المغرب
سياسة

الدين في ساحة المعركة: كيف تتشابك الشعارات المقدسة مع الحروب المعاصرة؟

هسبريس14 أكتوبر 2026 في 22:300 مشاهدة
الدين في ساحة المعركة: كيف تتشابك الشعارات المقدسة مع الحروب المعاصرة؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الربّ والحرب" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 8 شتنبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يثير الاستخدام المتزايد للشعارات والأساطير الدينية في الحروب الحالية، سواء بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، أو بين روسيا وأوكرانيا، أو في مواجهات إفريقية، استغراب الكثيرين. وبينما يُعد اعتماد نظام الملالي، كنظام ثيوقراطي، على بعض الشعارات والرموز الدينية للتعبئة والطمأنة أمراً مفهوماً، فإن ظهور تعابير مماثلة على لسان شخصيات قيادية أمريكية وإسرائيلية يطرح تساؤلات عميقة حول دلالاتها.

فقد صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قائلاً: “ليست قوتنا من تضرب إيران بل يد الربّ من تساندنا”. وفي المقابل، جاء في بيان لمجتبى خامنئي: “قوة الله ستهدّ جبروت أمريكا، وأدعو المسلمين السنة إلى الوقوف بجانبنا لينالوا جزء من ثواب الجهاد الذي نخوضه”. كما لفت الانتباه الاستعمال المفرط للخطاب الديني من قبل شخصيات مقربة من البيت الأبيض وحتى من ضباط الجيش الأمريكي، معتمدين على نبوءات “نهاية الزمان” و”سفر الرؤيا” في العهد الجديد، وعودة كلمة “أرماغيدون” ورموزها. بل إن وزير الخارجية الأمريكي نفسه صرح بأن أمريكا تدافع عن “العالم المسيحي“، وسفير أمريكا بإسرائيل برّر حروب الدولة العبرية بالوعد الإلهي لليهود. هذا الخطاب، الذي وصل إلى شخصيات عسكرية وسياسية أمريكية، يُعد أمراً غير مسبوق بهذه الحدة الهذيانية مقارنة بالحروب السابقة في القرن العشرين والربع الأول من القرن الحادي والعشرين.

إن ظاهرة استحضار الآلهة في الحروب قديمة ومشتركة بين أغلب الحضارات، ويمكن فهمها كجزء من تصور الإنسان القديم للعالم، حيث لم يكن هناك فصل بين الدين والسياسة والسلطة الاجتماعية. ففي حضارات بلاد الرافدين ومصر القديمة واليونان القديمة، كان يُعتقد أن لكل شعب إلهه الحامي، ولم تكن الحرب بين جيوش البشر فقط، بل كان الاعتقاد سائداً بوجود “حرب موازية” بين الآلهة أيضاً، كما تذكر “الإلياذة” لهوميروس في حرب طروادة. وكان المنتصر يُفهم بأنه حظي بدعم مباشر من إلهه، بينما يُنظر إلى المهزوم على أنه تم التخلي عنه من طرفه عقاباً له. ويفسر هذا لماذا كان الملوك والقادة العسكريون يقومون بتقديم القرابين وطلب النصر من الآلهة. ففي اليونان القديمة أو روما مثلاً، كان القادة يستشيرون الكهنة ويفحصون “علامات” معينة في بعض الظواهر المحيطة، قبل اتخاذ قرار الحرب، وذلك لمعرفة إن كان الإله قد سمح بإعلان الحرب أم لا. وبما أن الآلهة كان لها تماثيل ورموز مادية، فقد كانت تُستعمل بشكل كبير في الحرب النفسية ضد الخصوم أو للتعبئة الداخلية. وكانت الابتهالات والأدعية الجماعية بمثابة استدرار لعطف الآلهة، وتطييب للنفس للأتباع.

وفي التاريخ الإسلامي، عرفت الحروب بين المسلمين استعمالاً مفرطاً لمنابر المساجد التي لعبت أدواراً كبيرة خلال الفتن التي كان الدين فيها أهم وسيلة للإقناع والتبرير والشرعنة. وأحياناً ما كانت نفس النصوص تُستعمل من الأطراف المتناحرة لتأكيد مصالح متضاربة، كما حدث خلال “الفتنة الكبرى” في بداية التاريخ الإسلامي. ولأن الحرب، مهما كانت أهدافها الحقيقية، كانت تُقدَّم بوصفها تنفيذاً لإرادة إلهية، فقد كان ذلك من أكبر وسائل شرعنة العنف المنظم، كما نجد في النصوص الدينية القديمة، حيث يصبح القتال “واجباً” مقدساً. وهكذا كانت الأطراف المتناحرة تسقط صراعاتها على العالم الميتافيزيقي لتمنحها معنى وشرعية في نفوس الأتباع.

ويبدو أن هذا ما يتم حالياً في الحروب المعاصرة بطرق مختلفة، حيث يتم استحضار الدين في خطاب الحرب من الأطراف المتناحرة، دون أن يعني ذلك بالضرورة بأن هؤلاء القادة “يؤمنون” فعلاً بأن الله يقف في صفهم، وإنما يعكس توظيفاً سياسياً ورمزياً للدين يخدم أهدافاً ظرفية متناقضة بين أطراف الحرب. يمكن تفسير ذلك بأن الدين يظل، رغم كل التقدم العلمي والفكري والتقني، أداة تعبئة وشرعنة، حيث يقدم كل طرف نفسه بوصفه مدافعاً عن “قضية عادلة” أو “رسالة مقدسة”، مما يمنحه شرعية أخلاقية أمام شعبه. في هذا السياق، يتم اختزال الربّ في خطاب تعبوي يبرر الحرب ويحولها إلى واجب أخلاقي. فالربّ سيساعد أمريكا على تخليص العالم من الشر الإيراني الذي يسعى به نظام العمائم إلى امتلاك السلاح النووي للسيطرة على المحيط الإقليمي كله، كما سيساعد الربّ إسرائيل على النجاة من الإبادة التي يخطط لها النظام الإيراني لكي تتكرر مأساة اليهود في السبي العظيم. وسيقف الله حتماً بجانب إيران التي تتعرض لهجوم آثم من قبل قوى الاستكبار العالمي والتي يحكمها رجال دين مقربون إلى الله ويحكمون وهم في خدمته وطبقاً لشرائعه.

وتلعب النصوص الدينية دوراً هاماً في الصراع القائم كما كان عليه الأمر من قبل، وهي بطبيعتها نصوص قابلة للتأويل في كل الاتجاهات، كما ينتقي منها كل طرف ما يخدم روايته: إيران تستند إلى خطاب “المقاومة”، إسرائيل إلى “أرض الميعاد” و”معاداة السامية”، والولايات المتحدة إلى فكرة “الرسالة الكونية” أو الدفاع عن النظام العالمي الذي تقوده. وفي هذه الروايات الثلاث، لا يكون الله موضوع اتفاق، بل موضوع تأويل وتصرف. وحين تختلط العقيدة بالطموحات السياسية والمخططات العسكرية، تتحول المصالح إلى “حق إلهي”، وهذا ما يجعل كل طرف يعتقد ضمنياً أن الله معه، لأن تصوراته عن الله صيغت أصلاً بما يخدم تلك المصالح. وفي جميع الأحوال، يبدو أن عودة استعمال الدين في الحرب عام 2026 ترافقها عودة كل سلبيات الماضي البشري، في شرعنة العنف والعدوان باسم السماء. وهي آلية دفاعية في التحليل النفسي يتخذ فيها الدين والحرب نفس التفسير، باعتبارهما معاً نتيجة غرائز العدوان الكامنة في النفس البشرية، والتي يتم “كبتها” لتتمظهر في أشكال مختلفة. وقد عبر فرويد في أربعة كتب له ما بين 1913 و1939 عن أن الدين تعبير عن الرغبة في الحماية الأبوية المكبوتة منذ الطفولة، وأنه يستعمل في كبت الغرائز والانضباط للجماعة، كما يستعمل في تبرير الحروب وأشكال العدوان. لقد كانت القوة الميتافيزيقية المطلقة تُستعمل من أجل الاحتماء وتفسير الظواهر المحيطة وإيجاد التوازن المطلوب مع عناصر الطبيعة التي تسحق الإنسان بجبروتها، لكن تلك القوة نفسها – ويا للمفارقة! – هي التي اعتمدها الإنسان في إعلان الحروب على غيره.

شارك الخبر: