المغرب
سياسة

سبتة 2026: أزمة الهجرة، السيادة، والمسؤولية.. ما وراء الأرقام؟

العمق المغربي14 أكتوبر 2026 في 21:560 مشاهدة
سبتة 2026: أزمة الهجرة، السيادة، والمسؤولية.. ما وراء الأرقام؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "سبتة ومعركة السيادة والأمن.. ماذا تغيّر بين الرباط ومدريد وبروكسل؟" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 8 شتنبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم تكن موجة العبور إلى سبتة في 30 و 31 يوليو 2026 مجرد أزمة حدودية عابرة أو مأساة إنسانية يمكن حصرها في أعداد الضحايا. فقد شهدت المدينة، التي يقل عدد سكانها عن 84 ألف نسمة، عبور أكثر من 72 ألف شخص، معظمهم مغاربة، خلال أقل من 48 ساعة. وبينما كانت أجهزة الأمن تواجه تدفقاً بشرياً استثنائياً، تحولت الحدود والبحر إلى مسرح لمخاطر حقيقية أودت بحياة عشرات الأشخاص.

إن قراءة هذا الحدث من زاوية أمنية بحتة ستكون قاصرة، كما أن اختزاله في البعد الإنساني سيحجب أسئلة جوهرية: كيف تشكلت موجة بهذا الحجم بهذه السرعة؟ متى التقطت أجهزة الدولة الإشارات الأولى؟ وهل كانت إجراءات الوقاية وإدارة الحشود وحماية الأرواح متناسبة مع حجم الخطر؟ وماذا تكشف هذه الموجة عن واقع اجتماعي جعل عشرات الآلاف مستعدين للمخاطرة بحياتهم عند ظنهم بفتح نافذة للعبور؟

بالمقارنة مع مايو 2021، حيث لم تتجاوز موجة العابرين 8 آلاف شخص خلال يومين، اقتربت موجة يوليو 2026 من تسعة أضعاف هذا الرقم. ومع ذلك، فإن الرقم الأكبر لا ينبغي أن يقود إلى اتهامات جاهزة، بل إلى سؤال أكثر دقة: كيف تتصرف الدولة عندما يتحول تدفق بشري مفاجئ إلى أزمة أمنية وإنسانية في آن واحد؟

تزداد الصورة تعقيداً مع عودة أكثر من 48,300 شخص إلى المغرب، كثير منهم طوعاً. هذا المعطى لا يلغي خطورة الهجرة الجماعية، لكنه يشير إلى أن جزءاً مهماً من المشاركين لم يكن لديهم مشروع هجرة مستقر، بل كانوا يتفاعلون مع فرصة اعتقدوا أنها متاحة. وهنا يبرز دور المعلومة المضللة، والشبكات الاجتماعية، والشعور بفقدان الحدود لقدرتها على الردع مؤقتاً.

لذلك، لا ينبغي طرح القضية كمفاضلة بين الأمن والإنسان. حماية الحدود وحماية الأرواح مسؤوليتان متلازمتان. الدولة مطالبة بمنع الفوضى وحماية حدودها، وفي الوقت نفسه بمنع تحول إدارة الهجرة إلى إدارة للموت والمخاطر. معالجة دوافع الهجرة لا تعني التساهل مع العبور غير النظامي، كما أن تشديد المراقبة لا يمكن أن يكون بديلاً عن معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تجعل الهجرة تبدو أقل مخاطرة من البقاء.

تبدأ القراءة الحقيقية لعاصفة سبتة من الأمن إلى الإنسان، ومن الإنسان إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى مسؤولية الدولة، ثم إلى السياسة الأوروبية التي تجعل من الهجرة قضية حدود وسيادة وشراكة. فالأمن يستطيع أن يوقف الحركة، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع الأمل؛ وحين يغيب الأمل، قد تكفي إشاعة واحدة لتحويل اليأس الفردي إلى اندفاع جماعي.

الشرارة لم تكن اليأس وحده

صحيح أن اليأس عامل، لكنه لا يكفي وحده. اليأس واقع سابق على الموجة، أما ما يفسر انفجارها في ذلك التوقيت تحديداً فهو اجتماع الاستعداد الاجتماعي الكامن مع شرارة معلوماتية محددة. في 29 يونيو 2026، صدر حكم قضائي إسباني يتعلق بإجراءات التعامل مع من يصلون سباحة إلى سبتة أو مليلية. كان الحكم، في جوهره، إجرائياً ومحدوداً: لا مجال للإعادة الفورية وفق الصيغة السابقة، ويتعين سلوك مساطر قانونية محددة. لكن هذه الدقة القانونية اختفت تقريباً في الفضاء الرقمي، حيث انتشرت منشورات بصيغة مختصرة وحاسمة: «لا ترحيل للمهاجرين الذين يصلون سباحة». والفارق بين هذه العبارة ومضمون الحكم ليس لغوياً فقط، بل هو فارق بين معلومة قانونية مركبة ورسالة سهلة الاستهلاك قابلة للتحول إلى دعوة عملية للتحرك.

هنا ينبغي تحديد المسؤولية بدقة: الرصد الاستباقي والتقدير المبكر للمخاطر. فقد مرّ شهر بين صدور الحكم وانفجار الموجة. وخلال هذه الفترة، تحولت معلومة قانونية إلى خطاب رقمي واسع الانتشار، وكان من واجب منظومة الإنذار المبكر التقاط احتمال تحولها إلى تعبئة جماعية، خصوصاً في منطقة حدودية حساسة. المسؤولية هنا ليست عن «اختراع» المعلومة، بل عن تقدير أثرها قبل أن تتحول إلى حدث بشري وأمني واسع.

عشر ساعات: المساءلة تبدأ هنا

أمام البرلمان الإسباني، تحدث رئيس الحكومة بيدرو سانشيز عن فترة حاسمة امتدت نحو عشر ساعات يوم 30 يوليو، حين بلغ التدفق ذروته، مشيراً إلى أن الجانب الإسباني لم يحسم ما إذا كان ما جرى على الجانب المغربي ناتجاً عن تقصير في الاحتواء أو عجز عن السيطرة. هذه المعطيات لا تصلح لتوجيه اتهام سياسي جاهز، لكنها تفرض مساءلة دقيقة للأداء. الدولة الحديثة تُسأل عما كانت تعرفه، ومتى عرفته، وكيف تصرفت بناء عليه.

إذا لم تُرصد المؤشرات في الوقت المناسب، فالمسؤولية تقع في الرصد والإنذار المبكر. وإذا رُصدت ولم يُقدّر حجمها، فالمشكلة في تحليل المخاطر. وإذا كانت المعطيات متوفرة وتأخر القرار، فالمسؤولية تتعلق بسلسلة اتخاذ القرار. وإذا صدر القرار لكن الإمكانات لم تكن كافية للاحتواء، فالمسألة تخص الجاهزية والقدرة المؤسساتية. هذه ليست اتهامات، بل مستويات معروفة للمساءلة في تدبير الأزمات. واختزال النقاش في سؤال: «هل ما حدث كان مخططاً له؟» يضيع جوهر القضية، إذ حتى مع غياب أي دليل على التخطيط، تبقى هناك مسؤولية مشروعة عن كيفية إدارة أزمة انتهت بتدفق عشرات الآلاف وسقوط عشرات الضحايا.

الرواية الإسبانية ليست حكماً نهائياً

تعقد الملف بسبب التناقض في الرواية الإسبانية نفسها. فبينما تحدثت تقارير صحفية عن معطيات استخباراتية تفيد بوجود تنسيق أو تساهل منظم، نفت جهات أمنية ورسمية لاحقاً وجود تقرير يثبت ذلك، وأكد بيدرو سانشيز عدم توفر الحكومة الإسبانية على دليل صلب يثبت أن المغرب خطط للحادث. هذا التضارب يفرض الحذر من تحويل التسريبات والتقارير المتنافسة إلى حقائق نهائية. والأهم أن المغرب ليس في حاجة لانتظار حسم مدريد لخلافاتها الداخلية لمعرفة ما وقع. فالرواية الإسبانية تخضع للصراع السياسي والمؤسساتي داخل إسبانيا، أما المسؤولية المغربية فتبدأ من مكان آخر: ما الذي وقع فوق التراب المغربي؟ ومتى بدأت المؤشرات؟ وكيف جرى التعامل معها؟ الجواب عن هذه الوقائع شأن مؤسساتي مغربي قبل أي شيء آخر.

من 72 ألفاً إلى 300: الحجة التي يصعب تجاوزها

بعد أسبوعين فقط، انتشرت دعوات جديدة لمحاولة عبور جماعية في 15 أغسطس، لكن ما حدث كان مختلفاً تماماً. لم يتجمع قرب سبتة سوى نحو 300 شخص، وضُبط في الفنيدق 111 مرشحاً للهجرة، غالبيتهم من دول إفريقيا جنوب الصحراء، مع حضور محدود جداً للمغاربة. من عشرات الآلاف إلى بضع مئات، هذا التحول السريع يثبت أن القدرة على الاحتواء كانت موجودة عندما جرى التعامل مع التهديد كموجة محتملة تستوجب الاستباق والانتشار المبكر. المشكلة لا تبدو في غياب أدوات التدخل، بل في التوقيت الذي انتقلت فيه تلك الأدوات من حالة الرصد إلى حالة الفعل. المساءلة لا تعني أن الدولة كانت عاجزة، بل تفحص سبب عدم ظهور قدرتها بالسرعة والفعالية نفسيهما في الساعات الأولى من موجة 30 يوليو.

السيادة لا تبدأ عند السياج الإسباني

أعادت الأزمة طرح مفهوم السيادة. فلطالما اعتبر المغرب سبتة ومليلية قضيتين سياديتين، وجدد مطالبه بهما على أساس اعتبارات تاريخية وجغرافية. وخلال الأزمة نفسها، عاد الملف إلى الواجهة الدبلوماسية، وتبادلت الرباط ومدريد مواقف حادة بشأن المدينتين. لكن للسيادة وجهاً آخر لا يقل أهمية عن المطالبة بالأرض، وهي القدرة على إدارة المجال القائم تحت سلطة الدولة، ومعرفة ما يجري داخله، وحماية المواطنين، وتوقع المخاطر، ومنع تحول حركة بشرية إلى مأساة. لذلك، لا ينبغي وضع مطلب السيادة في مقابل مساءلة الأداء الداخلي. فكلما كانت الدولة أكثر قدرة على إدارة مجالها وحماية مواطنيها، كانت حجتها السيادية أقوى. الدولة لا تُقاس فقط بما تطالب به خارج حدود سيطرتها الفعلية، بل أيضاً بكيفية ممارستها لمسؤولياتها داخل تلك الحدود. وهذا هو الدرس الأصعب الذي تطرحه سبتة: السيادة ليست خطاباً دبلوماسياً فحسب، إنها كفاءة مؤسساتية أيضاً.

أوروبا: الهجرة ورقة تفاوض… ولكن بشروط

أظهرت الأزمة حدود الفكرة القائلة إن كل ضغط على الحدود الأوروبية يتحول تلقائياً إلى مكسب تفاوضي للمغرب. فالرد الأوروبي الأول لم يكن تضامناً كاملاً مع إسبانيا، بل اتجهت بعض الدول إلى تعزيز الرقابة على تحركات القادمين من إسبانيا نفسها. هذه المفارقة مهمة؛ فالهجرة قد تمنح دول العبور موقعاً تفاوضياً عندما تكون في حدود يمكن التحكم فيها، لكن عندما تتحول إلى موجة ضخمة تخرج عن قدرة مدينة أوروبية على الاستيعاب، فإن رد الفعل قد ينتقل من التفاوض إلى التحوط والإغلاق والردع. وهكذا تتحول الهجرة من ورقة ضغط إلى مصدر قلق يطال المنطقة بأكملها. لذلك، تحتاج السياسة المغربية إلى التمييز بين القيمة التفاوضية للتعاون في إدارة الهجرة وبين الاعتقاد بأن ارتفاع حجم الضغط يساوي بالضرورة ارتفاعاً في النفوذ. ففي السياسة الأوروبية، قد تؤدي الأزمة الصغيرة إلى تفاوض، لكن الأزمة الكبيرة قد تنتج مزيداً من التحصين.

ما الذي يكشفه رقم 72 ألفاً؟

الخطأ الآخر هو اعتبار أن 72 ألف شخص كانوا جميعاً مهاجرين يحملون مشروعاً كاملاً للرحيل، لأن عودة أكثر من 48,300 شخص في وقت قصير تشير إلى واقع أكثر تعقيداً. كثيرون لم يكونوا بصدد تنفيذ مشروع هجرة أُعدّ على مدى شهور. لقد تحركوا لأن فرضية العبور الجماعي بدت ممكنة في تلك اللحظة، وحين اكتشفوا أن ما وراء السياج لا يطابق الصورة المتخيلة، عاد عدد كبير منهم. وهذا يجعل الحدث أخطر، لأنه يكشف وجود استعداد اجتماعي جماعي واسع للمغادرة ينتظر إشارة أو فرصة أو معلومة تبدو مقنعة. وهنا تعود المسؤولية السياسية والاجتماعية إلى قلب النقاش. فالحملة الرقمية قد تفسر لماذا تحرك الناس في ذلك اليوم، لكنها لا تفسر وحدها لماذا كان عشرات الآلاف مستعدين للتحرك أصلاً؛ تلك المعلومة لم تصنع الرغبة في الرحيل من عدمه، لقد وجدت أمامها أرضاً قابلة للاشتعال. وهنا تظهر مسؤولية السياسات العمومية في التشغيل والتعليم والتنمية الترابية وتقليص الفوارق وإعادة بناء الثقة في المستقبل. المعلومة كانت الشرارة، لكن الاستعداد للمغادرة كان الوقود.

من مسؤولية الحدود إلى مسؤولية الأمل

لا يمكن للأمن أن يحل محل السياسة الاجتماعية. يمكن للدولة أن تمنع موجة جديدة، وقد أثبتت قدرتها على ذلك في 15 أغسطس. ويمكنها تعزيز المراقبة ورفع الجاهزية وتحسين الرصد الرقمي، لكن كل ذلك يعالج لحظة العبور، أما قبلها فتوجد أسئلة أكبر تتصل بشروط الحياة وفرص العمل وأفق الشباب. ونجاح الأجهزة في منع موجة ثانية لا يلغي هذه المشكلة، بل يؤكد أن معالجة الهجرة تحتاج إلى مستويين متلازمين: مستوى أول: دولة يقظة قادرة على الرصد المبكر وحماية الأرواح والتدخل في الوقت المناسب. ومستوى ثانٍ: سياسات عمومية تقلص أصلاً حجم الاستعداد الاجتماعي للمغادرة. فالأول يمنع الكارثة، والثاني يقلل الحاجة إلى منعها.

المطلوب: رواية موثقة ومسؤوليات محددة

ليست هناك حاجة إلى توزيع الاتهامات أو بناء فرضيات غير مثبتة. المطلوب أكثر جدية: تسلسل زمني مؤسساتي للوقائع. متى بدأت الإشارات الرقمية المقلقة؟ ومتى انتبهت إليها الجهات المختصة؟ وكيف جرى تقدير حجم الحشود؟ وما حجم الانتشار قبل الذروة؟ ومتى اتخذت قرارات التعزيز والتدخل؟ وكيف جرى تدبير عمليات الإنقاذ؟ وما هي الحصيلة النهائية الدقيقة للضحايا، وظروف كل حالة؟ نشر هذه المعطيات لا يضعف الدولة، بل يحميها من الروايات التي يكتبها الآخرون عنها. فكل فراغ معلوماتي تتركه المؤسسات تملؤه التسريبات والتقارير المتضاربة والصراعات السياسية الخارجية. أما الوضوح فيعيد النقاش إلى مكانه الصحيح: تحديد ما نجح، وما تأخر، وما ينبغي إصلاحه.

الخلاصة: بين 72 ألفاً و300

بعد سبتة، يمكن اختزال الدرس في ثلاثة أرقام. 72 ألفاً: رقم يكشف حجم الاستعداد الكامن للتحرك عندما تلتقي هشاشة الأفق بمعلومة تبدو كأنها تفتح الطريق. 300: رقم يثبت أن الدولة تملك القدرة على الاحتواء عندما تتوفر الجاهزية والاستجابة الاستباقية. وبين الرقمين، تقف حصيلة الضحايا بوصفها التذكير الأقسى بأن التأخر في إدارة أزمات الهجرة ليس مجرد خلل تقني، بل قد تكون له كلفة بشرية فادحة. لذلك، ينبغي إبعاد النقاش عن الاتهامات غير المثبتة، لكن إبعاد الاتهام لا يعني إبعاد المسؤولية. مسؤولية المغرب محددة وواضحة: الرصد المبكر، تحليل المخاطر، سرعة القرار، الجاهزية الميدانية، حماية الأرواح، وتقديم الحقيقة للرأي العام. أما أوروبا، فعليها أن تدرك أن تحويل المغرب إلى مجرد حارس خارجي للحدود لن يحل جذور الهجرة. وأما السياسة العمومية المغربية، فعليها أن تستخلص الدرس الأعمق: أن رسالة رقمية، مهما كانت مضللة، لا تستطيع وحدها تحريك عشرات الآلاف، ما لم تجد جيلاً واسعاً يرى في الرحيل احتمالاً أكثر إقناعاً من البقاء. يمكن ضبط الحدود، ويمكن إيقاف الموجات، ويمكن تصحيح الشائعات، لكن المعركة الحقيقية تبدأ قبل كل ذلك. تبدأ حين يصبح المستقبل داخل الوطن قوياً بما يكفي كي لا تتحول رسالة عابرة على الهاتف إلى دعوة جماعية للهرب.

شارك الخبر: