المغرب
سياسة

البرامج الانتخابية المغربية: هل أصبحت الأرقام بديلاً عن المشاريع السياسية؟

العمق المغربي14 أكتوبر 2026 في 21:080 مشاهدة
البرامج الانتخابية المغربية: هل أصبحت الأرقام بديلاً عن المشاريع السياسية؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الشرعية بالرقم: هل تحوّلت البرامج الانتخابية المغربية إلى عقود أداء" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 8 شتنبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

مع اقتراب الانتخابات المغربية في 23 سبتمبر 2026، تكشف الأحزاب السياسية عن برامجها الانتخابية. تظهر قراءة لهذه البرامج تقاربًا في تشخيص احتياجات المواطنين، حيث تتكرر مفردات مثل القدرة الشرائية، التشغيل، الدعم، والسكن. تتحول هذه الوعود إلى التزامات رقمية تتضمن أرقامًا ونسبًا وتكاليف مالية. هذا المنطق الحسابي أثار جدلًا حول قابليته للتطبيق، وشهد خلافات داخل التحالف الحكومي نفسه بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة حول الحلول الاجتماعية. دعت أحزاب أخرى إلى برامج "قابلة للقياس" بدلاً من وعود يصعب التحقق منها. لكن هذا التنافس الظاهر يخفي مفارقة أعمق: فبينما تتباين المرجعيات الأيديولوجية، تتقارب صياغة الوعود. يتساءل المقال عن دور لغة الأرقام في السياسة، وهل أصبحت دقة العرض بديلاً عن مضمون الاختيار السياسي.

يقترح المقال أربعة مفاهيم لتفكيك منطق هذه الظاهرة:

  1. الشرعية التدبيرية مقابل الشرعية الأيديولوجية: تستمد البرامج شرعيتها من لغة الأرقام بدلاً من المواقف السياسية المباشرة. على عكس المشاريع التاريخية للأحزاب مثل الكتلة الديمقراطية أو خطاب حزب العدالة والتنمية في 2011، تستمد الأحزاب اليوم شرعيتها من دقة الأرقام. يشرح آلان ديزروزييه كيف أن الإحصائيات ليست محايدة بل هي "اصطلاحات" اجتماعية تخفي قرارات سياسية. يتجلى هذا في تبني حزب التقدم والاشتراكية لنفس الأرقام التي يطرحها حزب الأصالة والمعاصرة، وفي تحويل دعم الأسر من قرار سياسي إلى تسوية تقنية عبر ربطه بمؤشرات رقمية. التفاصيل الدقيقة في وعود مثل "مليون منصب شغل" تخدم وظيفة إقناعية خالصة، وتستند أحيانًا إلى تقارير دولية أو حصائل أحزاب أخرى. حتى برنامج حزب العدالة والتنمية المكون من 467 إجراء يمثل تعدادًا كميًا لا قياسًا لظاهرة اجتماعية. في تقييم الأداء، يصبح السجال حول مرجعية الأرقام، حيث تنتقي الأحزاب الأرقام التي تخدم سرديتها السياسية. ومع ذلك، فإن النظام الانتخابي المغربي الذي يفرض التحالفات الحكومية يجعل من هذه الأرقام سقفًا تفاوضيًا أوليًا وليس عرضًا ملزمًا للناخب. وظيفة الرقم الأساسية هي تعبئة الناخب نفسيًا ومنحه مبررًا للمشاركة، بدلاً من تقديم عرض سياسي قابل للمساءلة العقلانية، وهو ما يصفه كولن كراوتش بـ "ما بعد الديمقراطية" التي تلجأ إلى التسويق العاطفي. ومع ذلك، فإن الدقة الرقمية تتيح مقارنة الوعد بالمحصلة وفتح باب المساءلة، وهو ما قد لا يكون ممكنًا مع الوعود الأيديولوجية العامة.
  2. اللاسياسة كأداة تحييد: عندما تتحول الشرعية إلى مسألة حسابية، يُصادر إمكان الاختلاف حول الاختيار الذي أنتج الرقم. ينقل هذا المنطق النزاع السياسي إلى مفاوضات لاحقة مغلقة لا يحضرها الناخب. تتجلى هذه الظاهرة في تسميات مثل "درع اجتماعي" و"درع الادخار" التي يقدمها حزب التجمع الوطني للأحرار، والتي تشبه منتجات مصرفية. كما أن حزب الحركة الشعبية يتبنى "التعاقد الحركي" كبديل للبرامج التقليدية. هذه الممارسات تجرد المحطة الانتخابية من وظيفتها التقييمية، حيث تطرح أحزاب الأغلبية برامجها المستقبلية بمعزل عن تقييم حصيلتها الحكومية، مما يعطل آلية المحاسبة السياسية.
  3. البراغماتية الحزبية وتراجع الشقة الأيديولوجية: يفسر هذا التحييد تبني جميع الأحزاب لأسلوب واحد، بغض النظر عن مرجعياتها. يشير أوتو كيرشهايمر إلى نشوء "الحزب الجامع" الذي يتخلى عن قاعدته العقائدية الضيقة. في المشهد المغربي، يصبح الوعد المرن ميزة تفاوضية في التحالفات الحكومية، مما يقلص المسافة الفعلية بين الأحزاب. الاستثناء الواضح هو تحالف اليسار الذي يصوغ برنامجه بلغة أيديولوجية صريحة. حتى الأحزاب الأخرى التي تحاول التمايز، مثل حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، تعود في النهاية إلى الانشغال بالسجل المعيشي نفسه. حتى المحاور الثقافية تجد نفسها مضطرة لتبرير وجودها بلغة الأرقام والتشغيل.
  4. الزبونية الانتخابية الحديثة: تفسر البراغماتية الائتلافية تقارب الأحزاب في الأسلوب، لكن العلاقة الزبونية بالناخب الفرد تتخذ شكلاً هجينًا. تقدم البرامج وعودًا فئوية محددة تُصاغ كبنود ضمن برنامج شامل مرقم، مما يمنحها واجهة تقنية محايدة. يقترح حزب الاستقلال دعمًا محددًا للمقبلين على الزواج، ويعد حزب الأصالة والمعاصرة بحد أدنى للمعاش والدعم. استثناء ملحوظ هو اقتراح الحركة الشعبية ربط الدعم بالدخل الحقيقي للأسر. يظهر شكل آخر من الزبونية في إصلاح جبائي يقترحه حزب العدالة والتنمية، حيث يتم تعويض الإعفاءات الجبائية بدعم مباشر لفئات محددة. ربط الدعم بالتضخم يمثل حالة حدية بين المفهومين. يتضح كيف تعمل المفاهيم الأربعة معًا: الرقم كمادة خام للشرعية، ونقطة عمياء للمحاسبة، ووظيفة زبونية للطمانة اللحظية. تؤدي كثرة الأرقام وظيفتها الفعلية في إقناع الناخب بأن التصويت ما يزال يستحق العناء. يتوقع المقال ثلاثة مسارات لما سيحدث بعد الانتخابات: إما أن ينجو الرقم المشترك بين الأحزاب من مفاوضات التحالف، أو أن يتكرر مسار عدم تحقق الوعود، أو أن يصبح تتبع الفجوات بين الوعد والمحصلة أداة ضغط مدني وإعلامي حقيقية.
شارك الخبر: