تنويه
هذا الخبر بعنوان "بؤس الشعبوية الفكرية" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 9 شتنبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
من أبرز أزمات الانحدار المعرفي في عصر السيولة الرقمية أن يتحول الانتشار إلى معيار للأهلية، ويصبح عدد المتابعين بديلاً عن الحجة والبرهان، مما يمنح الرصيد الجماهيري الحق في اقتحام أعقد مباحث الفلسفة واللاهوت. إن الأزمة الحقيقية لا تكمن في انتقال باحث من حقل لآخر، بل في انزلاق المتحدث من اختصاصه الدقيق إلى التقعيد الفلسفي دون عُدّة علمية كافية، متوهماً أن متابعيه في وصفات التغذية وخمائر السمن البلدي والحريرة يمنحونه تفويضاً لمناقشة قضايا الوجود والتشكيك في مقام النبوة وأساسيات رسالة التوحيد.
تتجاوز حالة محمد الفايد شخص صاحبها لتغدو نموذجاً لما يُعرف بـ «التعدي الإبستيمولوجي»، وهو سقوط يعيد تدوير عبارات فلسفية غربية مبتورة في هيئة فتوحات عقلانية، متناسياً أن عمالقة الفكر الإنساني جعلوا العقل جسراً لضبط المعرفة وتحرير الإنسان. يستحضر هذا المقال طروحات فلسفية بمنطلقات إيمانية للوقوف أمام هذه المزالق، مستعرضاً إسهامات أعلام كبار تبدأ من إثبات الصانع، مروراً بمشروعية الحكم الديمقراطي وترويض النفس، وصولاً إلى الاعتدال الأخلاقي وتفكيك استبداد الكهنوت.
في محور نيوتن وفولتير، يتضح تهافت التصور الذي يصور العلم الحديث كإعلان للإلحاد؛ فقد أكد إسحاق نيوتن أن ميكانيكا الجاذبية تعجز عن تفسير علة تناسق الأجرام، مؤكداً أن هذا النظام البديع للشمس والكواكب لا ينبثق إلا عن حكمة كائن قدير وإله واحد. وبالمثل، لم يساوِ فولتير بين نقد المؤسسة الكنسية ونفي الخالق، بل تمسك بالربوبية مطلقاً صيحته بأن الكون يحيرني ولا أتصور وجود هذه الساعة دون صانع عبقري، وهو ما ينسجم مع البرهان القرآني في إتقان الصنع.
أما في فكر سبينوزا ورسالة الحكم، فقد قرر أن الغاية الحقيقية من الدولة هي الحرية، جاعلاً الديمقراطية الشكل الأكثر اتساقاً مع حرية التفكير، وهو ما يلتقي مع روح العدالة السياسية التي سبقتها التجربة الإسلامية في وثيقة المدينة التي أسست لعقد سياسي ينظم المواطنة والعيش المشترك. كما أن السنة النبوية أتاحت مساحة للخبرة البشرية في شؤون المعاش عبر حديث تأبير النخل ومبدأ أنتم أعلم بأمر دنياكم، إلى جانب ترسيخ مبادئ المساواة أمام القضاء في الخلافة الراشدة.
وفي قراءة لطروحات شوبنهاور والقرآن، شخّص آرثر شوبنهاور مأساة الإنسان في خضوعه لإرادة الحياة العمياء، وهو ما يلتقي مع التحذير القرآني من سلطان الغرائز، غير أن الفارق يتمثل في انتهاء شوبنهاور إلى يأس سوداوي مقابل تأسيس المنظور القرآني للتزكية والمجاهدة الإيجابية. وعلى صعيد أرسطو وميزان الاعتدال، صاغ أرسطو نظريته في الوسط الذهبي، وهو ما يتقاطع مع دلالات القصد والاعتدال في الرؤية الإسلامية لتشمل ميثاقاً إنسانيل شاملاً يوازن بين الروح والجسد.
وفي خلط السياقات، ارتكب مروجو التشكيك مغالطة الإسقاط التاريخي بالخلط بين التمرد على كنيسة احتكرت الحقيقة في أوروبا، وبين الفضاء الحضاري الإسلامي الذي لم يعرف كهنوتاً وسيطاً مغلقاً؛ حيث قدّم أعلام كالغزالي وابن رشد وابن خلدون والكندي إسهامات برهانية وعمرانية أصيلة تثبت أن التوحيد فضاء رحب لإعمال البرهان. وتظل المعركة الحقيقية اليوم بين المعرفة الرصينة والادعاء الشعبوي، حيث تتطلب العقلانية الحقيقية إدراك المرء حدود أدواته بعيداً عن السطحية والفقر المعرفي.
أخبار ذات صلة
ثقافةإصدار مؤلف جديد للدكتور يونس مليح يستكشف تحديات وآفاق جبايات الجماعات الترابية بالمغرب
ثقافةالشاعرة ليلى التجري تصدر ديوانها الرابع "طيف حنين" عن منشورات غاليري الأدب
ثقافةفنان الراب علي الصامد يروي تفاصيل طفولته بطنجة ومعاناة 10 سنوات دون مداخيل
ثقافة
