المغرب
سياسة

انزياح دور الدولة المعاصرة: من المشروعية الدستورية إلى منطق السوق والمقاولة

العمق المغربي8 شتنبر 2026 في 11:060 مشاهدة
انزياح دور الدولة المعاصرة: من المشروعية الدستورية إلى منطق السوق والمقاولة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "تحول وظيفة الدولة: من المشروعية الدستورية إلى منطق المقاولة" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 8 شتنبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تشهد الممارسة السياسية والدستورية المعاصرة تحولات عميقة في فلسفة تدبير الشأن العام، حيث تجاوز التنافس السياسي مجرد الاختلاف البرامجي في ظل التعددية الحزبية ليطال الثوابت الدستورية المرتبطة بـ«الخيار الديمقراطي». لقد تراجعت الفكرة المؤسسة للمشروعية السياسية والقائمة على «التعاقد الدستوري والسيادة الشعبية»، ليصعد نموذج مستعار من أدوات «المقاولة الفردية» وميكانيزمات السوق، مما أدى إلى إعادة صياغة ممارسة السلطة لتصبح تدبيراً إجرائياً لمشاريع ومؤشرات كمية.

يوضح المفكر ميشيل فوكو، ومن بعده بيير داردو وكريستيان لافال، هذا الانزياح عبر مفهوم «استبطان عقلانية المقاولة المعممة»؛ إذ تتخلى الدولة عن دورها كضامن للمصلحة العامة لتتحول إلى فاعل مقاولاتي يفرض معايير المردودية الاقتصادية. ويهدد هذا التحول الأساس الفلسفي للدولة الدستورية التي تأسست وفق «العقد الاجتماعي» عند جان جاك روسو لتعبر عن «الإرادة العامة» وتحقيق العدالة والمساواة، بعيداً عن منطق المعاوضة النفعية أو الحسابات الضيقة للمسير الفردي.

كما يتعارض هذا التوجه مع مبدأ المرفق العام لدى الفقيه ليون دوغي، الذي يؤكد أن مشروعية الدولة ترتكز على خدمة «التضامن الاجتماعي» وحماية الفئات الهشة، وهي وظائف يعجز منطق السوق عن تلبيتها. وفي مقابل المبدأ الدستوري القائم على ممارسة الأمة لسيادتها عبر ممثليها، يكرس منطق المقاولة تراتبية تكنوقراطية تفضل الفاعلية الإجرائية على المساءلة السياسية، مما ينعكس سلباً على الوظيفة الرقابية للبرلمان وإفراغ آلياتها مثل «ملتمس الرقابة» من محتواها.

ويشير الفيلسوف يورغن هابرماس إلى أن هذا الوضع يفاقم «أزمة الشرعية» نتيجة لاختراق الاقتصاد والبيروقراطية التقنية للفضاء العمومي، بينما يحلل آلان سوبيو ظاهرة «الحكامة بالأرقام» التي تحول المواطنين إلى أرقام وملفات إدارية عبر الخوارزميات والسجل الاجتماعي الموحد. كما تتراجع «الدولة الحامية والراعية» لصالح «الدولة الضابطة أو التدبيرية» وفقاً لتعريف جاك شوفالييه، من خلال التوسع في التدبير المفوض والشراكات التي تقوض المبادئ الأساسية للمرافق العمومية.

وفي الختام، فإن استنساخ نموذج المقاولة لحكم الدولة يمثل تناقضاً جوهرياً؛ فالأولى تحكمها غاية الربح المادي، بينما ترتبط الدولة بالمواطن عبر رابطة «مواطنة وسيادة» غايتها حفظ السلم والتماسك الاجتماعي. ولتصحيح هذا الانحراف، لا بد من استعادة أسبقية السياسي على الاقتصادي وسمو التعاقد الدستوري على إملاءات السوق.

شارك الخبر: