معضلة الهجرة في فرنسا: حاجة ملحة للعمالة وتخوفات سياسية تسبق رئاسيات 2027


هذا الخبر بعنوان "فرنسا تحتاج إلى العمال وتخشى المهاجرين .. تناقض يسبق "رئاسيات 2027"" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 16 غشت 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتجه فرنسا بخطى ثابتة نحو الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها سنة 2027، وسط نقاش محتدم حول مستقبل اليمين المتطرف، وموقع الهجرة ضمن البرامج السياسية، وحدود التحولات القانونية المحتملة في حال وصول التجمع الوطني إلى السلطة. يأتي هذا بالتزامن مع معادلة ديمغرافية واقتصادية معقدة تواجهها العديد من الدول الأوروبية، عنوانها الأبرز شيخوخة السكان والحاجة الملحة إلى العمالة الأجنبية في مواجهة تنامي التأييد لسياسات أكثر تشددا تجاه الهجرة.
وفي تحليل نشرته “لوموند ديبلوماتيك” في عدد غشت، أشار الكاتبان بينوا بريفيل وبيير ريمبير إلى أن النقاش السياسي الفرنسي يتركز جزئيا على احتمال حدوث تحول سلطوي كبير في حال فوز التجمع الوطني، بينما يطرحان احتمالا آخر يتمثل في إدخال تغييرات قانونية تدريجية توسع الفوارق بين الفئات السكانية بناء على الجنسية والوضع القانوني، ولا سيما عبر تبني مفهوم “الأولوية الوطنية” الذي يمثل ركيزة أساسية في برنامج الحزب.
ويستعرض التحليل مسارا سياسيا طويلا شهد انتقال قضايا الهجرة والأمن والهوية من هوامش النقاش إلى صدارة الحياة السياسية الفرنسية، عازيا ذلك إلى محطات بارزة مثل الهجمات التي ضربت فرنسا خلال عامي 2015 و2016، وأزمة اللاجئين القادمين من الشرق الأوسط، إضافة إلى النقاش الذي أثاره الرئيس السابق فرانسوا هولاند حول تجريد مزدوجي الجنسية من الجنسية الفرنسية في حالات محددة.
تُظهر الأرقام حجماً هائلاً للتحول في الخريطة السياسية الفرنسية، حيث ارتفعت نسبة أصوات الجبهة الوطنية، التي تحولت لاحقاً إلى التجمع الوطني، من 11.3 في المائة ودون أي مقعد برلماني في انتخابات 2002، إلى أكثر من 33 في المائة وحصد 123 مقعداً في انتخابات 2024. ولا تقتصر هذه الظاهرة على فرنسا وحدها، بل تمتد لتشمل صعود تيارات اليمين الراديكالي في دول أوروبية أخرى مثل إيطاليا وألمانيا وهولندا ودول شمال أوروبا.
وفي ظل المفارقات التي يعيشها الرأي العام، أشارت نتائج استطلاع نشرته صحيفة “لوفيغارو” في 28 ماي 2026 بطلب من قناة “CNews” إلى أن 63 في المائة من المستجوبين يؤيدون تعليق الهجرة القانونية لمدة ثلاث سنوات، وهو ما يعكس الوزن المتزايد لهذه القضية. وفي المقابل، تجد الأحزاب المتشددة نفسها أمام تحدٍ عملي عند توليها السلطة يتمثل في التوفيق بين الوعود الانتخابية بخفض أعداد الوافدين وبين الضغوط التي تفرضها احتياجات سوق العمل.
ويقدم التحليل أمثلة دولية على هذا التناقض، مثل إيطاليا حيث وقعت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني مرسوماً لاستقدام 500 ألف عامل أجنبي لتغطية العجز في قطاعات الزراعة والبناء والسياحة، وألمانيا التي أنشأت وكالة رقمية لاستقطاب العمال الأجانب المؤهلين تحت اسم “Work-and-Stay”. وفي فرنسا، نقل المقال عن باتريك مارتان، رئيس حركة الشركات الفرنسية “ميديف”، تأكيده في دجنبر 2023 أن الاقتصاد هو من يفرض الحاجة إلى الهجرة وليست رغبة أرباب العمل وحدها.
وعلى الصعيد القانوني والتشريعي، يبرز مقترح قانون دستوري تقدمت به مارين لوبان في 25 يناير 2024 يتضمن إقرار “الأولوية الوطنية” كحق دستوري، وإلغاء التجسيد عبر الولادة على الأراضي الفرنسية، وتقييد وصول مزدوجي الجنسية إلى بعض الوظائف الحساسة في الإدارة والشركات العامة. يرى الكاتبان أن هذه السياسات قد تخلق فوارق قانونية عميقة بين السكان، مذمرين بتجارب تاريخية مثل نظام “الأهالي” الذي طبقته الجمهورية الفرنسية الثالثة في مستعمراتها.
وفي نهاية المطاف، لم يعد ملف الهجرة في فرنسا مجرد قضية حدودية أو أمنية، بل صار مرتبطا ارتباطا وثيقا بمستقبل سوق العمل، وشيخوخة السكان، ومفاهيم الجنسية والمساواة أمام القانون، وهي معادلة مصيرية ستظل حاضرة بقوة في الحملة الانتخابية للرئاسيات المقبلة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة