ثقل التاريخ وظلال الماضي.. كيف تحكم الذاكرة الاستعمارية العلاقات بين إسبانيا والمغرب؟


هذا الخبر بعنوان "ثقل تاريخ لم يُطوَ بعد" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 12 شتنبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
خلال الأسابيع الأخيرة، أبدى جزء من وسائل الإعلام والطبقة السياسية الإسبانية ردود فعل متصاعدة الحدة تجاه كل ما يرتبط بالمغرب، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بسبتة ومليلية. وقد بلغ الأمر في بعض الخطابات حد تقديم المسألة وكأنها مقدمة لغزو مغربي مفترض، مع استحضار شبح مسيرة خضراء جديدة، بل وحتى احتمال تعرض الأراضي الإسبانية في شبه الجزيرة لهجوم. غير أن مثل هذا التفاعل يصعب تفسيره فقط من خلال الأحداث الراهنة، فخلف هذه اللغة الخطابية توجد قضية أعمق بكثير تتمثل في تحوّل العلاقة التاريخية بين إسبانيا والمغرب، وصعوبة تقبّل جزء من المجتمع الإسباني أن ميزان العلاقات الذي ساد بين البلدين طوال عقود لم يعد هو نفسه.
لقد اتسمت العلاقات الإسبانية المغربية لفترة طويلة باختلال عميق في موازين القوة؛ فمنذ القرن التاسع عشر، شاركت إسبانيا في التوسع الاستعماري الأوروبي في شمال أفريقيا، ومارست أشكالًا مختلفة من الضغوط السياسية والعسكرية والاقتصادية على المغرب. وتشكل حرب تطوان، واحتلال الريف، والسيطرة الاستعمارية على الشمال، ثم إقامة نظام الحماية، أجزاء من تاريخ لا يزال يلقي بظلاله على العلاقات المعاصرة. ولهذا، فعندما يجري الحديث اليوم عن سبتة ومليلية، فإن الأمر لا يتعلق ببساطة بمدينتين إسبانيتين تقعان في أفريقيا، بل بحدّ تاريخي لا تزال تأويلاته موضع نزاع بين تمسك إسبانيا بكونهما تعودان لما قبل قيام الدولة المغربية المعاصرة، وبين رؤية المغرب القائمة على استمرارية المجال الترابي والسياسي واعتياره الوجود الإسباني امتدادًا لواقع استعماري.
ويكشف هذا التباين عن تناقض يستوقف المراقبين، حيث تطالب إسبانيا باستعادة جبل طارق من بريطانيا مستندة إلى القرب الجغرافي والطابع الاستعماري، بينما ترفض استخدام مبادئ شبيهة في الحالة المغربية المتعلقة بسبتة ومليلية. وفي حالة سبتة تحديدًا، لا يمكن فصل تاريخها الترابي عن حرب 1859-1860 ومعاهدة واد راس، بينما تشكل ذاكرة الريف وكارثة أنوال سنة 1921 وما تلاها من قمع عسكري إسباني، بمشاركة قوات في الحرب الأهلية سنة 1936 تحت قيادة فرانكو، فصولًا بالغة الحساسية في الذاكرة الجماعية.
إن الديمقراطية الناضجة لا ينبغي أن تخاف من فحص رموزها التاريخية نقديًا، كحال الأسدان اللذين يحرسان مقر مجلس النواب الإسباني والمصنوعان من مدافع جرى الاستيلاء عليها خلال حرب أفريقيا، أو التعامل مع الاستعارة المعاصرة لمفهوم الاسترداد. ومع تنامي قدرات المغرب العسكري، وتحديث قواته المسلحة، وتنويع تحالفاته الدولية، ونمو اقتصاده، وتعاظم حضوره الدبلوماسي، تقرأ بعض الأوساط الإسبانية هذه التحولات كمؤشرات تهديد، في حين أن العلاقات الدولية الناضجة تقتضي إدراك أن الدولة تستطيع تعزيز موقعها من دون استعداد للحرب، وأن الرباط باتت تمتلك أدوات تفاوضية وهامشًا للمناورة يفرض على إسبانيا تجاوز إرث الماضي الإمبراطوري وبناء مقاربة جديدة للمستقبل.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة