تشريح أزمة المشاركة السياسية بالمغرب: نحو إعادة هندسة الحقل السياسي واستعادة جدوى الأصوات


هذا الخبر بعنوان "عشر محددات لتشريح أزمة المشاركة والحاجة إلى إعادة هندسة الحقل السياسي بالمغرب" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 16 شتنبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
وجهة نظر محمد الحرش
حين تتغير الوجوه ولا تتغير قواعد القرار مع اقتراب انتخابات 23 شتنبر 2026، يبدو أن النقاش العام يستعد مرة أخرى للانشغال بنسبة المشاركة، وترتيب الأحزاب، وعدد المقاعد التي ستنتزعها هذه اللائحة أو تلك. غير أن اختزال الأزمة الديمقراطية في عدد من سيذهبون إلى صناديق الاقتراع يلامس سطح المشكلة ولا ينفذ إلى جوهرها. فالأزمة الأعمق تتعلق بالمعنى السياسي للصوت الانتخابي نفسه، هل يملك التصويت القدرة على تغيير السياسات والاختيارات وموازين القرار، أم أن الانتخابات تكتفي في جانب منها بتغيير الأشخاص الذين يتولون تدبير مواقع داخل بنية قرار أوسع منهم؟
هنا تبدأ أزمة الجدوى، وهنا أيضاً يصبح العزوف أكثر من مجرد امتناع عن التصويت، يصبح تعبيراً عن اهتزاز الثقة في قدرة الوسيلة الانتخابية على إنتاج تغيير محسوس. فالناخب لا يصوت للوجوه فقط، وإنما يصوت لبرنامج ووعد سياسي ومسؤولية يفترض أن تتحول إلى فعل. وعندما يجد أن المسافة بين البرنامج والقرار أكبر مما توحي به الحملة الانتخابية، فإن المشكلة لا تعود في المواطن الذي ابتعد عن الصندوق، بل في منظومة سياسية لم تعد تقنعه بأن الصندوق قادر وحده على إعادة توزيع القدرة على الفعل. لذلك فإن استعادة المشاركة لا يمكن أن تبدأ بموعظة للناخب، وإنما بإعادة بناء الشروط التي تجعل صوته مؤثراً وجديراً بالثقة.
العزوف الانتخابي ليس دائماً تعبيراً عن اللامبالاة، بل قد يكون نتيجة مباشرة لتراكم الإحباط من محدودية أثر المشاركة. حين تتكرر الانتخابات بينما يظل المواطن غير قادر على رصد علاقة واضحة بين اختياره وبين التحسن في التعليم والصحة والشغل والعدالة الاجتماعية والحريات، تتحول المشاركة من فعل سياسي منتج إلى طقس انتخابي دوري. وفي هذه الحالة تصبح نسبة المشاركة مؤشراً على أزمة ثقة أكثر مما هي مجرد رقم إحصائي.
قد تسقط الانتخابات حزباً وتصعد آخر، وقد تتغير الأغلبية وتأتي حكومة جديدة ووزراء جدد، لكن تغيير الأشخاص لا يعني تلقائياً تغيير قواعد اشتغال السلطة. الدستور نفسه يوزع الاختصاصات بين مؤسسات متعددة، فالمجلس الوزاري، الذي يترأسه الملك، يتداول في القضايا التي تهم التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة، بينما يتداول مجلس الحكومة في السياسة العامة والسياسات العمومية والقطاعية.
تدخل الأحزاب الانتخابات ببرامج تعد المواطنين بالتغيير، لكنها تواجه بعد تشكيل الحكومة شبكة من الاختصاصات والتوازنات والالتزامات والسياسات الممتدة زمنياً إلى ما قبل الولاية الحكومية. وهنا يتحول البرنامج من تعاقد سياسي مع الناخب إلى وثيقة يستحيل تنفيذها.
المسألة هنا ليست إنكاراً لاختصاصات الحكومة، وإنما مساءلة للعلاقة بين المسؤولية السياسية ومراكز صناعة الاختيارات الاستراتيجية. وقد ظهر ذلك بوضوح في اجتماع المجلس الوزاري المنعقد في أكتوبر 2025، حيث تم إطلاق الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، كما تقدم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية نموذجاً ممتداً منذ سنة 2005.
حين تتعاقب الحكومات على تنفيذ استراتيجيات وبرامج ممتدة زمنياً، يصبح المواطن أمام مشكلة جوهرية في تحديد المسؤولية، فكلما اتسعت الفجوة بين من يتحمل المسؤولية ومن يملك القدرة الفعلية على تغيير الاتجاه، ضعفت قيمة المحاسبة الانتخابية.
حين تصل الأحزاب إلى الحكومة، تصطدم برامجها الانتخابية بواقع مؤسساتي ومالي واستراتيجي معقد، وتتحول تدريجياً إلى أحزاب تدير ما هو ممكن داخل بنية قائمة بدلاً من إعادة صياغة قواعد إنتاجه.
جزء من أزمة المشاركة يرتبط بتحول السياسة إلى موسم انتخابي تظهر فيه الأحزاب بكثافة قبل الاقتراع ثم تنعدم قدرتها على التأطير والحضور اليومي، مما يخلق فراغاً بين المجتمع والمؤسسات.
اختزال موقف الشباب في اللامبالاة السياسية قراءة قاصرة، وأحدث شاهد هو احتجاجات “جيل زد” الأخيرة، فالذي تراجع هو الاعتقاد بأن الأحزاب والانتخابات هما أقصر طريق إلى التأثير.
لا توجد محاسبة سياسية فعالة من دون معرفة من يقرر ومن ينفذ ومن يتحمل النتائج، وكلما توزعت المسؤولية دون وضوح كافٍ، أصبحت المحاسبة شكلية.
الخروج من أزمة المشاركة يتطلب إعادة هندسة الحقل السياسي على أساس ديمقراطي حقيقي: فصل السلط وتوازنها، سمو القانون، استقلال القضاء، حماية الحقوق، وتكوين مواطن حر يمتلك القدرة على التأثير.
ختاماً: من إنقاذ نسبة المشاركة إلى إنقاذ معنى المشاركة
المعضلة الانتخابية في المغرب لا تختزل في رقم أعلى في نسبة التصويت، بل في إعادة بناء الثقة في أن هذا التصويت قادر على إنتاج فرق حقيقي يؤدي إلى دولة العدل والكرامة، دولة الإنسان.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة