المغرب
سياسة

لماذا المشاركة الانتخابية في 23 سبتمبر ضرورية رغم الانتقادات؟

العمق المغربي14 أكتوبر 2026 في 21:220 مشاهدة
لماذا المشاركة الانتخابية في 23 سبتمبر ضرورية رغم الانتقادات؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "لماذا يجب أن نتوجه يوم 23 شتنبر إلى صناديق الاقتراع؟" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 8 شتنبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

وجهة نظر بوديس يونس

8 سبتمبر 2026 - 15:50

مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية في المغرب، يتجاوز النقاش أسماء المرشحين وحصص الأحزاب ليلامس جوهر المسار الديمقراطي. في هذا المقال، قراءة تحليلية مغايرة تدافع عن ضرورة الحفاظ على ‘عادة الذهاب إلى الصناديق’ وتفكك المفارقة الديمقراطية: كيف يمكننا أن ننتقد أداء النخب السياسية بشدة، وفي الوقت ذاته نتمسك بالمشاركة كأداة وحيدة للإصلاح وحماية المؤسسات من مخاطر العزوف الدائم؟

في 23 سبتمبر 2026، يتوجه المغاربة إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أعضاء مجلس النواب. وقد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، مجرد موعد انتخابي آخر ضمن سلسلة من الاستحقاقات التي عرفها المغرب. غير أن أهمية هذا الموعد لا ينبغي أن تُختزل في أسماء المرشحين أو عدد المقاعد التي ستؤول إلى هذا الحزب أو ذاك، بل تتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر عمقاً: لماذا ينبغي أن نحافظ على السلوك الانتخابي نفسه، حتى عندما لا نكون راضين تماماً عن نتائج الممارسة السياسية؟

قد يبدو السؤال بسيطاً، لكنه في الحقيقة يرتبط بجوهر المسار الديمقراطي. فالديمقراطية لا تُبنى فقط بالدساتير والقوانين والمؤسسات، وإنما تُبنى كذلك من خلال ممارسات سياسية تتراكم عبر الزمن، وسلوكيات ديمقراطية تصبح جزءاً من الثقافة السياسية للمجتمع. ومن أهم هذه السلوكيات، سلوك المشاركة والاحتكام إلى صناديق الاقتراع.

جودة النخب مقابل استمرارية المؤسسات

إن الدول التي استطاعت أن تبني أنظمة سياسية مستقرة لم تصل إلى ذلك دفعة واحدة، ولم تكن تجاربها الديمقراطية خالية من الاختلالات أو الأزمات. بل إن جزءاً من نجاحها ارتبط بقدرتها على المحافظة على المؤسسات، وعلى انتظام التداول السياسي، وعلى استمرار المشاركة، وعلى جعل الانتخابات ممارسة دورية ومستقرة، حتى في اللحظات التي كانت فيها الثقة في النخب السياسية محدودة أو كانت نتائج العملية السياسية موضع انتقاد.

وهنا ينبغي التمييز بين جودة الممارسة السياسية واستمرارية الممارسة الديمقراطية. قد تكون لدينا ملاحظات كثيرة حول أداء الأحزاب، وقد نختلف حول جودة البرامج، وقد ننتقد مستوى التمثيل السياسي، وقد نشعر أحياناً بأن المردود السياسي لا يرقى إلى انتظارات المجتمع. كل ذلك مشروع، بل إن النقد يمثل جزءاً أساسياً من الحياة الديمقراطية. لكن وجود هذه الاختلالات لا ينبغي أن يقود بالضرورة إلى التخلي عن السلوك الانتخابي نفسه؛ لأن السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس فقط: هل الانتخابات تنتج دائماً ما نريده؟ وإنما أيضاً: ماذا يحدث للمسار السياسي عندما يتوقف المجتمع عن المشاركة؟

الممارسة الديمقراطية كـتراكم تاريخي

هنا تكمن أهمية الحفاظ على عادة الذهاب إلى صناديق الاقتراع. فالممارسة الديمقراطية تشبه، إلى حد كبير، التراكم التاريخي للمؤسسات السياسية. إنها لا تُكتسب مرة واحدة، ولا يمكن ضمان استمرارها بمجرد وجود نص دستوري أو قانون انتخابي. إنها تحتاج إلى ممارسة متكررة، وإلى أجيال تتعلم أن الاختلاف السياسي يمكن أن يُدار عبر المؤسسات، وأن تغيير الاختيارات السياسية يمكن أن يتم من خلال الانتخابات، وأن الخلاف مع الأحزاب لا يعني بالضرورة الخلاف مع مبدأ المشاركة.

ومن هذه الزاوية، فإن السلوك الانتخابي في حد ذاته قيمة سياسية. قد لا يكون المواطن مقتنعاً بأي حزب، وقد لا يجد البرنامج الذي يعبر تماماً عن تطلعاته، وقد يذهب إلى صناديق الاقتراع وهو غاضب من أداء الحكومة أو من أداء المنتخبين؛ لكنه، بمجرد مشاركته، يظل جزءاً من العملية السياسية، ويؤكد أن الخلاف والاحتجاج والرفض يمكن أن يجدوا لهم مكاناً داخل المجال المؤسساتي. وقد يكون التصويت اقتناعاً، وقد يكون احتجاجاً، وقد يكون تصويتاً عقابياً، لكن جميع هذه الأشكال تظل، في نهاية المطاف، تعبيراً عن حضور المواطن داخل العملية السياسية.

مخاطر استقرار “ثقافة العزوف”

أما الخطر الحقيقي، فلا يكمن فقط في أن يصوت المواطن لشخص أو حزب لا يقتنع به، وإنما في أن يتحول العزوف إلى سلوك سياسي مستقر. فحين يصبح عدم المشاركة هو القاعدة، لا يعود الأمر مجرد موقف فردي من حزب أو مرشح، وإنما يصبح تحدياً أوسع أمام العلاقة بين المجتمع والمؤسسات. وكلما اتسعت الفجوة بين المواطن وصناديق الاقتراع، أصبحت عملية التمثيل السياسي أكثر صعوبة، وتراجعت قدرة الانتخابات على أداء وظيفتيها باعتبارها إحدى آليات التعبير عن الإرادة الشعبية.

وهنا نستحضر تجارب الأنظمة السياسية التي مرت بمراحل مختلفة من البناء الديمقراطي. فالديمقراطية لم تتقدم فيها فقط بسبب جودة النخب أو قوة الاقتصاد، وإنما أيضاً بسبب استمرارية المؤسسات واستمرار السلوك السياسي المنظم داخلها. فالاستقرار المؤسساتي ليس نقيض الديمقراطية، بل يمكن أن يكون أحد شروط تطورها، عندما يكون قائماً على قواعد واضحة وممارسات منتظمة وقبول بالتعدد والاختلاف. وفي المقابل، فإن الدول التي تفقد استقرار مؤسساتها وتتعطل فيها قواعد التداول والمشاركة تكون أكثر عرضة للانزلاق نحو الهشاشة السياسية، ويصبح الانتقال الديمقراطي فيها أكثر صعوبة وكلفة.

المفارقة الديمقراطية: انتقد المؤسسة ولا تهدمها

ومن هنا، فإن الحفاظ على السلوك الانتخابي لا يعني القول إن التجربة الديمقراطية مكتملة، ولا يعني اعتبار الممارسة السياسية ناجحة في كل جوانبها. على العكس تماماً؛ قد يكون من الضروري انتقاد التجربة السياسية بشدة، وفي الوقت نفسه الدفاع عن استمرار الممارسة الانتخابية. وهذه ليست مفارقة. بل إن الديمقراطية نفسها تقوم على هذه المفارقة: أن ننتقد المؤسسات دون أن نهدم فكرة المؤسسات، وأن نرفض أداء حزب دون أن نرفض مبدأ التعددية، وأن نعاقب حكومة في الانتخابات دون أن نعاقب النظام الديمقراطي نفسه، وأن نطالب بإصلاح الممارسة الانتخابية دون أن نتخلى عن الانتخابات.

أما في الحالة المغربية، فإن هذه المسألة تكتسي أهمية خاصة. فالمغرب راكم، خلال العقود الماضية، تجربة انتخابية ومؤسساتية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها أمراً عابراً أو مضموناً إلى الأبد. وقد تكون هذه التجربة في حاجة إلى تطوير، وقد تكون الممارسة السياسية في حاجة إلى إصلاح عميق، وقد تكون الأحزاب مطالبة باستعادة ثقة المواطنين وتجديد أدواتها وخطابها ونخبها، لكن كل ذلك لا ينبغي أن يقود إلى نتيجة مفادها أن الحل يكمن في الانسحاب من العملية الانتخابية؛ لأن الإصلاح لا يحتاج إلى إلغاء السلوك الديمقراطي، بل يحتاج إلى ترسيخه وتطويره.

حين تكون المشاركة أعمق من النتيجة

وإذا كان من حق المواطن أن يسأل: ماذا حققت الانتخابات؟ ومن حقه أن يسأل: ماذا قدمت الأحزاب؟ ومن حقه أن ينتقد مستوى التمثيل السياسي، فإن من حق المجتمع أيضاً أن يسأل سؤالاً آخر: ماذا يحدث إذا فقدنا عادة المشاركة نفسها؟ هذا السؤال ليس افتراضياً. ففي بعض المحطات السياسية، تصبح المشاركة الانتخابية أكثر أهمية من نتائجها المباشرة؛ لأن المطلوب آنذاك ليس فقط إنتاج أغلبية برلمانية أو اختيار منتخبين، وإنما الحفاظ على استمرارية السلوك الديمقراطي وعدم السماح للعزوف بأن يتحول إلى ثقافة سياسية دائمة.

وهنا تحديداً تكتسب انتخابات 23 سبتمبر معناها الأوسع. فقد نذهب إلى صناديق الاقتراع ونحن غير مقتنعين بكل المرشحين، وقد نذهب إليها ونحن نحمل ملاحظات وانتقادات كثيرة تجاه الأحزاب والممارسة السياسية، وقد نذهب إليها بهدف معاقبة هذا الحزب أو مكافأة ذاك؛ لكن المهم هو أن نظل حاضرين؛ لأن المشاركة ليست شيكاً على بياض، والتصويت ليس تزكية مطلقة، والانتخاب لا يلغي حق المواطن في النقد والمساءلة. بل إن المواطن الذي يصوت يحتفظ، في اليوم التالي للانتخابات، بكل حقوقه في المراقبة والمساءلة والاحتجاج والمطالبة بالإصلاح.

لهذا، فإن القضية في 23 سبتمبر ليست فقط: «من سننتخب؟» القضية الأعمق هي: «هل سنحافظ على سلوك انتخابي أصبح جزءاً من الممارسة السياسية للمجتمع؟»

إصلاح الاختلالات من داخل الصناديق الاقتراع

فالأحزاب تتغير، والمرشحون يتغيرون، والبرامج تتغير، والحكومات تأتي وتذهب، لكن ما ينبغي أن يستمر هو الإيمان بأن صندوق الاقتراع يظل إحدى الآليات الأساسية لإدارة الاختلاف السياسي وتداول المسؤولية وتجديد المؤسسات. قد تكون الديمقراطية المغربية في حاجة إلى مزيد من الإصلاح، وقد تكون الممارسة السياسية مطالبة بتجاوز اختلالات كثيرة، وقد يكون مستوى الثقة في الفاعلين السياسيين دون مستوى الانتظارات؛ لكن مواجهة هذه الاختلالات لا تكون بإفراغ العملية السياسية من المشاركة، وإنما بإعادة بناء الثقة من داخلها.

لذلك، فإن الذهاب إلى صناديق الاقتراع يوم 23 سبتمبر لا ينبغي أن يُفهم باعتباره دفاعاً عن حزب أو مرشح، وإنما باعتباره دفاعاً عن استمرار سلوك ديمقراطي. فالمواطن يستطيع أن يصوت وهو غاضب، ويستطيع أن يصوت وهو غير مقتنع، ويستطيع أن يصوت بهدف التغيير. لكنه عندما يتخلى نهائياً عن المشاركة، فإنه لا يعاقب بالضرورة الفاعل السياسي الذي ينتقده، بل قد يتخلى، قبل كل شيء، عن إحدى أهم أدواته للتأثير في مسار القرار السياسي. إن الديمقراطية لا تحيا فقط بما تنتجه الانتخابات، وإنما أيضاً باستمرار الناس في المشاركة فيها.

ولهذا، ربما لا يكون السؤال الأهم يوم 23 سبتمبر هو: من سيفوز؟ بل السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا جميعاً هو: هل سنحافظ على سلوك الانتخاب؟ لأن التجارب الديمقراطية الناجحة لم تُبنَ فقط على نتائج انتخابية مثالية، وإنما على استمرارية الممارسة، واستقرار المؤسسات، وتراكم السلوك الديمقراطي عبر الزمن. ومن هنا، فإن الذهاب إلى صندوق الاقتراع يوم 23 سبتمبر ليس دفاعاً عن تجربة سياسية خالية من العيوب، ولا تزكيةً لواقع لا يحتاج إلى إصلاح. إنه، قبل كل شيء، دفاع عن حق المجتمع في أن يظل حاضراً في صناعة قراره السياسي، وعن ضرورة ألا يتحول العزوف إلى نهاية للسلوك الديمقراطي. قد نختلف حول من يستحق أصواتنا، لكن علينا ألا نختلف حول أهمية أن تظل لنا أصوات.

شارك الخبر: