل دعم الاستثمار، تحسين القدرة الشرائية، خلق فرص الشغل، تعزيز الحماية الاجتماعية، وتحقيق العدالة المجالية، وهي أهداف لم تكن غائبة عن البرامج السابقة.
وأشار بلياس إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات جديدة، منها ارتفاع الأسعار، تفاقم الضغوط على القدرة الشرائية، ارتفاع معدلات البطالة، تداعيات الجفاف، وتنامي النقاش حول تضارب المصالح ونجاعة السياسات العمومية. وهنا ينتقل النقاش من "ماذا ستفعل الأحزاب؟" إلى "كيف ستفعل ذلك؟" وبأي كلفة؟ وفي أي مدة؟ ومن سيتحمل المسؤولية؟
أكد المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي، محمد أمين سامي، أن المطالب الشعبية أصبحت أكثر ارتباطاً بالأرقام والمخططات الزمنية ومؤشرات قياس النتائج. فالشاب المغربي يريد فرص عمل حقيقية، والأسر تنتظر خدمات صحية وتعليمية عمومية تلبي احتياجاتها. ويرى مراقبون أن البرنامج الانتخابي الجدي يجب أن يحدد الإجراءات العملية، والآجال الزمنية، ومؤشرات قياس الأداء، ومصادر التمويل، وآليات تدبير المخاطر.
وأوضح سامي أن الوعد بخلق مليون منصب شغل، مثلاً، لا يكتسب قيمته إلا بالكشف عن القطاعات المستوعبة، وحجم الاستثمار الضروري، ومعدل النمو المفترض، والمدة الزمنية، ومدى قدرة الاقتصاد على إنتاج وظائف مستدامة. وبالمثل، فإن الإعلان عن بناء مستشفيات أو جامعات جديدة لا يكفي دون خريطة واضحة للموارد البشرية والتجهيزات.
تكشف قراءة البرامج الانتخابية عن تقاطع واضح في الأهداف الكبرى: خلق مليون منصب شغل، حماية القدرة الشرائية، إصلاح منظومتي الصحة والتعليم، تعزيز العدالة المجالية، وتقوية السيادة الاقتصادية. لكن الاختلاف الأبرز يظهر في الأدوات المقترحة، فيما تبقى البرمجة الزمنية، وتحديد المسؤوليات، واختبار مصادر التمويل، من بين أبرز نقاط الضعف المشتركة.
وتبرز خمس إشكالات مترابطة: أولها، أن رفع الأجور أو توسيع الدعم الاجتماعي دون رفع الإنتاجية قد يؤدي إلى زيادة الطلب والضغط على الأسعار. وثانيها، أن الاستثمار في البنيات التحتية لا يضمن تحسين جودة الخدمات دون موارد بشرية مؤهلة. أما ثالثها، فيرتبط بالقطاع الفلاحي والصادرات، حيث إن دعم الإنتاج دون مراعاة الميزانيات المائية قد يزيد من حدة الإجهاد المائي. ورابعها، يتعلق بتمويل المشاريع من موارد الجماعات الترابية، مما قد يؤثر على استثماراتها المحلية. أما الإشكال الخامس، فيتعلق بإدراج أوراش ومشاريع وطنية قائمة ضمن الوعود الانتخابية الجديدة، مما يطرح ضرورة التمييز بين الالتزام الجديد والمشروع المبرمج مسبقاً.
إذا كانت البرامج الانتخابية تتنافس في حجم الوعود، فإن السؤال الأكثر حساسية يظل مرتبطاً بمصادر التمويل. أصبح المواطن المغربي أكثر وعياً بالمعادلات الاقتصادية والمالية، ولم يعد من السهل إقناعه ببرامج تتحدث عن زيادات في الأجور ودعم الاستثمار دون شرح مصادر التمويل. وهنا تكمن أهمية الانتقال من "البرنامج الانتخابي" إلى "دفتر تنفيذ" واضح، يجيب عن أسئلة حاسمة: كم ستكلف كل التزام؟ ما مصدر التمويل؟ ما المؤسسة المسؤولة؟ ما الجدول الزمني؟ وما المؤشرات؟ بدون هذه العناصر، يصبح من الصعب التمييز بين وعد انتخابي قابل للتنفيذ ووعد سياسي.
تعكس البرامج الانتخابية فهماً معقولاً للتحديات الراهنة، وتتضمن بعض المقترحات المبتكرة. لكنها في مجموعها، لم تتحول بعد إلى "عقود حكومية" مكتملة العناصر. تبرز اختلافات بين المقاربات الحزبية؛ فقد قدمت أحزاب مثل الأصالة والمعاصرة والتقدم والاشتراكية مستوى أكبر من التكميم المالي لبعض مقترحاتها. حزب الاستقلال يقدم رؤية ذات طابع سيادي، لكن تفاصيل الهندسة المالية أقل وضوحاً. أما حزب التجمع الوطني للأحرار، فيستفيد من عنصر الاستمرارية، لكن هذا يضعه أمام مسؤولية تقديم حصيلة دقيقة لما تحقق خلال الولاية السابقة.
يرى أستاذ العلوم السياسية أن الحزب الذي يطلب تمديد الثقة لا يخضع فقط لاختبار البرنامج، بل أيضاً لاختبار الحصيلة.
يؤكد محمد أمين سامي أن جزءاً من النقاش الانتخابي لا يرتبط بالبرامج وحدها، بل بصورة المرشح ودوره بعد الوصول إلى البرلمان. فالمواطن يبحث عن منتخب يجيد الإنصات، ويبقى مرتبطاً بمشاكل مجتمعه، ولا يتعامل مع الانتخابات كوسيلة لتحقيق مصالح شخصية. الثقة الانتخابية تُبنى أيضاً بمدى التزام المنتخب تجاه المواطنين. ينتظر المغاربة من ممثليهم أن يظلوا قريبين من المجتمع، وأن يشرحوا لهم الخيارات الصعبة، وأن يدافعوا عن مصالحهم.
لا يمكن قراءة البرامج الانتخابية بمعزل عن برامج ومشاريع الدولة الكبرى. فالمغرب مقبل على أوراش استراتيجية تمتد لسنوات. ويرى عبد العالي بلياس أن جزءاً من الوعود الانتخابية يجب أن يوضح موقعه داخل هذه المشاريع الوطنية القائمة، حتى لا تتحول البرامج الحزبية إلى إعادة تقديم أوراش سبق إطلاقها. ونبه بلياس إلى أهمية التمييز بين ما هو منجز أو مبرمج في إطار سياسات الدولة، وما يقترحه الحزب من إضافات وتعديلات. المشاركة في إعداد البرنامج لا تكفي، فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد إعلان البرنامج، حين يتحول من وثيقة سياسية إلى التزامات قابلة للتتبع والتقييم والمحاسبة.
يرى بلياس أن التحدي أمام الأحزاب لا يتمثل فقط في إقناع الناخب بأن برنامجها أفضل، بل في إقناعه بأن لديها القدرة السياسية والمؤسساتية والمالية على تنفيذه. تبدو البرامج الانتخابية متقاربة في تشخيص التحديات، ومختلفة في الأدوات والمقاربات. لكنها تظل أقرب إلى تصورات سياسية طموحة منها إلى خطط حكومية مكتملة الأركان. إذا كانت الانتخابات هي لحظة طلب الثقة، فإن البرنامج الانتخابي يجب أن يكون أساساً لعلاقة جديدة بين الناخب والمنتخب، قوامها الالتزام والشفافية والمحاسبة. وبين البرامج المكتوبة وانتظارات الشارع، يبقى صندوق الاقتراع هو الفيصل. لكن الوعي الشعبي المتزايد يجعل من الصعب اختزال المنافسة الانتخابية في الشعارات. فالمواطن يريد "المعقول"، ويريد أن يعرف كيف سيتحول الكلام إلى فعل، والوعد إلى نتيجة، والبرنامج إلى حصيلة يمكن محاسبة أصحابها عليها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة