انتخابات 2026: بين وعود الناخبين وتحديات المستقبل الاقتصادي والاجتماعي


هذا الخبر بعنوان "بين إغراء الناخب وامتحان المستقبل: ماذا تقول برامج انتخابات 2026؟" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 12 شتنبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: خديجة الكور
مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لعام 2026، تقدم الأحزاب السياسية المغربية برامج انتخابية مليئة بالوعود التي تركز على القضايا الحيوية للمواطن مثل القدرة الشرائية، والأجور، والدعم، والتشغيل، والخدمات الاجتماعية. ورغم أهمية هذه القضايا، إلا أن التنافس الانتخابي يجب ألا يقتصر على مجرد تقديم وعود مالية أكبر، بل يجب أن يتجاوز ذلك لطرح السؤال الجوهري: كيف سنبني اقتصاداً قوياً قادراً على تمويل هذه الالتزامات وضمان استدامتها؟ فالمواطن لا يحتاج فقط لمعرفة ما سيحصل عليه غداً، بل من حقه أن يفهم طبيعة الاقتصاد الذي سنبنيه، ونوع الدولة الاجتماعية التي نطمح إليها، وكيف سنحافظ على قدرتنا على تمويلها مستقبلاً.
إن ترسيخ الدولة الاجتماعية هو خيار وطني أساسي، لكنه لا يمكن أن يقوم على التوسع المستمر في النفقات والتحويلات دون وجود اقتصاد منتج قادر على خلق الثروة. كل وعد مالي له كلفة، وكل التزام اجتماعي يتطلب موارد دائمة. لذا، من الضروري أن يسأل المواطن عن مصدر هذه الموارد، وتأثير الالتزامات الجديدة على الميزانية والدين والاستثمار العمومي، وكيفية ضمان عدم تحول الدولة الاجتماعية إلى مجرد إعادة توزيع لإمكانيات محدودة. فالقدرة الشرائية لا تُقاس فقط بما تمنحه الدولة، بل أيضاً بما يدفعه المواطن ليعيش بكرامة. فمدرسة عمومية جيدة، ومستشفى فعال، وحماية اجتماعية ناجعة، وسياسة دوائية فعالة، كلها عوامل تساهم في حماية القدرة الشرائية بشكل مباشر.
تتطلب أنظمة التقاعد إصلاحات عاجلة لمواجهة اختلالاتها المالية والهيكلية، فهي ليست مجرد قضية تقنية بل تتعلق بالعدالة بين الأجيال. وتأجيل كلفة الإصلاح اليوم يعني تحميلها للأجيال القادمة. وينطبق الأمر نفسه على الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، حيث لا يقاس النجاح بعدد المسجلين فقط، بل بقدرة المواطن على العلاج دون أن تستنزف النفقات الصحية دخله. وتبرز هنا أهمية ضبط أسعار الأدوية وضمان الولوج إليها، وتحسين آليات الشراء والتوزيع، لتحويل الحماية الصحية إلى حماية فعلية.
يظل التشغيل، خاصة تشغيل الشباب، تحدياً كبيراً. لكن الشباب ليسوا مجرد مستفيدين من الدعم، بل هم رأس المال البشري والاستراتيجي للمغرب والقوة الدافعة للتحول الاقتصادي والتكنولوجي. وينطبق الأمر نفسه على النساء، حيث يجب أن يتجاوز تمكينهن التمثيلية السياسية ليشمل التمويل والمقاولة والعمل اللائق والحماية الاجتماعية. فالمرأة قوة اقتصادية يمكن أن ترفع الإنتاجية والنمو، وأي نموذج تنموي لا يستثمر في هذه الطاقة يظل ناقصاً.
لتمويل الطموح الاجتماعي المتزايد، يحتاج المغرب إلى اقتصاد أكثر قدرة على خلق الثروة وفرص الشغل. يتطلب ذلك رفع الإنتاجية، وتشجيع الاستثمار الخاص، وتقوية المقاولات، ودعم الابتكار والرقمنة، وربط التكوين بحاجات الاقتصاد، وتعزيز القدرة التصديرية. المطلوب ليس فقط توزيع الثروة، بل توسيع قاعدة إنتاجها.
يجب أن يتجاوز سؤال التشغيل للشباب مجرد توفير وظيفة اليوم، إلى بناء اقتصاد قادر على خلق وظائف ذات قيمة غداً. وهذا يقتضي إعادة النظر في العلاقة بين التعليم والتكوين وسوق الشغل، وتشجيع المقاولة والابتكار، وتوجيه الاستثمار نحو القطاعات القادرة على خلق وظائف مستدامة. فالشغل ليس مجرد دخل، بل هو اندماج اجتماعي وكرامة.
العدالة المجالية تعني توزيع فرص النمو وإنتاج الثروة، وتمكين كل جهة من استقطاب الاستثمار وتثمين مواردها. أما مغاربة العالم، فيجب النظر إليهم كامتداد بشري واقتصادي وثقافي للمغرب، وحماية مصالحهم وتشجيع عودة الكفاءات ورؤوس الأموال يمكن أن يحول ارتباطهم بالمغرب إلى قوة استراتيجية.
ستعيد الثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي تشكيل مختلف القطاعات. يجب إعداد الشباب لوظائف المستقبل، ومعالجة قضايا حماية المعطيات الشخصية، والأمن السيبراني، وتأثير الخوارزميات. يتطلب ذلك سياسة وطنية للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي تربط الابتكار بالتشغيل والتعليم والتكنولوجيا بالأمن الوطني، لضمان أن يكون المغرب مستخدماً ومنتجاً للتكنولوجيا.
تمس تحديات الماء والطاقة والغذاء صميم الأمن الوطني. فالماء أصبح محدداً لمستقبل الفلاحة والصناعة والسياحة، والطاقة والغذاء جزءان من معادلة السيادة الوطنية في عالم مضطرب. لذا، يجب قراءة الخيارات الاقتصادية الكبرى من زاوية الأمن الوطني والسيادة الاستراتيجية.
ترسيخ الوحدة الترابية يتطلب نموذجاً متقدماً للحكامة والتنمية والجهوية في الأقاليم الجنوبية. فالوحدة تُدافع عنها في الخارج وتُرسخ في الداخل من خلال التنمية والعدالة والمؤسسات. والسيادة الوطنية تُبنى بالقدرة الاقتصادية والتكنولوجية والمائية والغذائية والطاقية.
التنمية ليست أرقاماً فقط، والسيادة ليست اقتصاداً فقط. يتطلب تماسك المغرب الوطني رؤية واضحة بشأن المدرسة والإعلام والثقافة والقيم. يجب أن يكون المشروع الوطني مشروعاً لبناء مجتمع متماسك، واثق في هويته، ومنفتح على العالم.
يجب ربط الرؤى بالحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة. المواطن يريد معرفة ما تحقق من الوعود السابقة ولماذا. وكل التزام يجب أن تكون له أهداف واضحة، وآجال محددة، وموارد معروفة، ومؤشرات قابلة للقياس. التواصل السياسي يجب ألا يكون موسمياً، والمواطن له الحق في معرفة تفاصيل القرارات وتكاليفها ومسؤولياتها.
تكمن قيمة أي برنامج في قدرته على التحول إلى سياسات قابلة للتنفيذ والقياس. المرحلة المقبلة تحتاج إلى نخبة سياسية تجمع بين الشرعية والكفاءة، وتملك الجرأة على اتخاذ القرارات الصعبة. السياسة هي القدرة على إدارة التعقيد، والدفاع عن المصلحة الوطنية، وصناعة القرار، وتحمل المسؤولية.
يريد المواطن أن يعرف أي مغرب سنبني، ومن سيمول بناءه، وكيف سنضمن استمراره، ومن سيتحمل مسؤولية النجاح أو الفشل. يجب أن ترتقي انتخابات 2026 بالنقاش من إغراء الناخب إلى مسؤولية القيادة. على الأحزاب أن توضح: ماذا ستفعل؟ كم سيكلف ذلك؟ من أين ستأتي الموارد؟ ما الآجال؟ وما مؤشرات النجاح؟ وعلى المواطن ألا يكتفي بالتصويت على الوعود، بل أن يجعل من صوته بداية لمسار من المتابعة والمساءلة. فالناخب لا يمنح شيكاً على بياض، والحزب الذي يطلب الثقة عليه أن يكون مستعداً لتقديم الحصيلة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة