المغرب
سياسة

الانتخابات المغربية: سوق المواسم أم معركة الإرادات؟

هسبريس14 أكتوبر 2026 في 02:100 مشاهدة
الانتخابات المغربية: سوق المواسم أم معركة الإرادات؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "على أبواب الانتخابات" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 14 شتنبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تُشبه الانتخابات في المغرب، كما وصفها أحد الكتاب، سوقاً موسمياً لا ينعقد إلا كل بضع سنوات. تُنصب الخيام، وتتغير الألوان، وتظهر وجوه غابت عن الساحة منذ الموسم السابق. تتخلل هذه الفترة الموائد، والعناقات، والوعود، والبث المباشر، قبل أن ينفضّ السوق ويعود المواطن لانتظار الموسم القادم، بعد أن يكون قد دفع الثمن مقدماً بصوته.

لكن من يحدد ما يُعرض علينا في هذا السوق؟ قبل أشهر من الاقتراع، تبدأ الأحزاب في البحث عن مرشح "جاهز": شخص يملك المال، أو اسماً معروفاً، أو نفوذاً عائلياً، أو قاعدة انتخابية يزعم أنه يملك أصواتها، أو جمهوراً جمعه في مجال لا علاقة له بالسياسة. يضع هذا المرشح شعار الحزب على صدره، حتى لو كان يرتدي بالأمس لوناً آخر، ويمنحه الحزب التزكية ليس لقوة برنامجه، بل لما يتوقع أن يحققه من مقاعد. وهكذا تتحول التزكية من شهادة سياسية إلى صفقة انتخابية؛ فالحزب يستفيد من شهرة المرشح، والمرشح يستعير اسم الحزب ورمزه، ويُطلب منا أن نبحث وسط هذا الزواج السريع عن المبادئ والأيديولوجيا.

في المقابل، قد يظل داخل الحزب شخص يملك المعرفة بالقانون أو الاقتصاد وملفات منطقته، لكنه لا يملك "الشكارة"، ولا يجيد البث المباشر، ولا تحيط به جوقة تمهد لكل ظهور له بالتعليقات والتصفيق. هذا الشخص لا يبدو مغرياً في سوق يريد نتيجة سريعة، فيُدفع إلى الخلف، أو ينسحب من تلقاء نفسه بعد فهم قواعد اللعبة. وعندما يصل يوم الاقتراع، لا يجد المواطن أمامه دائماً اختياراً حقيقياً، بل نتيجة اختيارات اتُخذت قبله وفي غيابه.

الأمية الانتخابية: ما وراء الأبجدية

تظهر مفارقة أخرى تتمثل في أن الأمية الانتخابية ليست دائماً أمية أبجدية. فقد يحمل الشخص شهادة جامعية، وربما يدرّس غيره، ثم يختار مرشحاً لأنه أعجبه في مقابلة تلفزيونية، أو لأنه يتحدث بنبرة مؤثرة، أو لأن مقاطعه تلاحقه كلما فتح هاتفه. وقد يسمع العبارة نفسها مئات المرات حتى يألفها، ثم يخلط بين ما ألف سماعه وما ثبتت صحته. يسمي علم النفس بعض ذلك "تأثير الهالة": نُعجب بصفة واحدة في شخص، فنوزع ضوءها على بقية صفاته. من نجح في "البزنيس" أو الرياضة أو التمثيل، يصبح في أعيننا قادراً على إدارة مؤسسة؛ ومن أتقن الكلام يصبح صاحب رؤية؛ ومن جمع آلاف التعليقات المؤيدة يبدو نزيهاً قبل أن نقرأ ملفاً واحداً من ملفاته.

حين تصوّت الحاجة: الزبونية الانتخابية

للأسف، نحن جميعاً معرضون لهذه الحيل. عقولنا تحب الطرق المختصرة، والصورة أسرع من التقرير، والشعار أخف من عشرات الصفحات، والحكاية التي تثير الغضب أو الشفقة تنتشر أسرع من رقم بارد يحتاج إلى تفسير. ثم إن المواطن الذي لا يرى السياسي إلا في موسم الانتخابات قد يفقد ثقته في وعود الغد، فيأخذ منفعة اليوم: قفة، وجبة، خدمة صغيرة، أو ورقة نقدية. هذه هي "الزبونية الانتخابية"؛ لا تقوم على برنامج وحقوق، بل على مقايضة الحاجة بالصوت. قد نفهم لماذا يحدث ذلك، لكن فهمه لا يلغي ثمنه. فمن يبادل صوته بمنفعة عابرة يساعد، من حيث لا يدري، على استمرار الظروف التي جعلته محتاجاً إليها.

أما من سئم اللعبة كلها وقرر العزوف، فقد يكون موقفه مفهوماً، لكنه لا يلغي الانتخابات. الصندوق لا يبقى فارغاً احتراما لغضبه، بل يكبر داخله وزن الأصوات التي يسهل استمالتها.

برنامج أم لائحة أمنيات؟

بعد كل هذا، تبدأ الحملة، فنسمع الشعارات المحفوظة: سنصلح التعليم، وننقذ الصحة، ونوفر الشغل، ونرفع الأجور، ونخفض الأسعار، ونهتم بالشباب.. كلام لا يمكن الاعتراض عليه، فمن منا لا يحلم بغد أجمل؟ لكن البرنامج السياسي لا يُقاس بجمال ما يعد به، بل بقدرته على الإجابة عن الأسئلة المزعجة: كيف؟ وبأي ميزانية؟ وخلال كم سنة؟ وما الأولويات؟ وماذا سيُؤجَّل؟ وكيف سنعرف، عند نهاية الولاية، ما تحقق فعلاً؟

لنأخذ وعد "خفض الأسعار" مثلاً.. يبدو بسيطاً لأن العبارة قصيرة، بينما الاقتصاد لا يعمل بالعبارات القصيرة. فالسعر يشبه ميزان الحرارة، يكشف خللاً في الإنتاج أو العرض أو النقل أو التخزين أو المنافسة. وكسره لا يعالج المرض. يمكن للدولة أن تحسن المنافسة، وتدعم الفئات المحتاجة، وتراجع بعض الضرائب، وتقوي الإنتاج وسلاسل التوزيع.. أما إعلان خفض الأسعار هكذا، كما لو أن الأمر يتعلق بممحاة وقلم، فقد يخفي الكلفة لبعض الوقت فقط، قبل أن تعود في صورة تضخم أو دين أو ضريبة أو تراجع في الجودة… بعض السياسيين يعرفون ذلك، لكن العلاج الحقيقي طويل ولا يصلح دائماً لحملة "كوكوت مينيت" أو لفيديو انتخابي. هم يريدون إنجازاً تظهر صورته قبل نهاية الولاية، لا إصلاحاً قد يزرعونه اليوم ويجني ثماره من يأتي بعدهم… لذلك تُهمل الجذور، وتُصبغ الواجهة.

من يرضي الطفل… ومن يحميه؟

يشبه الأمر طفلاً يطلب من أبيه أن يترك له الهاتف طوال الليل، وأن يعفيه من واجباته، ويملأ له الطاولة بالحلوى. أب يوافق على كل شيء حتى لا يغضب الطفل، وآخر ينتزع الهاتف منه ويرسله إلى فراشه لأن لديه مدرسة في الصباح. في تلك الليلة، سيبدو الأول رائعاً والثاني قاسياً.. لكن الامتحان الحقيقي يبدأ في اليوم التالي، حين يستيقظ الطفل متعباً، وقد نسي واجبه ويحمل صداع السهرة وألم الحلوى. ليست الفكرة أن المواطن طفل.. بل إن الخطاب الشعبوي هو الذي يعامله كطفل، يعطيه الحلوى الكلامية التي يطلبها، ويخفي عنه فاتورة الصباح.

كل شيء مسؤول… إلا المسؤول

ثم نصل إلى المحاسبة، أو بالأحرى إلى الطريقة التي يهربون بها منها. حكومة تقول إن سابقتها تركت لها إرثاً ثقيلاً، ومسؤول محلي يقول إن المعارضة منعته من العمل، وحزب يحمّل الأزمة الدولية أو الجفاف أو الظروف كل ما لم ينجزه. صحيح أن لا أحد يتنبأ بكل أزمة، لكن من يطلب أصوات الناس يفترض أنه درس الواقع الذي سيتسلمه، لا واقعاً اخترعه داخل مقر الحملة. الأحزاب لديها أطر ولجان وخبراء، أو هكذا ينبغي، والبرنامج الجاد لا يتنبأ بالغيب، لكنه يبني سيناريوهات ويحدد الأولويات ويحسب المخاطر. أما اكتشاف المشكلات الموروثة بعد الفوز، فليس عذراً.. بل اعتراف بأن الوعود وُزعت قبل إنجاز الواجب المنزلي. وهذا يحدث بشكل مصغر حتى على مستوى المجالس الجماعية… فالاختلاف داخل المجالس ليس حادثاً طارئاً يسمى تلقائياً "بلوكاج". قد توجد عرقلة مقصودة أحياناً، لكن السياسة هي أصلاً فن العمل وسط المصالح المتعارضة. الرئيس الكفء لا يكتفي بطرح مشروع ثم يخرج للشكوى ممن رفضوه. عليه أن يحترم القانون، ويقنع، ويتفاوض، ويعدل ما يحتاج إلى تعديل، ويجمع حول المصلحة العامة أشخاصاً لم ينتخبوه جميعاً من الحزب نفسه. فإن كان لا يستطيع العمل إلا مع من يوافقه قبل أن يتكلم، فهو لا يبحث عن مجلس منتخب، بل عن جوقة…

مراهقة ديمقراطية؟

لهذا أتساءل: هل نعيش نوعاً من المراهقة الديمقراطية؟ نحن نملك الصندوق واللوائح والحملات، لكننا لم نكتسب بعد كل العادات التي تمنحها معناها … لعلّ بعض مؤسساتنا سبقت الثقافة السياسية اللازمة لتشغيلها. ولعل للمدرسة دوراً أساسياً في ذلك، فهي دربت أجيالاً على حفظ الجواب أكثر مما دربتها على مناقشته، كما أن الأحزاب بدورها تراجعت عن التأطير، والإعلام استبدل أحياناً التحقيق بالإثارة، فدخلت إلى الصندوق الحديث علاقات قديمة: القبيلة، والولاء للشخص، والخدمة مقابل الصوت، والخوف من صاحب النفوذ… ربما أكون متوهمة حين أرفض أن أقول إن الناس "غير مستعدين للديمقراطية". ما زلت أرى أن الديمقراطية لا تُمنح لشعب بعد أن يثبت نضجه، ولا يتعلمها الناس وهم واقفون خارجها.. وإنما يتعلمونها بممارستها، وبالخطأ الذي تعقبه محاسبة، وبحزب يؤطر، ومدرسة تعلم السؤال، وإعلام يتحقق من التصريحات المثيرة والمقاطع المتداولة، قبل أن يقدمها للناس في صورة أخبار مؤكدة. حتى الديمقراطيات التي تبدو اليوم راسخة لم تُصنعها خطبة واحدة ولا فيلسوف واحد، بل تكونت عبر قرون من الصراع والتراجع والتصحيح. أما نحن، فلا ينبغي أن نقلد شكلها ونترك روحها، فنقيم انتخابات حديثة بعقلية السوق والقبيلة والغنيمة.

كانوا يخفونه… واليوم يصورونه

والأخطر أن بعض الممارسات التي كانت تُفعل في الخفاء، لأن أصحابها يعرفون أنها معيبة، أصبحت اليوم تجري أمام الكاميرات ومن دون حرج. كان شراء الولاءات يتم همساً، أما الآن فقد يتحول إلى مهرجان مصور، وتُقدم كثرة الحضور دليلاً على المحبة، وكثرة المتابعين دليلاً على الكفاءة. الخطأ الذي يخجل من نفسه يمكن للمجتمع أن يقاومه.. أما حين يلبس الخطأ ثوب الفضيلة، فنحن لا نفقد القاعدة فقط، بل نفقد البوصلة. قبل أن نسأل المواطن عمن سيختار، يجدر بنا أن نسأل الأحزاب: ماذا تركتم له ليختار؟ وقبل أن نصفق للمرشح لأنه قال ما نحب سماعه، لنسأله عن الكلفة والطريقة والآجال، لا عن الحلم وحده. فلا نريد من يسعدنا في ليلة الحملة، ثم يترك لنا صداع الصباح وفاتورته.. نريد سياسة تحترم عقولنا بما يكفي لتقول لنا الحقيقة، حتى عندما لا تكون الحقيقة صالحة لـ "اللايفات".

شارك الخبر: