المغرب
سياسة

المغرب والتسريبات الفرنسية: كشف زيف ادعاءات الملاذ الآمن بلغة الأرقام واليقظة الأمنية

هسبريس16 شتنبر 2026 في 10:400 مشاهدة
المغرب والتسريبات الفرنسية: كشف زيف ادعاءات الملاذ الآمن بلغة الأرقام واليقظة الأمنية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "المغرب والتسريبات الفرنسية.. يقظة أمنية لا تنتظر صكوك الغفران الإعلامية" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 15 شتنبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

أصبح التعاون الأمني والقضائي الدولي ضرورة عملية في مواجهة الجريمة العابرة للحدود، غير أن فعاليته تظل مرتبطة بقدر كبير من الثقة بين الدول والالتزام الصارم بالاتفاقيات الثنائية والمساطر القانونية، وهو ما يجعل تحويل القضايا الأمنية الحساسة إلى مادة للتسريب والتوظيف الإعلامي عاملا مربكا لهذا التعاون.

وقد برز ذلك أخيرا في حملة إعلامية فرنسية استندت إلى وثيقة داخلية منسوبة إلى الفرقة الوطنية للبحث عن الأشخاص الفارين من العدالة التابعة للشرطة القضائية الفرنسية، لترويج سردية مغلوطة ومبتورة تدعي أن المغرب أضحى “ملاذا” للفارين من العدالة.

إن تفكيك هذه الادعاءات لا يتطلب الدخول في سجالات عقيمة، وإنما يستوجب الاحتكام إلى لغة الأرقام الصارمة ومبادئ القانون الدولي، لفهم البون الشاسع بين ضوابط العمل الأمني المؤسساتي والإثارة الصحفية التي تقتات على معطيات مجتزأة وتفتقر إلى أدنى مقومات التحليل الموضوعي.

أسطورة “الملاذ الآمن”

إن محاولة البعض في فرنسا الترويج فكرة تساهل السلطات المغربية مع المطلوبين دوليا تسقط بمجرد تسليط الضوء على حجم العمل اليومي الذي تضطلع به الأجهزة الأمنية المغربية في تفاعلها مع النشرات الحمراء للإنتربول.

فالمعطيات الإحصائية الموثقة منذ بداية عام 2020، حسب ما كشف عنه مصدر أمني رسمي، تكشف عن مجهود ضخم لا يمكن القفز عليه. فقد شهدت هذه الفترة معالجة وإدماج ما يناهز 4568 مذكرة بحث دولية صادرة عن السلطات القضائية الفرنسية ضمن قواعد البيانات الوطنية المغربية بشكل آلي وفوري، وهو رقم يعكس يقظة أمنية واستجابة استراتيجية تضع تعقب المبحوث عنهم في صلب الأولويات.

وللتدليل على الفعالية الميدانية، استعرض المصدر الأمني نفسه حصيلة التوقيفات، مؤكدا أن قطب المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني تمكن خلال الفترة نفسها من توقيف 124 شخصا يشكلون موضوع مذكرات بحث فرنسية. وفي المقابل، وبمنطق المعاملة بالمثل الذي تكشف الأرقام اختلاله لصالح الجهد المغربي، لم توقف السلطات الفرنسية سوى 47 شخصا مطلوبا للعدالة المغربية.

أما على مستوى تسليم المجرمين، فقد أبان المغرب عن التزام مطلق بالاتفاقيات الثنائية، إذ سلم 101 شخص إلى السلطات الفرنسية، بينما لم يتسلم من باريس سوى 16 موقوفا فقط. وهذه الأرقام المجردة لا تترك مجالا للشك، وتنسف من الأساس فرضية “الملاذ”، كما تؤكد أن المملكة المغربية تلعب دورا رياديا ومتقدما جدا في مكافحة الجريمة المنظمة مقارنة بشركائها.

ويبدو أن الخلل الحقيقي لا يكمن في غياب التعاون، وإنما في محاولة بعض الأطراف الفرنسية نقل النقاش من أروقة القضاء وقنوات التواصل الأمني المؤسساتي المعتمدة إلى صفحات الجرائد وشاشات التلفزيون.

أزمة الملفات الناقصة

من أبرز المغالطات التي روجت لها المنابر الفرنسية العزف على وتر عدم تسليم بعض الموقوفين، وهنا تتجلى أهمية الثقافة القانونية التي يبدو أن الإعلام الفرنسي تعمد تغييبها.

فكما هو متعارف عليه دوليا، يمنع التشريع المغربي تسليم المواطنين المغاربة أو حاملي الجنسية المزدوجة إلى دول أجنبية، وهو مبدأ سيادي معمول به في جل الديمقراطيات، بما فيها فرنسا نفسها. غير أن هذا المنع لا يعني الإفلات من العقاب، وإنما يلزم بتطبيق “مسطرة الشكاية الرسمية”، التي تعني محاكمة هؤلاء الموقوفين أمام المحاكم المغربية بناء على الملفات التي تحيلها الدولة الطالبة.

وهنا تبرز المفارقة العجيبة، إذ أفاد المصدر الأمني بأنه من أصل 53 شخصا يحملون الجنسية المغربية جرى توقيفهم بناء على مذكرات فرنسية، لم ترسل السلطات القضائية الفرنسية سوى 33 ملف شكاية رسمية فقط. وهذا يعني أن العائق أمام استكمال المتابعة القضائية لعدد من المطلوبين ليس “تراخي” السلطات المغربية، وإنما التقاعس أو البطء الإداري الفرنسي في توجيه الملفات والشكايات الرسمية داخل الآجال المحددة ووفق ما تنص عليه الاتفاقيات الثنائية.

يقظة ميدانية مستدامة

إن التزام المغرب بمحاربة الجريمة العابرة للقارات ليس التزاما موسميا، ولا ينتظر تقييمات إعلامية من وراء البحار. ولعل ما يؤكد هذه الدينامية استمرارية العمليات الأمنية الدقيقة التي تستهدف المطلوبين للعدالة الدولية على التراب الوطني، وتحديدا العمليات النوعية التي شهدتها مدن كبرى مثل مراكش والدار البيضاء، والتي أثمرت الإطاحة بعشرات المبحوث عنهم في قضايا تتعلق بالتهريب الدولي للمخدرات وتبييض الأموال وشبكات المافيا.

يتبين بوضوح أن معالجة الإعلام الفرنسي للمعطيات الإحصائية اتسمت بالانتقائية والتعميم والافتقار إلى الأسس المهنية السليمة. وسيبقى المغرب شريكا موثوقا في معادلة الأمن الدولي، لكنه شريك يتطلب التعامل معه عبر القنوات الرسمية والمؤسساتية، بعيدا عن ضجيج الصحافة واستنتاجاتها المتسرعة.

شارك الخبر: